منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حتى لا ننسى…

0
اشترك في النشرة البريدية

في مثل يوم 21 يوليو 1921، انتصر مجاهدو الريف في شمال المغرب بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي على إسبانيا بقيادة الجنرال “سيلفستري” في معركة أنوال الشهيرة. فئة قليلة من الريفيين وبوسائل بسيطة حققوا نصرا تاريخيا على جيش عتيد وأسلحة متطورة فتاكة؛ معركة غير متكافئة من حيث الإمكانيات المادية والبشرية، وصفها شاهد عيان: كانت “معركة شديدة لم يسبق لها مثيل في جميع المعارك التي خاضتها إسبانيا منذ دخولها التراب المغربي” كما صرح أحد جنرالاتها بيرنجر في أعقاب المعركة أن “هذه أكبر كارثة عسكرية عرفتها إسبانيا في تاريخها”، فقد بلغت خسائر القوات الإسبانية “بحسب ما جاء في تقارير الإسبان الرسمية”، 19 ألف قتيل و4300 جريح و570 أسيرا، في مقابل 500 قتيل و600 جريح في صفوف مقاومي الريف، وغنيمة تقدر “بما يزيد على 100 مدفع ثقيل و200 مدفع صغير ونحو 1000 رشاشة وما يزيد على 30 ألف بندقية وملايين الإطلاقات والقنابل وغير ذلك من البهائم والملابس والأدوية وكميات كبيرة من المؤن” .
لن نصف مجريات المعركة ولا تفاصليها، ولكن سنحاول في هذه الورقة تسليط الضوء على سر هذا الانتصار التاريخي الذي حققه محمد بن عبد الكريم الخطابي مع قلة مستضعفة لا حول لها ولا قوة ضد إحدى قوى الاستكبار العالمي.
ذاع صيت الخطابي عالميا كمناضل وأسطورة عسكرية لا تقهر، وفُسِّر سر انتصاره الساحق بفضل عبقريته الباهرة التي قادته إلى استعمال تكتيكات “حروب العصابات”. لا ننكر دور هذا الأسلوب وجدواه في ترجيح كفة الريفيين، ولكن يبقى مجرد جزء مكمل لمرحلة سابقة وذات أهمية كبرى تمثلت في ذلك التغيير الجذري الذي أحدثه الخطابي في القبائل الريفية، فهو المربي والمصلح الذي كان يؤمن بقوله تعالى: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾[الرعد: 11](الآية).
أدرك أمير المجاهدين أن هزيمة العدو الخارجي عقبة دونه عقبات داخلية يلزم اقتحامها، فانطلق من مقومات ثلاثة أسس بها جهاده ضد العدو: أولها؛ ربط الريفيين بالله، ثانيها، توحيد القبائل، ثالثها، إشاعة قيمة الحرية، ثم تلى ذلك تخطيط وتنظيم لمواجهة العدو.

1. ربط الشعب بالله تعالى

من المسجد، انطلق الخطابي مهمته للانعتاق من الاستعمار؛ فقد كان يعقد جلسات تربوية ل”ربطِهم بخالق هذا الكون ومدبِّره، فأخذ يعلمهم الدين، ويلقنهم العقيدة. فيجلس في وسَط الحَلقة وفي أي مكان ليشرح لهم، وبأسلوب مُبَسط، أصول الدين والشريعة بأنها معاملة وأمانة ونظافة ونظام وسلوك وأخلاق ومبادئ وشجاعة وكرم وعلم وبناء وعمران ورسالة في الحياة ووحدة وإخاء وتسامح ومحبة ورحمة ووطنية. ويَأتي لهم بالأمثلة كالمعلم أمام تلامذته”
كان خطابه يحرك الوجدان وينير العقول، فاستطاع بذلك أن “يحيي فيهم الإيمان بالله ورسوله، وشوقهم إلى سعادة الآخرة، فكانت استجابتهم انبعاثا وتجديدا، لم يُقحم عليهم عقيدةً غريبة مثل القومية والثورية والبرلتارية” ، وإلى الإيمان، عزى الخطابي انتصاره على العدو؛ إذ يقول: “لا ريْب أن الذي ساعدنا على محاربة الأعداء سنواتٍ لَم تمُرَّ فيها لحظة دونَ موقِعةٍ أو معركةٍ أو ضحايا هو الإيمان، والإيمان وحده. إن الإيمان هو العامل الأساسي، وهو السلاح الأقوَى في كل الحروب التحريرية. بل في كل عمل جدّيٍّ» .
استغرب أصحابه وتساءلوا: «أبهذه الفئة القليلة تريد أن تقاتل الإسبان ولهم جيوش وسلاح وأموال، ووراءهم دوَل ستُمِدهم بالمساعدات. فلِم لا تطلب المساعدة من دول كبرى؟ فقال : «لقد طلبت المساعدة، وستصل في الوقت المناسب. وأعدكم بأننا وإيّاها سننتصر على كل ما يأتي به الإسبان ومن وراء الإسبان». وسكتوا، ظنّاً منهم أن مع الرجل قوةً أخرى يدخرها ساعدته بها دولة عظمى. فإذا هو يستطرد قائلا : «إنها قوة الله. يا قوم، قوة الحق. وكفى بالحق ناصرا ومعينا» ، فيأتي نصر الله في معارك الريف تصديقا لقوله تعالى : {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 249](الآية)
بهذا، يتجلى أن “الرجل كان مربِّيا عالما بدينه مخلصا لله رب العالمين. وكان معلما انتشل قومه الريفيين من وهْدة الجهل الجاهلي ورفعهم إلى مَراقِي الإيمان بالله، والصدق مع الله، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله”.

