منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طوفان الأقصى 

طوفان الأقصى / أشرف شعبان أبو أحمد

0

طوفان الأقصى 
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

بداية لابد لنا أن نعلم أن هناك فرقا بين حالة جيش احتل بلد وبين حالة شعب استوطن أرض، الحالة الأولى وتتمثل في دولة أرسلت جيشها لاحتلال بلد آخر، بلد لا يخضع لسيادتها، تحتله وتسيطر عليه، وتكون السلطة الفعلية لجيشها في هذا البلد، رغما عن إرادة أصحاب السيادة الفعلية، قد تطول فترة بقاء أفراده أو تقصر، وهم قد تركوا أسرهم وممتلكاتهم على أمل العودة بأسرع ما يمكن، ولا يخرج هدفه عن إنشاء عدة قواعد عسكرية، ووضع يده على الموانئ والمطارات وإنشاء المزيد منها، وتعبيد بعض الطرق، وإنشاء شبكة مواصلات داخلية، وتجنيد بعض العملاء لتسير مصالحه ومعاونته في نهب ثروات وخيرات هذا البلد، فمهما بلغ من تمكنه وسيطرته وتغلغله في هذا البلد المحتل فسوف يأتي اليوم الذي يغادره فيه، ويعود من حيث أتى، منصورا أو مخذولا يجر أذيال الخيبة وراءه، كما حدث من الاستعمار الأوربي لكثير من الدول العربية ودول العالم الثالث في القرن الفائت، وما حدث لأمريكا في فيتنام وأفغانستان والعراق.

والحالة الثانية تتمثل في شعب جيء به من الشتات من أنحاء مختلفة من العالم، لاستيطان أرض واستعمارها وإنشاء دولة عليها، لتتوارثها أجياله لأبد الآبدين، ينشئ دولة بكافة منشآتها وأجهزتها، بداية من بناء مستوطنات لاستيعاب وإيواء المزيد ممن يستجلبهم من أبناء ديانته من كل بقاع الأرض، وما يستلزم ذلك من بنية تحتية ومدارس وجامعات ومستشفيات ومصانع ومراكز خدمات ومطارات وموانئ ودور عبادة وغيرهم، فضلا عن تحصينها بكل ما أوتي من عدة وسلاح، لا تنقطع عنه المؤن والمداد، وتأتيه المساعدات والمعونات من كل حدب وصوب، ويحاول جاهدا إبادة السكان الأصليين، كما حدث لسكان أمريكا واستراليا الأصلين على يد الغزاة في ذلك الوقت، وما تحاول أن تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. وفي كلتا الحالتين لا هؤلاء ولا هؤلاء مرحب بهما، ولن يهنأوا في العيش بسلام، حيث تحيطهم المخاطر من كل مكان، وقد يفاجأوا بما لا يتوقعونه في كل لحظة من لحظات بقائهم، ومهما ترسخت أقدامهم في هذه البلد أو تلك سيلازمهم شعور بالغربة وعدم الانتماء، فضلا عن عدم شعورهم الأمن، ومهما جمعتهم أرض ستظل قلوبهم شتى وبأسهم بينهم شديد.

وبناء على ذلك فإن ما حدث يوم 7 أكتوبر عام 2023م من قيام حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية بالهجوم برا وبحرا وجوا على العدو الإسرائيلي فيما يسمى بطوفان الأقصى، وقد كبدت العدو الإسرائيلي خسائر بشرية، قتلى وأسرى، فضلا عن قصف بعض المصدات والتحصينات العسكرية، والتي لم تحص فداحتها في الأيام الأولى للمعركة، ولم يكن لأحد أن يتخيل حدوثها، وأدت إلى ارتباك دولة العدو بسائر أجهزتها، له رؤيتان:

