منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مثقف عربي

حليمة الهادي

0

كائن يدعي أنه مثقف:

احتل لفظ المثقف مكانةً متميزة ضمن الأبحاث والدراسات الاجتماعية المعاصرة. فالاحتكاك الثقافي العربي بالثقافة الغربية لدوافع عديدة، سياسية منها والاجتماعية جعلتنا نستعير كثير من المفاهيم في الحقل المعرفي الغربي وتداولها في فضائنا الثقافي العربي، من دون أن نقوم بأي فحص لمضامينها بدقة علمية، وصرامة منهجية ضابطة. ومن تلك المفاهيم الحرية والهوية والمثقف …

وبهذا فقضية المثقف قضية حساسة جداً لما لها من اتصال بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فقد قبل الوطن العربي مشرقا ومغربا بلفظ “المثقف”، رغم أن العرب قديما لم تكن تتحدث إلا عن الفقيه أو المحدث أو العالم أو المؤرخ … ولم يتبلور عندهم مفهوم المثقف بالمعنى المتداول حاليا في الثقافة العربية؛ إلا في ستينيات القرن الماضي. فهو مصطلح وليد المجتمع الفرنسي في فترة ما بعد القرون الوسطى؛ أطلق على شريحة من المجتمع تشتغل على قضية المعنى والأفكار وتشخيص الواقع والإنتاج الفكري، سميت هذه الشريحة “بالمثقفين”.

مفهوم المثقف:

إنّ تحديد دلالة المفهوم مازالت محط خلاف كبير في الوسط العلمي الثقافي العربي، نظرًا لطبيعته بوصفه مفهومًا ضبابيا، ملغومًا يصعب ضبطه وحصره بدقة. فانطلاق مصطلح “المثقف” أو “المثقفين” التوسع والانتشار حتى يشمل ثقافات أخرى، كالثقافة العربية الإسلامية بالخصوص يفرض علينا بالضرورة تأصيل المفهوم من -المجال الأوروبي الفرنسي-لأن معرفة المثقف الأوروبي تمكننا من معرفة المثقف الآخر بشكل عام، والعربي يوجه خاص، وحتى يستطيع هذا المثقف من معرفة نفسه ويتعرف إليها بوضوح، ولماذا يتصف بذلك الوصف، وحتى يتمكن أيضا من معرفة مجتمعه والطريق الذي يجب أن يسلكه ويتقدم فيه لتبليغ وتوصيل قضيته للرأي العام.

المزيد من المشاركات
1 من 69

يشتق لفظ المثقف في اللغة العربية من مادة “ثقف”، أي ثَقِفَ الشيءَ ثَقْفاً وثُقُوفَةً: أي حَذَقَهُ. ويقال رجلٌ ثَقْفٌ يقصد به ضخم، وثَقِفٌ وثَقُفٌ بمعنى حاذقٌ فهِمٌ، ويقال: ثَقِفَ الشيء َ وهو سرعة التعلم. وقال ابن دُريد: (ثَقِفْتُ الشيءَ حذَقتُه)؛ أي ظفرت به. لكن لم يرد في معجم لسان العرب لفظ المثقف، وإنما ورد لفظ “الثقافة” كمصدر بمعنى الحذق؛ (ثَقُفَ الرَّجُل ثقافةً) أي صار حاذقاً خفيفاً، فاستعمل هذا المصطلح لكن بشكل نادر دلالة عن صنعة من الصنائع.

ويرد في حديث الهجرة عند وصف عبد الله بن أبي بكر (وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ) أي ذو فطنة وذكاء، ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. وكذا ثَقِفنا فلانا في موضعه أي أخذناه؛ كما جاء في التنزيل الحكيم مادة “ثقف” بأربعة ألفاظ:﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ و﴿ فإما تثقفنهم في الحرب ﴾، و﴿ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ﴾و﴿ إن يثقفوكم ﴾، فجاءت دائما بمعنى الإحاطة بالشيء.