2. توحيد القبائل:

بفضل ما غرسه الخطابي في نفوس الريفيين من تعلق بالله ومحبته وما أشاعه من عدل، استطاع أن يوحد القبائل بعد سنوات من الانقسامات والتناحر بسب الثأر.
كان الخطابي واعيا بخطورة التفكك والتعصب القبلي، فسعى إلى توحيد القبائل الريفية وتجميع كلمتها، وإزالة كل ما يدعو للتناحر؛ إذ «تصدى ليزيل من نفوسهم ما كان عالقاً بها من خُرافَة الثأر على أنه خراب وعار وكفر بالقيم، وفقر وتعاسة وجهل وغباء، ووسيلة للاحتلال، وفوضى، ومأساة اجتماعية لا يُقرّها الناس الطيبون. فوُفِّق في هذه الخطوة، وانتهت ظاهرة الثأر إلى الأبد»
ويصور لنا الكاتب الفلسطيني، محمد شاويش هذا الانتقال من العداوة إلى المؤاخاة بقوله: “أن القائد عبد الكريم نفذ المبدأ الذي قام على أساسه المجتمع الإسلامي الأول في المدينة وهو مبدأ المؤاخاة بتجاوزه على قاتل والده، ففي ظرف سبعة شهور استطاع الزعيم محمد بن عبد الكريم، في المجتمع الذي كان مشهورا بالنزاعات الدامية التي لا تنتهي بين أفراده والذي كان الشعور بانعدام الأمن يغزو كل فرد منه، وكان مبدأ الثأر الجاهلي يمزق فيه شبكة المجتمع…صرنا نرى مثلا في خندق واحد قائدين، كان في ما مضى يتحينان الفرص للفتك ببعضهما، اجتمعا في المعركة في خندق واحد أخوين يحمي كل منهما الآخر ويعمل لنجاته”.
لم تنحصر اهتمامات الخطابي في توحيد القبائل الريفية، ولكن “عمل على القيام بتعبئة وطنية لتوحيد أهالي المنطقة، فقد أيقن بفكره الثاقب، أن طريق الانتصار هو بناء الجبهة الداخلية، أي إقامة وحدة شعبية وطنية تتفتت عندها الحدود القبلية، وبذلك يسد المنافذ على العدو الإسباني الذي استفاد وراهن من التفكك الاجتماعي في فرض سيطرته على البلاد»

