منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منهج تشكيل العقل المسلم

0
اشترك في النشرة البريدية

“تشكيل العقل المسلم” جملة صرت مهووسة بها ، فما قرأت كتابا فكريا ، ولا استمعت لمفكر يدعو للتجديد ،ويحمل هم  الأمة  إلا ووجدت هذه الجملة أساسية في حديثه ،كيف لا والدرس الحضاري يقوم على الفكر بالأساس ؟ كيف لا ونهضة أمتنا تتوقف على إعادة تشكيل عقولنا ؟ فالأزمة التي تعاني منها الأمة هي أزمة في تفكير عقول أبنائها ،والخلل هو خلل فكري بالضرورة ، ومالم نستدرك الأمر سنظل في السقوط الحضاري إلى ما شاء الله.

وكلما جلس الواحد منا يفكر في حال واقعنا إلا وأصيب بالحيرة …

أمة واحدة تملك كل مقومات النهوض ، دين واحد يتمثل في كتاب واحد منزل من السماء لم يتعرض للتحريف ولا للضياع ، ونبي واحد وضع كل معالم الحضارة الإسلامية منذ زمن  ، ولغة واحدة من المغرب إلى العراق ،و ثروات طبيعية متنوعة ،و يد عاملة بوفرة بسبب كثرة شبابها …

ومع ذلك  تعتبر الأمة الإسلامية في رتبة الدول المتخلفة !!!

فأي بلاء أصاب العقل المسلم ، وأي مصير ينتظر الأمة إذا لم نعالج أسباب سقوطنا الحضاري ؟

المزيد من المشاركات
1 من 61

انطلاقا من هذه الأسئلة وغيرها ، حاول العديد من المفكرين البحث عن الإجابة المقنعة ، ولعل الكثير منهم حاول علاج المرض  ، في حين ذهب البعض للبحث عن الأسباب الأساسية لهذا المرض ، ومنهم من ذهب للبحث عن أسباب نشأة الحضارة الإسلامية في بدايتها ، ليستلهم ذلك السر الأساسي في تكوين الأمة… فهذا  عماد الدين خليل  ، الذي عمل على حملنا إلى تلك البقعة الصغيرة من الجزيرة العربية ، من خلال كتابه حول إعادة تشكيل العقل المسلم، حيث عاش الإنسان العربي بقدرات عقلية محدودة ، إذ كان جل همه إرضاء أصنام لا تغني ولا تسمن من جوع … فجأة وجد نفسه أمام دعوة جديدة، نزلت من السماء ، كأمطار الشتاء ، تحاول التسلل في تلك الصحراء ، لعلها تنبت زرعا أو نخلا… فأصبح العربي في حيرة من أمره بين القبول والرفض ، فانقسم العقل العربي إلى قسمين :

عقل رافض لتلك الدعوة رفضا قاطعا ، لعدم استيعابه لتلك المضامين والمعطيات والآفاق التي تضمنتها .

وعقل تقبل الدعوة الجديدة ،باستيعاب مذهل للتغيرات الجذرية التي مكنته من إعادة تشكيل عقله ، والعمل وفق صيغ جديدة ،لم يألفها قبل إنسان .

فتساءل الرجل عن كيفية تمام تلك  المعجزة ؟ وما هي النقلات التي نفذها الإسلام إزاء الجيل الأول فأعاد تشكيل العقل البشري ودفعه نحو العطاء والإبداع؟

وكان يدرك أن الإجابة عن هذه التساؤلات ، سيضعنا أمام طريق واضح ومنهج سليم لإعادة تشكيل العقل المسلم في عصرنا .

لذا عمل على إيضاح أن تشكيل العقل المسلم لم يكن اعتياديا ، بل تم بإعجاز مذهل ، تجاوز صيغ المعادلات القديمة ، فالإسلام منح المنتمين إليه قدرات إضافية لتجاوز حيثيات الزمان والمكان ، ولتحقيق التوافق المنشود بين عقله وبين السنن …

والدعوة الجديدة كانت منهجية في رؤيتها منذ الوهلة الأولى ، حيث وضعت سلما ذي درجات عريضة ، يبدأ بالانتماء للإسلام ، ويعني الموافقة المبدئية على الدخول في عمل مبرمج مرسوم ، ومرورا بالايمان بالله ، ويعني الايمان بالقناعات الكاملة بجدوى هذا العمل، ثم وصولا للتقوى ، وهي تلك الطاقة الفذة التي تشعل مصباح الضمير ، ليظل متوهجا متألقا، حتى يغيب الإنسان في التراب ، فيحمله عنه خليفته ، وأخيرا تذوق الإحسان الذي يهدف إلى إيصال المؤمن التقي إلى القمة ..