بات البعض اليوم يتحدث عن المثقف وكأنه زائدة مزعجة أو تورم مؤقت في الجسد المجتمعي لا معنى ولا ضرورة لوجوده، هي آراء ناتجة عن الإحباط الشديد واليأس والشعور بالعجز أمام ما يجري من وقائع على المجتمع وعدم تمكن المثقف من فهمه تماما والمشاركة في تغييره، ولذلك أصبح من الضروري توفر مجموعة من الشروط، باكتمالها يصبح الفرد مثقفًا، وبها تتحدد علاقته بالمجتمع.

ليس المثقف من يلقي ضهره للحقيقة، وإنما المثقف من يسعى إلى الكشف عن الحقيقة، وفضح جميع الإيديولوجيات المتآمرة على المجتمع وعلى الأفراد، وأن يكسر جميع الطابوهات ويتجاوز بالعقل كافة أشكال التفكير الخرافي والأسطوري واللاعقلاني، وأن يعمل على تنوير الأفراد وتبيين أوجه الحقيقة لهم دون زيف أو تشويه.

ينبغي على المثقف أن يتحلى بأقصى درجات الشجاعة الفكرية، ذلك أن الأفكار ليست شعارات ينبغي الدفاع عنها بقدر ماهي أدوات لفهم الحدث وتشخيص الواقع (إنها حيلنا في التعقل والتدبر، للحياة والوجود، باجتراح القدرات التي تتيح لنا ان نتحول إلى عما نحن عليه). وأن يعتمد النقد منهجًا له في فهم المجتمع وظواهره وتحليلهما، حيث يصبح قادرًا على مواجهة كافة أشكال السلط دون أن يتراجع عن مواقفه الفكرية التي يراها الخيار الأنسب للمجتمع. بما فيه الشعور الذاتي بالحرية وخاصةً حرية الوجدان.

يسعى فيه لقراءة الواقع والمجتمع وتقديم عدد من الأهداف التي تنبع من صميم الحدث الراهن، فكل مجتمع له عوائق ونقائص تحول دون تحقيق مفهوم التنمية بمعناها الشمولي، وتمس مختلف جوانب حياة الأفراد، ولتجاوز هذه التغيرات لابد من ابتكار مشروع مجتمعي متكامل، تتوفر فيه كافة الضمانات اللازمة للوصول إلى الأفضل.

يعقب هذه الأهداف تحديد طائفة من الخطوات الباعثة على بلوغ ذلك الهدف، ولا يتم ذلك إلا باستناد هذا المثقف إلى منهج فكري رصين أثناء التصنيف والتنقيح وربط الأحداث وصوغ مشروع تقني أكثر فائدة من نظرية مجردة، هنا يبرز دور المثقف بوصفه حاملاً لمشروع وبديل اجتماعي جديد، يستطيع به استقطاب كافة الشرائح الاجتماعية التي تجد فيه خلاصها.

المثقف العربي وإشكال المفاهيم المعاصرة:

إن المثقف في العالم العربي اليوم أمام أفق آخر، وأنّ مرحلة إعادة البناء السياسي والإقتصادي والاجتماعي تتطلب تنمية ثقافية حقيقية فمن غير هذه التنمية لا يمكن تصور مجتمع عصري متمدن ومنتج، ولا يمكن تصور ازاحات في الوعي السياسي ما لم نعي الدور الذي يتعين على هذا المثقف إزاء هذه التحولات بوصفه فاعلا اجتماعيا في قلب الحدث الراهن، وذو رؤية ثقافية فاعلة في التحول الاجتماعي.

