منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحرية في المشروع الحضاري عند مالك بن نبي (1)

0
اشترك في النشرة البريدية

   الحمد لله رب العالمين إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ونحن على ذلك من الشاهدين.

   اللهم ارزقنا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تحرمنا من صحبته في الفردوس الأعلى إنك ولي ذلك والقادر عليه.

وبعد:

   إن العقل أداة التفكير لدى الإنسان وآلية من آليات صناعة النهضة والإصلاح والتغيير في فكر مالك بن نبي، وبالعقل نميز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل.

   وينبه مالك بن نبي إلى أن ما آل إليه أمر الأمة من عجز وتراجع حضاري إنما سببه الانحطاط “الديني والخلقي والفكري”، الذي وقع في تاريخ الأمة منذ قرون. وهذا التخلف إنما هو تجل لتخلف الذهنية وتعطيل ملكة التفكير التي هي أساس الابتكار والتجديد، وطغيان عالم الأشياء وعالم الأفكار وعالم الأشخاص.

المزيد من المشاركات
1 من 77

   ولذلك فلا سبيل لمن يريد للأمة استعادة دورها الحضاري إلا تجاوز الرؤية التقليدية التي يطرحها تيار الجمود، وتفعيل ملكة الاجتهاد وإحياء التجديد؛ فهو الضامن لتجاوز التخلف والانحطاط. وعمل التجديد في العصر الحديث يتطلب قوة اجتهادية جديدة، ترجع إلى الكتاب والسنة، ولا تتقيد بمآثر أحد بعينه من المجتهدين السابقين، ولا تنحصر في طريقه ومنهاجه.

   وليست عملية التجديد والنهضة بالنسبة لمالك بن نبي مقتصرة على إحياء الفقه الإسلامي ونفض الغبار عليه، وتخليصه مما اعتراه من أفهام مغلوطة وأفكار منحرفة فحسب؛ بل إن التجديد ينبغي أن يطال تربية الفرد والمجتمع. 

  كما حرص مالك بن نبي في تجديد مناهج التعليم وأساليبه، فقد اجتهد ليخلصها من الجمود والنمط التقليدي.

   ويرى مالك بن نبي أن معالم النهضة والإصلاح المنشود لابد لتحقيقه من إنشاء حركة شاملة جامعة تشمل بتأثيرها جميع العلوم والفنون والأفكار والصناعات ونواحي الحياة الإنسانية المختلفة، وتستخدم ما أمكن لتحقيق الحرية وحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية.

   وهذا العمل الإصلاحي هو السبيل لأن تكون حضارة الإسلام هي الحضارة العالية في الأرض وأن يتولى الإسلام إمامة العالم في الأخلاق والأفكار والسياسة.

     ولأجل استئناف عملية التجديد والبناء الحضاري وقيام نهضة الأمة يرى مالك بن نبي أن المسلم لابد أن يستعيد عزته بإيمانه واعتداده بقيمه الثقافية والحضارية، وأن يستعلي بإيمانه على الحضارة الغربية وقيمها المادية.

تمهيد:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

   هو مالك بن عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي، وُلِدَ في مدينة “تبسة” التابعة لولاية قسنطينة شرقي الجزائر في ذي القعدة 1322هـ الموافق يناير1905م، هو أحد أعلام الفكر الإسلاميّ الذين ساهموا في إحداث صحوة ونهضة فكريّة إسلاميّة في العالم، وكان اهتمام مالك بن نبي يصب حول معالجة مشاكل الحضارة وسبل تحقيق الحرية والنهضة للأمة الإسلامية. توفي يوم الأربعاء 4 شوال 1393هـ الموافق لـ 31/10/1973م.

    من ركائز الإصلاح عند مالك بن نبي تربية الإنسان وتغيير سلوكه، وتخليص النفس البشرية من موروث الاستعباد والقابلية له، وإعادة إحيائها من جديد بنور الإيمان، حتى تتفاعل مع السنن الكونية وتدرك الغاية الأسمى من الوجود, ومن ثمة فإن معالجة مشكلات الحضارة وتحقيق النهضة يستلزم أرضية صلبة تقوم على تغيير الفرد والمجتمع من مختلف الجوانب: النفسية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية وغيرها.

