منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمريكا الوجه الاخر

أمريكا الوجه الاخر/مريم أولاد طويل

0

أمريكا الوجه الاخر

بقلم: مريم أولاد طويل

     تعيش الأمة الإسلامية اليوم تحت رحمة قوى الاستكبار العالمي المستند إلى قدراته السياسية والعسكرية والعلمية والاقتصادية، والمرتكز على نظرة تميزية للإنسان ليستغل الشعوب والحكومات والبلدان ويسيطر عليها بشكل تعسفي مذل، ويتدخل في شؤونها وتتطاول على ثرواتها، ويظلم الشعوب ويهين ثقافتهم وأعرافهم وتقاليدهم ويعمد أيضا إلى احتلالهم. وتعد أمريكا مظهرا من مظاهر هذا الاستكبار في عالمنا المعاصر، فهي دولة تمسك بزمام جزء كبير من دول العالم، وتتعامل مع حكوماتها بمنطق القوة. مما جعل الشعوب تنتفض ضد قراراتها، وفي مقدمتهم المثقفين المستقلين، حيث ساهم قلم المثقف العربي في فضح هذه السياسة الجائرة، شعرا ونثرا وفنا، وتعد ليلى أبو زيد إحدى المناضلات اللواتي لم يحبسهن عذر عن بذل الوسع نصرة للمستضعفين، فكيف دافعت عنهم؟

    في كتابها “أمريكا الوجه الآخر” قامت الكاتبة ليلى أبو زيد بتقديم مجموعة من الأدلة التي تبرز الوجه الحقيقي لدولة أمريكا، عكس ما يروج له الإعلام الغربي، وقد كانت صريحة في موقفها إلى أبعد الحدود، حيث عبرت عن ذلك بقولها: “إن أشد مايبعث على الفزع قوة تملك آلة الدمار ويسكنها الشيطان. وهذا هو الواقع المرير.كل ضحايا أمريكا وصفوها بالشيطان”[1]، وصف دقيق وظفت فيه أسلوب التشبيه، حيث شبهت أمريكا بأقبح مخلوق: الشيطان، وهو روح شرير مغو بالفساد، ولم تكتف بأمريكا فحسب، إذ اعتبرت كل الدول الغربية مساهمة فيما آلت إليه أوضاع المجتمعات المستضعفة من تدني حقوقي، وذلك “لأن الغرب لايرحم”[2]، وقد جمعت الغرب وأمريكا في سلة واحدة نظرا لتغاظيهم عن فظائع أمريكا، بل وأحيانا يدافعون عنها ويدعمونها.

    وقد أكدت في سيرتها “رجوع إلى الطفولة“، بينت الكاتبة بأن “النصارى الغرب البيض شيء واحد، أليست إنجلترا التي قادت مؤامرة الحروب الصليبية على فلسطين في القرون الوسطى هي إنجلترا التي نسجت المؤامرة على فلسطين في القرن العشرين؟ نفس الأشخاص ونفس الدوافع، اللغة هي التي تتغير”[3]، جاءت هذه الكلمات من الكاتبة دفاعا عن وجهة نظرها حول الغرب المستبد، فهي بالنسبة إليها كالأفعى التي لا تغير إلا جلدها. فروح الشر تسكنه منذ نشأة الإسلام واستعرت خلال الحروب الصليبية ولاتزال إلى يومنا هذا ولو بشكل مختلف، ولعل فلسطين الجريحة خير مثال.

وللدفاع عن موقفها، استشهدت ليلى أبو زيد بتصريح لعلماء من الغرب ينددون فيه: “بالهجوم الكبير الوحشي الذي قامت به الدول الغربية الصليبية الصهيونبة خاصة بريطانيا فرنسا وإيطاليا وهولاندا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على الشعب العراقي المسلم تبرهن هذه الدول ذات التاريخ الاستعماري الأسود في العالم العربي والإسلامي خلال القرون الأخيرة على أنها لم تتخل حتى اليوم عن نزعتها الصليبية العدائية للعرب والإسلام والمسلمين”[4].