  • المثقف العربي وسؤال الحرية المفتقدة:

لقد وعى المثقف العربي ذو المنحى الإسلامي ان معركة التغيير بغية مجاوزة التخلف المزدوج توجب تجديد فعلي في الدين والسعي نحو ارتياد آفاق جديدة في فهم الشرع الإسلامي، ولا يتم ذلك إلا بمراجعة شاملة لما جمد عليه رجال الدين الإسلامي قروناً عديدة، فتيقن المثقف أن دعوة النهضة ترجع إلى الحرية باعتبارها ركن مكين وأصل أصيل للتقدم والربيع الذي انطفئ قبل ان يضيء. يقول خالد العسري( رأسمال المثقف وعيه، وفي زمن التحولات الكبرى، يصاحب هذا الوعي الدفاع المستميت عن قيمة القيم التي تشكل شرط نموه وسموه وهي الحرية) ؛ فلا يستقيم مطالبة المثقف بالحرية إلى عند اكتمال وعيه لهذه القيمة التي يريد، وليس التوبيخ الجاف والاتخاذ. موقف من الاستبداد الذي لا يريد في اللحظات الحاسمة.

وهنا نستحضر عبد الرحمن الكواكبي الذي أفنى عمراً عزيزا في التنديد بما يسميه داء الاستبداد المستشري في الجسد المجتمعي الشرقي، مشخصاً طبائع المستبدين، ومصارع الاستعباد وآفاتها وأضرارها العديدة التي ترخي الجدور عبر العصور، فبقيام الحرية يقام العدل والمساواة والقسط والإخاء، ومن الشواهد على ذلك نعته أن (المستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلها). فالمثقف يخاف على المجتمع من استبداد الدولة ومظالمها، ففي تسارع الحوادث وتناقضها وانعدام الرؤية، ينتظر المجتمع منه الموقف الواضح الغير قابل للتسويف، المثقف الذي يملك رؤية خاصة مرجعها العقل، وله بعد عميق في حركة المجتمع والعالم والذي يملك قدراً من الحرية للتعبير عن رؤيته. وليس ترك القضايا والحوادث المستعجلة حتى تبرد ودراستها كما يدرس التراث والحداثة…

يشكل المثقف سلطة نقدية تجاه الاختلالات والانتهاكات التي تمارسها السلطة ويعرفها واقعه، ولذلك تعد استقلالية المثقف مسـألة مصيرية لممارسته وضيفته النقدية، وحتى تظل تصوراته بعيدة عن التأثر بأهواء السلطة والحكام، وما هو معروف ان السلطة المستبدة كالتي حاربها الكوكبي لا تعتقد في الوظيفة التنويرية التي يمارسها المثقف، الباعث الذي جعل هذا الأخير يفر سراً لبلاد آخر نسلم جدلاً أنه أكثر حرية،(إن الحرية تشكل أولى القيم الكبرى التي ينتصر لها المثقف الحر في الأحوال والظروف كلها، الأمر الذي يجعله ينظر ابتداءً إلى حريته واستقلاليته بوصفها حقين غير قابلين للتفاوض بالمطلق) .

فالسلطة النقدية والاستقلالية التي يسعى إليها المثقف ليس من النظام فحسب وإنما من المجتمع أو الجماعة أيضاً إن صح العبير، بلحظة الثورة والتحولات المجتمعية والسياسية لأن المجتمع لا يسعى لسماع منه إلا ما يريده وليس ما يريده هو، ولذلك فوجب على المثقف الحر الحفاظ على مسافة نقدية لمواجهة النظام والمجتمع، رغم ان النقد الثاني في وجهة نظري أيسر من نقد النظام الحاكم؛ فنقده قد يسفر على تعرض هذا الناقد الثوري جميع ألوان التعذيب عكس المجتمع الذي أقصى ما يمكن ان يفعله هو التهميش ونعته بأبشع النعوت مع النظرة الدونية قتلا و تمويتاً له.

إن حرية السياسة تفرض بالضرورة التحرر من ثقل العقائد التاريخية التي تمنح قدسية السلطة السياسية، وهو مأزق عاشته طائفة من المثقفين والمفكرين في الفكر الإسلامي في عمومه، فمطالبة الحرية اليوم هي ليس مطالبة من فراغ وإنما مطالبة نابعة من مآسي دول الاستبداد.