أولا: الحرية :

   يرى مالك بن نبي أن الحرية هي:” عبء ثقيل على الشعوب التي لم تحضرها نخبتها لتحمل مسؤوليات المستقبل “

   وقد تحدث مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة عن جهاد المقاومة وبطولات رجالها في تحقيق الحرية للشعوب، فسرعان ما انبلج فجر الحرية للأمة من جديد، بفضل تضحيات قيادتها كالأمير عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وجمال الدين الأفغاني.

  إن الحرية تقتضي تربية المسلم على: “العقيدة الصحيحة والرجوع إلى السلف الصالح، وتغيير ما بالنفس من آثار الانحطاط”.

ثانيا: الديمقراطية:

   يعرف مالك بن نبي الديمقراطية من الناحية السياسية فيقول هي: ” سلطة الشعب، أو سلطة الجماهير أي بتعبير تحليلي موجز تعني سلطة الإنسان ” فالإسلام في نظره نظام ديمقراطي عادل يوازن بين الحقوق والواجبات، ويرى مالك بن نبي أن الديمقراطية من الناحية الاجتماعية تقوم على ثلاثة شروط أساسية:

  • الديمقراطية بوصفها شعورا نحو الأنا
  • الديمقراطية بوصفها شعورا نحو الآخرين
  • الديمقراطية بوصفها مجموعة الشروط الاجتماعية السياسية الضرورية لتكوين وتنمية هذا الشعور في الفرد.

   ويؤكد ذلك ويقول: ” فهذه الوجوه الثلاثة تتضمن بالفعل مقتضيات الديمقراطية الذاتية والموضوعية، أي كل الاستعدادات النفسية التي يقوم عليها الشعور الديمقراطي والعدة التي يستند عليها النظام الديمقراطي في المجتمع، فلا يمكن أن تتحقق الديمقراطية واقعا سياسيا إن لم تكن شروطها متوافرة في بناء الشخصية وفي العادات والتقاليد القائمة في البلد ”

   وقد اعتبر مالك بن نبي مفهوم الحرية هو المبدأ الذي نقيس به أي نظام ديمقراطي، ولذلك أضفى على الإسلام مفهوم الحرية ليخلص إلى القول بأن الإسلام نظام ديمقراطي في شموليته، ويستدل في ذلك بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:﴿ من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه

   وينتقد في المقابل الديمقراطية العلمانية أو الديمقراطية اللائكية القائمة على دوافع العبودية والاستعباد، رغم ما تمنحه من حريات وحقوق وضمانات اجتماعية للإنسان. فالإسلام نظام ديمقراطي يرتكز على تكريم الانسان، وقد جعل مالك بن نبي مفهوم الحرية ركيزة أساسية في بيان العلاقة الجدلية بين الإسلام والديمقراطية.

 ثالثا: النهضة  

   النهضة لغة: جاء في ” لسان العرب” أن النهوض هو البراح من الموضع والقيام عنه. 
نهض، ينهض، نهضاً، ونهوضاً: قام عن مكانه، وارتفع عنه إلى العدو أسرع إليه يحاربه، وأنهضته أنا فانتهض، وانهضته، حركة للنهوض، واستنهضه لأمر كذا: إذا أمره بالنهوض له.

    وبالرجوع إلى القواميس العربية فإن النهضة مشتقة من أصل الفعل الثلاثي : نهض، أي وقف واستوى على قدميه.

   واصطلاحا: النهضة عند مالك بن نبي هي: الأوج والأفول لحضارة ما في جميع الميادين أي ازدهار العلوم والفنون فيها، ” أي حينما يصل التاريخ إلى منعطف دورة الحضارة، فإنه يصل إلى المنطقة التي تتصل فيها نهاية عهد وبداية عهد آخر، ويتجاوز فيها ماضي الأمة المظلم، مع مستقبلها المشرق البسام. وهكذا حينما نتحدث عن النهضة يلزمنا أن نتصورها من ناحيتين:

  1.  تلك التي تتصل بالماضي، أي بخلاصة التدهور، وتشعبها في الأنفس والأشياء.
  2.  تلك التي تتصل بخمائر المصير، وجذور المستقبل”

   لقد ربط مالك بن نبي قيام النهضة بضرورة التجديد الروحي والفكري للأمة وتنزيل ذلك على الواقع، فقد انتقد التيار السلفي والحداثي في تصورهم لحركة النهضة فقال: ” إن الخطأ الذي وقع فيه المحدثون ودعاة الإصلاح ناتج عن أن كليهما لم يتجه إلى مصدر إلهامه الحق، فالإصلاحيون لم يتجهوا حقيقة إلى أصول الفكر الإسلامي، كما أن المحدثين لم يعمدوا إلى أصول الفكر الغربي “ لذا فهو يرى  أن كلا النموذجين مفتقد لدوره في الشهادة، لذلك فإن الشهادة في اعتقاده تقتضي من المسلم ” أن يقوم في وقت واحد بدوره ممثلا و دوره شاهدا”.