المزيد من المشاركات
1 من 21

3. إشاعة قيمة الحرية

بدأ الخطابي مشروعه التحرري من العدو بتخلصه من التبعية الاقتصادية، فشجع على الإنتاج المحلي بقوله: «الزراعة تغنيكم عن المواد الغذائية التي تستوردونها منهم- أي المستعمر- والشجرة المثمرة تغنيكم عن فاكهتهم وزيتهم والمحافظة على الغابات تعيد إليكم المطر ليسقي الزرع والشجر، كل من يزرع شجرة ويعتني بها يعتبر مقاتلا شجاعا ووطنيا غيورا، وكل من قطع غابة يعتبر خائنا للوطن وعدوا لشعبه وأولاده »
بعد عمل دؤوب لترسيخ أسس العقيدة الصحيحة، انتقل إلى مرحلة الجهاد، يحكي محمد سلام أمزيان، رفيق الخطابي، في القاهرة هذه الخطوة: «وبعد سبعة شهور من الجُهد المتَواصل ليلَ نهارَ سألهم : أتدرون ما كنتم تتعلمون؟ قالوا : الدين والإيمان والأخلاق والصدق والعزيمة والصبر والمحبة و… و…» فقاطعهم متسائلا : «ولكن لا تعلمون أن هذه كلَّها ستبقى ناقصة إذا انعدمت الحرية؟ وحريتنا كما ترون يهددها الغزو الأجْنبي» قال (أمزيان) : «فتململوا في أماكنهم، وتحسسوا على بنادقهم، وقالوا: «إننا محاربون، وسنقاتل أعداء حريتنا، وسنواجه الغزاة… ومن الآن !» .
لقد قرر الخطابي مبدأ عاما استمده من تعاليم دينه الخالد، أنه لن يتحقق الإيمان الكامل، إلا إذا تحرر الإنسان من عبودية العباد، وانعتق من كل الأغلال والإكراهات، أي إن الإيمان الحقيقي يبني على قاعدة الحرية والقدرة على الاختيار وتقرير المصير، وبدون هذا يفقد الإنسان معنى إنسانيته.

4. التخطيط والأخذ بالأسباب

لم يكتف الخطابي بتقوية الوازع الديني لدى المجاهدين وربطهم بخالقهم، ولكن بالموازاة مع ذلك، خطط و”وضع أسسا جديدة لمواجهة العدو تقوم على “أسلوب الكمائن” أو “حرب العصابات” الذي وجده فعالا في مواجهة جيش مزود بالأعتدة الحديثة ، كما “أنشأ مجالس محلية للقبائل الموالية له لتنظيم حركة المقاومة وتمرين المجاهدين وتدريبهم على أساليب الحرب وطرق الوقاية والهجوم والدفاع مما كان يفتقده السكان كما عكف على شراء الأسلحة والعتاد وادخاره بالمعركة الفاصلة”
لقد جمع الخطابي بين العلم الشرعي والاستفادة من العلوم الحديثة، مما جعل المحتل يحس “أن حركته طرازٌ آخر من الجهاد، متميزٌ بقيادته العالِمَة، متميزٌ بذكائه الحربي، متميزٌ بتقنياته الحديثة [فقد كان البطل مْحمد أخو الأمير ووزيره مهندسا في التعدين ممتازا تخرّج من مدارس إسبانيا]، متميّزٌ بمشروعه الواسع الذي خطط لتحرير المغرب العربي كله، واستجاب لندائه المشرق المسلم كله”.

خاتمة
لم تكن معركة أنوال مجرد تمرد ضد عدو استباح الأرض والعرض، ولكنها كانت حركة إسلامية عميقة صنعتها “تربية أدمجت، ووعظ لامس القلوب، وإرشاد غيَّرَ، وعقيدة قلبت المعايير وصنعت مجتمعا جديدا. لاَ غَرْوَ، فقد كان القائد الفذّ معلما واعظا متواضعا يجالس المسلمين في حلقة تذكير مسجدية”.
هي معركة أكدت أن ما حققه المسلمون في غزواتهم مع قلة العدد والعتاد، كما حدث في بدر ومؤتة، يمكن إعادته متى تحققت شروط النصر التي تبدأ بمواجهة العدو الداخلي فينا، من بعد عن الله وعن أخلاق الإسلام، ومن تعلق بالدنيا وزينتها والتنافس فيها، ومن ترك للأخذ بالأسباب وإعداد لقوة نرهب بها الأعداء. ويوجز لنا قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يعبدونني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَـاسِقُونَ﴾ [النور: 55] قانون التمكين والنصر. يقول ابن عاشور عند شرحه لهذه الآية: «وقد كان المسلمون واثقين بالأمن ولكن الله قدم على وعدهم بالأمن أن وعدهم بالاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والشريعة فيهم تنبيها لهم بأن سنة الله أنه لا تأمن أمة بأس غيرها حتى تكون قوية مكينة مهيمنة على أصقاعها. ففي الوعد بالاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف أمنا إيماء إلى التهيؤ لتحصيل أسبابه مع ضمان التوفيق لهم والنجاح إن هم أخذوا في ذلك، وأن ملاك ذلك هو طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم»

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.