نقف أيضا عند علال الفاسي وهو مفكر مسلم آخر اشتغل بمسألة الحرية من زاوية مغايرة، أو لعلنا نقول إنه أخذ الحديث عن أهم ما صرخ به المثقف العربي كي يبقى ذاتا حية ثورية، وهو مبدأ حرية التفكير؛ الفكر الحر الذي لا يقيده قيد ولا يربطه رابط، وهنا قد حضرني قول مشهور: (قد تدرك السمكة كل شيء في البحر إلا الماء)؛ فالمثقف قد يدرك كل أجزاء المجتمع إلا الحرية التي أنعمها عليه الله سبحانه، والتي لا يدركها إلا عند فقدانها ولم يعن له الإعراب عما يجول بباله من فكر، وهذا يؤدي لا محالة لقتل الأفكار وكبتها.

اشتغل علال الفاسي بالحديث عن مسؤولية المثقف في الكبت لحرية التفكير عند الآخرين، وليس الاضطهاد الذي تمارسه الحكومات على حرية التفكير، وإنما الجانب الاجتماعي من هذا الكبت؛ وهو استعداد الأفراد والمجتمع بأكمله لتوسيع أفق التفكير وقبول كل فكرة تدعوا للتجديد في شؤون العقيدة و إعادة قراء التراث بما يلائم مستجدات الحياة، وكل نقد موجه للنظام الاجتماعي ومؤسساته مع مناقشته بالأساليب المنطقية النزيهة، يقول الفاسي (إن التقزز الذي نحس به عندما يوجه إلينا احداً نقداً ما، او امتعاض الذي نشعر به عندما نقرأ أفكاراً مباينة للأفكارنا فإن ذلك كله دليل على الاضطهاد العظيم الي وجدته الحرية في بلادنا سواء من ذوي الأمر المنتسبين للدين أو من ذوي الثورة والجاه) . ندرك إذن ان ما يقصده الكاتب هو تحرر الأجيال من الكبت والاضطهاد للأفكار؛ والذي يعمل فيه المثقف على محو كل ما سبق ذكره من النفوس والسيطرة عليه، والسماح للغير بإبداء آرائهم ولو كانت معارضة لما يؤمن به الآخر، لأنه كما يقول علال الفاسي لا ضرر من تصريح الكل بما يعتقده؛ والعصمة لا تكون إلا للأنبياء الذي خصهم الله سبحانه بذلك. وكما للأفكار قدسيتها وقيمتها فإن مبدأ الحرية يجب أن يعلى ولا يعلى عليه حتى يعنى للتفكير الاستمرار والدوام والانتفاع من الثمار التي ينتجها.

إن الحرية التي يريدها المثقف لا يمكن لها أن تتحقق مادام لم يعطيها هو لنفسه أولا، ولغيره ثانيا فالحرية كسائر الأشياء القيمة المحاطة بكثير من المكاره، وهي إما أن تكون كذلك أولا تكون (يجب ان نخلق الجو الذي يسمح للكل بإبداء رأيه وأن نضع أصبع الأمة على مواطن ضعفنا لتلاحظ ما ينقصها، ثم يجب أن نشجعها بعد ذلك على التصريح بما تفكر به).

  • المثقف العربي وأزمة الهوية:

الهوية هي بما تحمله الذات من قواعد دينية وقيم وأخلاق ومبادئ ومعايير واضحة تخاطب الثقافة العامة فتؤثر بذلك على كافة لمستويات الثقافية وتحافظ على هرم قيم المجتمع بحيث تحكمه القيم السائدة وتظل القيم اللاأخلاقية متنحية تتم في الخفاء وباستحياء.