    وتستلزم هذه الشهادة من ذوي الاختصاص ” الاقتناع والاقناع معا” والتزكية من الناحية العقلية والعملية ومن الناحية الأخلاقية. فمن أولويات مشروع النهضة عند مالك بن نبي معرفة أنفسنا ومعرفة الآخرين. 

     حدد مالك بن نبي شروط النهضة في ثلاثة عناصر أساسية وهي: الإنسان والتراب والوقت. يقول في كتابه شروط النهضة: ” عندما يتحرك رجل الفطرة، ويأخذ طريقه لكي يصبح رجل حضارة، فإنه لا زاد له سوى التراب والوقت وإرادته لتلك الحركة. وهكذا لا يتاح لحضارة في بدئها رأسمال، إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقوته الزهيد، حتى يصل إلى هدفه، والوقت اللازم لوصوله “

   فالإنسان هو الفاعل والمحرك الأساسي للعناصر الأخرى لحركة النهضة، فعليه أن يسعى لتحقيق الخلافة في الأرض وعمارتها. قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وقال عز وجل:﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا

  ولتتحقق فعالية الإنسان في الإقلاع الحضاري ركز مالك بن نبي على ضرورة توجيه الثقافة والعمل والرأسمال.

   وفي المقابل بين مالك بن نبي التحديات والمعوقات الداخلية والخارجية التي تحول دون تحقيق النهضة والتغيير المنشود، فمن المعوقات الداخلية: الجهل والأمية وتفكك العلاقات الاجتماعية، وطغيان عالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم الأشخاص، وأزمة النخبة السياسية، ومعوقات نفسية وفكرية ومنهجية واقتصادية وأخلاقية وسياسية… وكلها نتاج لمعضلة الفساد والاستبداد.

   أما على مستوى التحديات والمعوقات الخارجية فذكر منها الاستعمار، والقابلية للاستعمار، واضطهاد المصلحين ومحاربة أفكارهم التنويرية.

   أما فيما يخص كيفية اقتحام هذه التحديات والمعوقات فقد ركز على تربية الإنسان وتغيير سلوكه حتى يصبح عبدا لله وحده، ثم معالجة مشكلة الثقافة وإعادة بناء شبكات العلاقات الاجتماعية، مركزا في ذلك على مركزية الإنسان في الكون، فهو الفاعل الأساس في أية نهضة أو إقلاع حضاري، مستندا في ذلك إلى قول الله تعالى:﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ . وقد جاءت سلسلة كتبه في مشكلات الحضارة لتعالج هذه التحديات ولتقدم حلولا عملية لتحقيق النهضة وبناء الحضارة.

رابعا: الحضارة:

   الحضارة لغة: من الحضر والحضرة والحاضرة وهي: “خلاف البادية وهي المدن والقرى والريف سميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار”  

الحضارة اصطلاحا: اختلف الباحثون في تحديد تعريف معين للحضارة، فقد جاءت تعريفاتهم تبعا لاختلاف مذاهبهم ومدارسهم وعقائدهم.

   يقول ابن خلدون: ” الحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش، وسائر عوائده وأحواله فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه “

    يقول مالك بن نبي الحضارة هي:” مجموعة الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين، أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطواره ”

  ويرى مالك بن نبي أن الحضارة تقوم على ثلاثة أعمدة وظيفية:

ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت

   وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات، وإنما تحل هذه المشكلات الثلاثة من أساسها… إن هناك ما يطلق عليه مركب الحضارة وهو العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، إنها الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ.

    كما أن الحضارة في تصور مالك بن نبي تقوم على تفاعل الفكرة الدينية مع الروح والعقل والغريزة. فمتى تحقق هذا التوازن قامت الحضارة، وإن سيطرت الحمية والغريزة على العقل والروح والخطاب الديني انهارت الحضارة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.