الأولى: أن يكون فخا استدرجتا إليه حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية ودفعا إليه دفعا لتقوم إسرائيل بالرد الرادع الشامل بكل معداتها العسكرية التي تفوق عددا ونوعا ما لدى حماس وفصائل المقاومة، وبالتالي تقصف غزة وتهدم مبانيها وتسوى بالأرض ومن ثم يتم اكتساحها بحجة تصفية ما تبقى من أبناء حماس وفصائل المقاومة، ولكن غرضهم الاستيلاء عليها والإقامة بها، مما يدفع أهل غزة ويضطرهم اضطرارا وغيرهم من أبناء الشعوب العربية والإسلامية الغيورة، بالمناداة والمناشدة بالموافقة والسماح على نقل الغزاوية إلى سيناء، لإغاثتهم وحمايتهم، حقنا لدمائهم وصيانة لأعراضهم وحفاظا على ما تبقى لديهم من متاع، ولا مانع من قيام العديد من المظاهرات الحاشدة في معظم الدول للمطالبة بذلك، وبالتالي تتحقق صفقة القرن ويتم توطينهم في سيناء نزولا على إرادة الجماهير وتحقيقا لرغباتهم، وليس مخططا رئاسيا سابقا من الحكام والملوك العرب بالاتفاق مع ذويهم في أمريكا وإسرائيل، أعد له منذ زمن، ومطلوب منهم تنفيذه عاجلا، وليستفيد من يستفيد من صفقة القرن، سواء بالأموال أو المعونات أو الرضا من قبل الأمريكان واليهود عليه، وأيديهم مغموسة بدماء الشهداء.

الثانية: وتتوقف على الهدف مما جرى وعلى تطورات الأحداث وما يتبعها من نتائج على أرض الواقع، فإذا كان الهدف هو كسر هيبة دولة إسرائيل، وبعث الرعب والرهبة في صدور أبنائها، وقلق مضاجعهم، وتنغيص حياتهم عليهم، ومن ثم ضبط كفتي ميزان التفاوض بينهما، ليتم التفاوض العادل على الأرض واللاجئين وغيرهما من الأمور، فقد أثبتوا بقدراتهم بأنه هدف سهل المنال بالنسبة لهم، وشاق على غيرهم خاصة من بعض دول الجوار، فقد نجحوا في ذلك حتى حين، قال تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) الأنفال 60 وقدا أعدت حماس ما استطاعت من قوة، وقد حققت مكاسب، في الساعات الأولى من الحرب، تفوق توقعات الكثير من المحللين العسكريين والسياسين، ولكي تحافظ على ما أمكنها تحقيقه لابد لها من ورائها وأمامها قوى تضمن لها إطفاء نار الحرب المضادة في الوقت المناسب، في الوقت الذي فيه علامات انتصارها مازالت مرفوعة زاهية، قال تعالى في الحديث عن اليهود ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) المائدة 64 فالتاريخ يحكي لنا أن مصر بكامل قوتها وجيشها ووقوف كل الدول العربية معها استطعت في حرب أكتوبر عام 1973م عبور القناة واجتياز خط بارليف، ولولا التحركات المكوكية لبعض القادة وتسابقهم للزمن لبدء الهدنة، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 338 يوم 22 أكتوبر 1973م الذي دعا وفقا لاقتراح مشترك من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وقتئذ، لوقف إطلاق النار بين الجانبين، لتغيرت كفة المعركة، حيث شنت القوات الإسرائيلية هجمات مضادة، واستولت على مواقع على الضفة الغربية للقناة، وحاصرت الجيش المصري الثالث. فلنتعظ مما جرى حتى لا يتحول ما قاموا به من إقدام وشجاعة وبطولة إلى تهور وإلقاء أنفسهم وسائر أهل غزة في التهلكة، أو كما يراه البعض طلبا الشهادة والاستشهاد من حماس وفصائل المقاومة، وحرصا منهم على الموت لتوهب لهم الحياة، قال تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) آل عمران 169-171 وقال ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) البقرة 154 فحماس وفصائل المقاومة، وإن كانوا قلة قليلة في العدد ولكنهم يحبون الموت كحب أعدائهم للحياة، قال تعالى ( وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) البقرة 249 وقال ( وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ) الأنفال 10 وقال تعالى ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) الحج40 ولكن ليس لهما المقدرة للتصدي لغزو جيش نظامي بكتائبه وفرقه وأفرع أسلحته المتعددة والمتنوعة، يصنف من ضمن أقوى الجيوش في العالم وبميزانية دفاع تبلغ 25 مليار دولار سنويا وعدد أفراد يزيد عن نصف المليون، كما أن جميع الدول العربية بدون استثناء في علاقات وطيدة مع العدو الإسرائيلي، ولن تحرك ساكنا ولن تبدي تعاطفا ولو معنويا مع حماس وفصائل المقاومة، وكذلك فإن جميع دول العالم الغير إسلامي باستثناء قلة قليلة جدا شديدة التعاطف والتأييد لإسرائيل، قال تعالى ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) المائدة 53 مما سيرجح كافة العدو الإسرائيلي في نهاية الأمر وتكون حرب إبادة للشعب الفلسطيني.