والهوية عندما تكون أخلاقية وإنسانية تستطيع أن تتغلغل في كل مستويات الثقافة للمجتمع الواحد وتنسج بينها وتوحدها في الغايات والأهداف وتشيع بينها روح الاتفاق والتعاون والاحترام المتبادل وبالتالي تصبح هوية للمجتمع بأكمله.

فبروز خطاب الهوية في المشهد الفكري العربي كان بعد تحول الصراع ضد النظام إلى الصراع عن الهوية في الثقافة العربية، لإعادة النهوض بما يسمى بدول العالم الثالث؛ والتي أنتجت مجموعة من المحاولات والمشاريع الفكرية تبنت قضية الإصلاح في مختلف المجالات سواء السياسية او الثقافية او الاجتماعية. بين مثقف تبنى هوية علمانية غربية مستبعداً الهوية الدينية الإسلامية، وبين مثقف متمسكا بهذه الهوية الدينية الإسلامية على وجه الخصوص مقترحاً الرجوع لروح الإسلام الحقة واستعادة الوحدة واللمة في الوطن العربي، فالمتبني للمنهج الأول على غرار ما حدث في الغرب لم يدرك الفروق الجوهرية بين الثقافات فتبني المنهج العلماني في الدول الغربية تحت القاعدة الأساسية “فصل الدين عن الدولة ” للإنشاء الحضارة إنما في حقيقة الأمر هو فصل  طاغوت الكنيسة عن السياسة والرجوع لروح المسيحية الحقة وبالتالي هذا مالا يمكن تبنيه في العالم الإسلامي لما عرفته من ازدهار في مختلف العلوم الإنسانية فالنهضة الحقيقة بها لا تكون إلا بالرجوع لهذا التراث الحي والأخذ منه ما يقبل التجديد وركوب ركب الحضارة، وإنتاج الهوية الإسلامية والتي هي فهم وتطبيق بشري للدين في واقع حياتنا، فرفض فئات من المجتمع لهوية إسلامية هو ليس رفضا للدين وإنما رفض لنمط من التدين يرون أنه لا يناسب ثقافتهم في حقيقة الأمر.

لا يخفى عن القارئ أن أزمة الهوية التي يعانيها المثقف في الوطن العربي تتجلى في نشأته الملتبسة أي أنه ولد نتيجة احتكاك ومثاقفة مع الغرب الحديث. بالإضافة لما ظهر من أمارة سؤال الحداثة في العالم العربي الذي لم يكن سؤالا شرعياً ناتجاً عن التحولات التاريخية الذاتية. لكن هناك من يرى كخالد العسري أن أزمة الهوية لدى المثقف انفجرت بعد الربيع العربي، لما لاحظه المجتمع المدني من فتور في علاقة المثقف بالشارع ومواقفه المتحفظة إزائها. وأيضاً اتضاح وجود خلافات فكرية نتيجة عن تنوع في الآراء نابع من خلفيات وتقديرات مختلفة لمصلحة الهوية الإسلامية.

كشف تنوع وتعدد الهويات في المجتمع عن الانقسامات والانشقاقات عنيفة بين فئات المجتمع الواحد عوض أن تصبح التعددية تعددية رحمة وثراء، وهذه أزمة هوية من نوع آخر بحيث فرضت على المثقف حسم هذا الخلاف بين هذه الفئات بصوغ مشروع للتأسيس لثقافة تعددية تجاه السلطة وهوية موحدة. والفشل في ذلك معناه نقص منسوب الأصالة في الأجوبة الأمر الذي وقع فيه العديد من المثقفين العرب وأطروحاتهم التي قدموها، فلم يهتموا للاعتراضات الدينية والتحفظات الثقافية التي كانت تواجه بها أعمالهم وآرائهم، أي استفراغ هذا المحتوى من البعد الإسلامي.