    لقد تعدى العدوان الأمريكي على العراق حدود الأخلاق والأعراف والقوانين، حيث أعلنت “الدولة العظمى حربا استهدفت المنشآت المدنية ومصانع حليب الأطفال ومخابئ المدنيين وبيوتهم ودكاكينهم ومستشفياتهم ومتاحفهم ومضارب بدورهم ونخلهم وحتى مقابرهم”[5]، موقف يبين بجلاء كيف يتم نزع الإنسانية من الإنسان، والدفع بالإنسان للتنكيل بأخيه الإنسان، بل وبطفل صغير لا حول له ولا قوة، ولا دخل له فيما يجري من صراعات الكبار. وقد خلصت الكاتبة إلى أنه “لا غرو إن مات العراقيون وضربت ملاجئ النساء والأطفال والشيوخ، تبين لي أن أمريكا تنافق عندما تتظاهر بالحرص الزائد على أبنائها بوصفهم أكثر قيمة من أبناء الاخرين والحقيقة أن مايهمها هو مصالحها الأمبريالية وهيمنتها على ثروات بلاد العالم الثالث وإلا لما زجت بهم في حرب فيتنام ولما أرسلت بهم إلى العراق”[1]، واليوم ترسلهم لدعم إسرائيل، إنها مصالح مادية شخصية، تعلو فوق كل القيم الإنسانية، ولو كان ذلك على حساب أرواح الأطفال.

    كما عابت الكاتبة على الإعلام الأمريكي ازدواجية تعامله مع القضايا الحقوقية عموما، وحقوق الأطفال خاصة، ولعل أبرز مثال على ذلك، تقول الكاتبة: “في اليوم الخامس للغزو وقف البعض منا مذهولا أمام صورة نشرتها أهم جريدة يومية في مينيوتا على صفحتها الأولى لأم قتيل إسرائلي وأخته وهما تنتحبان على نعشه المغطى بالعلم الإسرائيلي هل ستبقى الصحافة الأمريكية تقدم إسرائيل في صورة الضحية حتى وهي تغزو؟”[6]، تساؤل استنكاري بينت من خلاله ليلى أبو زيد انتهاك أمريكا لحقوق الإنسان من خلال إعلامها ذي الوجهين.

    وبالمقابل استحضرت الكاتبة موقف الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لتظهر من خلاله تميز الإسلام عن همجية الغرب، وذلك بقولها: “منذ أربعة عشر قرنا خاطب أبو بكر الصديق جيش المسلمين المتوجه إلى الشام قائلا: أيها الناس قفوا، أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تعفروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة”[7]، لقد كانت جيوش المسلمين “تحارب لنشر الإسلام، وكانت تحارب بخلق وتنشر في دربها العدل والأمن والسلام لأنها لم تكن تحركها غاية أمبريالية ولاهيمنة ولذلك ثبت غرسها في كل أرض دخلتها تقريبا ومد الجذور على عكس جيوش الاستعمار الغربي”[8].

لقد استطاعت الكاتبة أن تفضح الشعارات الكاذبة التي يرفعها الغرب بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان، متوسلة بالحجج والبراهين الساطعة، ولعل هذه المقارنة البسيطة بين طغيان الجيش الأمريكي وأخلاق الإنسانية عند الجيش الإسلامي لخير مثال.

إن ما قامت الكاتبة بالحديث عنه هو نفسه ما تعيشه غزة اليوم من إبادة جماعية، يحرص فيها العدو الصهيوني الغاصب قتل الأطفاء والنساء والشيوخ، بدعم من أمريكا وأوروبا، ولعل أكبر دليل ماحدث عند قصف مستشفى المعمداني الذي راح ضحيته العديد من الشهداء يوم 17 أكتوبر 2023م.


يتبين مما سبق أهمية دور المثقفين المعاصرين في صناعة الوعي العربي لفضح غطرسة قوى الاستكبار، من خلال مساهمتهم في التعبير عن قضايا وهموم مجتمعاتهم ونقل للقارئ صورة واضحة عن معاناتهم.

[1] أبو زيد، ليلى، أمريكا الوجه الاخر، (مطبعة المحمدية، الدار البيضاء، ط2، 1991)، ص75

[3] أبو زيد، ليلى، رجوع إلى الطفولة، (شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2015م)، ص125

[4]  أبو زيد، ليلى، أمريكا الوجه الاخر، (مطبعة المحمدية، الدار البيضاء، ط2، 1991)، ص11.

[6] نفسه

[7] نفسه، ص7

[8] نفسه، ص6.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.