أما إذا كان الهدف هو إقامة دولة فلسطين على كامل التراب الفلسطيني، دولة عاصمتها القدس الشريف، وإعادة إعمارها بما يناسب كونها مزارا عالميا للمقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية بل واليهودية، وعودة اللاجئين الفلسطنين من المنافي والشتات إلى مدنهم وقرارهم، ولن يمنع هذا من تواجد وإقامة اليهود في كنف هذه الدولة مثلهم كالمسلمين والمسيحيين، لهم ما لغيرهم من الحقوق، وعليهم ما على غيرهم من الواجبات، وهو هدف لكل فلسطيني بل ولكل عربي مسلم ومسيحي، وإذا كان هذا حلم يستحيل تحقيقه في الوقت الراهن، ولكنه سيتحقق بفضل الله يوما ما، قال تعالى ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الأخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) الإسراء الآيات 4-8 تفيد الآيات بأن بني إسرائيل يفسدون في الأرض مرتين، الأولى يعلون علوا كبيرا، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، ويفسدون فيها، فيبعث الله عليهم عبادا من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطأون ما فيها ومن فيها بلا تهيب ( وكان وعدا مفعولا ) لا يخلف ولا يكذب، ثم رددنا الكرة لبني إسرائيل، وأمددناهم بأموال وبنين وجعلناهم أكثر نفيرا أي أكثر عددا، فإن أحسنوا وأطاعوا الله وأصلحوا أمرهم والتزموا بأمره ونهيه فلأنفسهم، وإن أساءوا بعصيانهم لربهم وارتكابهم ما نهاهم عنه، فإلى أنفسهم يسيئون، فيسلط عليهم في الدنيا من يتمكن منهم، غير ما ينتظرهم من جزاء في الآخرة، فإذا جاء وعد المرة الآخرة من مرتي إفسادهم ليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب وليسوءوا وجوههم، وقد توعدهم الله تعالى بقوله ( وإن عدتم عدنا ) وهذه سنة الله فيهم وفي الخلق عموما، وقد سلط الله رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم فغزا خيبر، وقتل قريظة، وأجلى بني النضير وبني قينقاع، وتم إخراجهم من الجزيرة العربية كلها، وهكذا كل ما وقع منهم من إفساد سلط الله عليهم من عباده ما يحصل به إذاقتهم الخوف والقتل والسبي وما إلى ذلك من التسليط، حتى كان العصر الحديث فسلط عليه هتلر، وها هم قد عادوا إلى الإفساد في الأرض أذاقوا الفلسطنين أصحاب الأرض الويلات، فساد لا يقاس به أي فساد، يستبيحون المقدسات، وينتهكون الحرمات، ويستهينون بالقيم والأخلاق، وبكل حق للَّه وللإنسان، كما أخبرتنا السنة النبوية أنه لن تقوم الساعة حتى نقاتلهم روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) وورد في حديث صحيح أن عيسى عليه السلام يقتل المسيح الدجال عند باب لد الشرقي، فيهزم الله اليهود ويقتلون أشد القتل فلا تبقى دابة ولا شجرة ولا حجر يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء فيقول: يا عبد الله المسلم هنا يهودي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه لا ينطق. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. فليس أمامنا إلا أن نعد العدة ونستعد ليوم تحقيق وعد الله فيهم، وإن غدا لناظره قريب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.