ما يجب على المثقف ترسيخه أن الدولة المتعددة الهويات الإثنية والعرقية واللغوية والقبلية تبني سيادتها على هذا التعدد في الهويات داخلها بحمولاتها الثقافية الإيجابية وليس بمشروعات سياسية انقسامية، وكذا إسكان المخاطر التي تستهدف وحدة كيان الدولة واستمرارها باستهداف هذا التعدد في الهويات. إن صراع هذه الأخيرة يفتت المشرك القومي، بل أكثر من ذلك فهو يقف عقبة أمام تشكل امة موحدة فإغفال المثقف التحولات التي تطرأ على فئات المجتمع –السلبية-وعدم القدرة على تشخيصها ورصدها ومحاربتها والتنديد بها، يفقده الفهم السليم للواقع وبالتالي انعدام إمكانية المساهمة في تصحيح مساره.

هناك أزمة أخرى في الهوية توجع منها المثقف في التجربة العربية الحديثة يسميها محمد جبرون تنازع الشرعية بين الفقيه والمثقف، أي التحول من النزاع على الحق إلى النزاع حول السلطة والسلطان، فالمثقف ربطه بالدنيا، والفقيه ربطه بالله.

فلننظر الآن للهوية من منظور آخر، حسب ما نظر له الكاتب طه عبد الرحمن فهو يميز بين ثلاث أقسام من الهوية (الصماء\اللينة\ المائعة)، غير ان ما يهمنا هنا هو الهوية المائعة والتي بفضلها أحدثت ازمة للهوية عند المثقف؛ المقصود منها (النظر إلى الذات بعين الغير والنظر إلى الغير بعين الغير كذلك)، وهذه الذات التي تحمل هذه الهوية لا شك أنها تأخذ من فكر سواها حتى تذوب تدريجيا مع هذه الذات الأخرى ويكون مجمل انتاجاتها اقتباس يبدو له ضروريا لحصول عملية التحديث وتجديد المفاهيم.

إن مما لا شك فيه هو أن أزمة الهوية التي عاناها المثقف في العالم العربي، هي أزمة أحدثت أثرها العميق في نفس هذا المثقف، هي أزمة المفاهيم وبناء التصورات والتكييف مع الواقع، هي أزمة وظيفة في تحديد المقاربات التي تلائمه، والتي أثرت في دور المثقف حيال أحداث وتحولات المجتمع والربيع العربي، فالهوية (توليفة من العقائد والمحرمات بقدر ماهي سيرورة نامية ومتحركة من التحولات والتقلبات) ، وهذا التقلب في الهوية لا ينتج سوى محاولات او صيحات لتحديث الفكر الإسلامي العربي لا تخرج عن نطاق الأخذ بأفكار الآخرين.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمثقف هو التحلل من المسؤولية سواء تجنب المحاسبة من الجمهور أو السلكة، فيخون بذلك وضيفته التي تقتضي تحمل المسؤولية عن مواقفه في الواقع، (يغيب في العالم العربي التمييز بين المثقف المحافظ الذي يمثل تقاليد الدولة ويعارض التغيير المبادر إليه من الشعب ويعتبر الحكمة كامنة في الدولة من جهة، ومثقف الأنظمة وأجهزة الأمن الذي يبرر قمع حركة المظلومين من جهة أخرى)

إن المهمة الملحة للمثقف العربي هو شحذ الوعي ونقد التاريخ في ظل التطورات والتغيرات المتلاحقة، ولابد أيضا من فهم الواقع ووصفه لأن المساهمة في التغيير لا تنبع إلا من داخل المعاناة كمحاولة جادة للإنتقال بالمجتمع إلى عالم ثقافي أكثر حضارة وحرية. غير أن ثقافتنا المعاصرة كما يراها المثقف العربي لاتزال تعيش في الماضي على الرغم من اعتناقها مفاهيم ومصطلحات نظرية حديثة.

فيلاحظ القارئ أننا أفضنا الحديث في مصطلحين اساسين وهما الحرية والدفاع المستميت عنها من طرف جمهور من المثقفين والتي عدها علال الفاسي (الحرية في الإسلام ليس حقا من الحقوق الإنسان ولكن واجبة عليه) ، فمن الحمق أن نتحدث عن الوحدة في المواقف للمثقفين دون استحضار قيمة القيم “الحرية” والتي تمكن من التأسيس لوعي مشترك للدفاع عن قضايا متعددة؛ فانعدام الحرية هو إعدام لكل مثقف فلا تزهر أفكار المثقف إلا مع الحرية. وكذا مصطلح الهوية الذي أحدث سمة بارزة في مسرح الفكر العربي فالصراع عن الهوية من معالم الثقافة العربية ومن التحديات الكبرى التي واجهت المثقف وهي نتيجة إخفاق هذا الأخير في القيام بدوره في التنوير والإصلاح وقيادة المجتمع فهي أزمة من أبواب متفرقة تحتم على المثقف إعادة مراجعة المفاهيم وبناء التصورات وتجديد المقاربات بغية المساهمة الفاعلة في قيام نظام ديموقراطي يخدم الأمة والمجتمع.

ليس المثقف هو من ينظر إلى المجتمع بعين آنية كالسياسي أو الفقيه ولا أبخس حق الفقيه إنما أقصد الذي يجيب عن نازلة فقهية، وإنما من ينظر بعين بعيدة الأمد، بعين التاريخ يستحضر في ذاكرته الماضي ويستشرف المستقبل ما يجعل لرؤيته استراتيجية تنحاز إلى القيم ولا تغرق في التفصيلات الواهية. فما أدبر عليه المثقف اليوم ويفرقه عن المثقف الأمس النخبوي هو أن الأول كف عن الادعاء بأنه يمتلك الأجوبة الصحيحة ومفاتيح الحل.

الآن نحن نعيش هذه الأزمة، نعيش في زمان يشكوا حالا من الهزال الفكري والفقر النظري في طرح نظريات شاملة بموجهاتها وتحولاتها ومآلاتها، ما أحوجنا إلى استحضار الدرس الفكري العربي في عصر النهضة وإلى التعلم منه، والأخذ به.


الفهرس:

-أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، أساس البلاغة، تحقيق محمد باسل عيون السود، كتاب(الثاء)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998.

  -أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رسائل الجاحظ، الرسائل السياسية، مناقب الترك، تحقيق علي أبو ملحم، ج1، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2002.

ابن منظور، جمال الدين. لسان العرب: المجلد 1، ج1، باب الثاء، تحقيق هاشم محمد شادلي وآخرون، (1981م-1401ه).

  – الجابري، محمد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة 2، 2000، ص22.

                                          -الخطاب العربي المعاصر (دراسة تحليلية نقدية): مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة 5، 1994.

– شريعتي، علي. مسؤولية المثقف: ترجمة الدسوقي شتا إبراهيم، دار الأمير، بيروت، الطبعة 2، 2007.

العروي، عبد الله: ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، بيرت، الطبعة 4، 1997.

– حرب، علي. أوهام النخبة أو نقد المثقف: المركز العربي الثقافي العربي، بيروت، الطبعة 3، 2004.

– يقطين، سعيد. “المثقف والوظيفة الثقافية”، مجلة مغارب فضاء للتفكر، عدد2، مركز مغارب للدراسات في علم الاجتماع الإنساني، الرباط، الطبعة 1، 2018.

-العسري، خالد. المثقف العربي وإشكال الحرية والهوية زمن الموجة الأولى من الربيع العربي، ضمن أعمال المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية، بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مراكش ،19و21مارس2015، طباعة المركز السابق، قطر، الطبعة 1، 2017.

  -الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد: منشورات الجمل، كولونيا، الطبعة 1، 2006.

-الفاسي، علال. النقد الذاتي: المطبعة العالمية، القاهرة، الطبعة 1.

-طه، عبد الرحمن. روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة 1، 2006.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.