إن هذا السلم هو نوع من التربية المنهجية ، استطاع الإسلام بفضله أن يبعث أجيالا من العدائين اجتازوا الموانع  والعقبات ، وسارعوا في الخيرات ، وهذه السرعة اعتمدت على مؤشرين : السرعة والسبق .

فوصل المسلم إلى أوج القة ، ودخل إلى العمل الجماعي المبرمج ، وكله طاقة وإبداع ، فحقق الانسجام مع السنن والنواميس ،فاستحق بصدق لقب الرائد والقائد للأمم .

لقد اعتمد الإسلام على نقلات ، هي بمثابة منهج متكامل من القرآن والسنة ، لتشكيل العقل المسلم ، وأهم تلك النقلات :

النقلة الاعتقادية : وتعتبر هي القاعدة التي بنيت عليها سائر النقلات ، ومعناها تحويل التوجه الإنساني من التعدد إلى الوحدة ، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، فهي عبارة عن إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، فالعقيدة الجديدة جاءت لتنقل الإنسان من الظلم إلى العدل والتوحيد ، حيث يجد العقل نفسه ، ويعاد تشكيله دون أن يكون محكوما عليه بظلم من سلطة فكرية قاهرة ، فالتصور الإسلامي ، نسيج وحده ، عرف كيف يعيد تشكيل العقل الجديد ، ويدفعه نحو الحركة التي لا سكون بعدها ، وهذه النقلة كانت مصحوبة بنقلة أخرى هي النقلة المعرفية ، التي حثت عليها الدعوة منذ أول آياتها ، فنداءات القرآن كانت منبثقة من فعل القراءة والتفكير والتعقل …لذا نجد أول كلمة نزلت هي كلمة “اقرأ”، وستليها نداء للمعرفة والتدبر بألفاظ  عديدة : تدبر ،تفكر ،تبصر …فما كان للعقل إلا أن يستجيب لهذه الدعوة ،ويتفاعل مع المعطيات المعرفية الموجودة في القرآن ، لتتفجر ينابيعه  وطاقاته في كل المجالات ويدفعه نحو حب البحث والتساؤل والعلم …

لقد كان القرآن دقيقا في تعامله مع العقل المسلم ، حيث عرفه الإسلام أولا ، ثم صحح معتقده، وأعطاه المعرفة والعلم …

ثم جاءت النقلة المنهجية التي امتدت عبر امتدادات ثلاث :

السببية والقانون التاريخي ، ثم منهج البحث الحسي التجريبي .

فمنهج السببية يتمثل في التأمل في قدرة الله الذي خلق كل شيء في الكون ، وفق منهج منضبط ، لذا أراد القرآن أن يجتاز بالعقل العربي مرحلة النظرة التبسيطية ، المفككة التي تعاين الأشياء كما لو كانت منفصلة ، إلى عقلية تركيبية تملك القدرة على الرؤية الاستشرافية التي تبحث عن الحقيقة ، وذلك بالربط بين الأسباب والمسببات ، فالكون تعبير عن إبداع الخالق ، تحكمه قوانين ثابتة ، وأسباب واحدة ، ونواميس مطردة، تصدر عن إرادة واحدة ، فالكشف عن السببية والأخذ بشروطها المنهجية فيه من الكسب والخير الشيء الكثير للعقل البشري الذي يمكنه من الريادة …

أما المنهج الثاني فهو منهج القانون التاريخي : حيث يقول عماد الدين خليل “ولأول مرة في تاريخ الفكر ،يكشف الغطاء أمام العقل البشري عن حقيقة منهجية على درجة كبيرة من الخطورة “فالتاريخ البشري لا يتحرك بشكل فوضوي ، وإنما تحكمه السنن والقوانين ، كتلك التي تحكم الكون والعالم والحياة… فالوقائع التاريخية لا تخلق بالصدفة … والقرآن الكريم يقدم أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ البشري …ولعل ابن خلدون أدرك هذا جيدا حين قام باستخلاص  القوانين التي تحكم الظواهر الاجتماعية ودونها في مقدمته …

فالقرآن طرح على العقل البشري مسألة السنن والنواميس ، التي تسير حركة التاريخ…فحركة أي جماعة في التاريخ ليست اعتباطية ، لذا حض العقل المسلم أن يجعل السنن دافعا حركيا لتجاوز مواقع الخطأ الذي وقعت فيه الأمم السابقة ،يقول تعالى ” قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين ، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين” .

وأخيرا : منهج البحث الحسي التجريبي، حيث دعا القرآن من خلاله إلى التبصر بحقيقة وجودهم ، عن طريق النظر الحسي في آفاق النفس والكون ، فتوالت الآيات التي تحث على تحريك العقل ، الذي يعتبر مفتاح اكتشاف كل العلوم الطبيعية ، والدعوة الجديدة لم تكن منفصلة عن العلم يوما ، فالعلم والدين سواء في لغة القرآن ،لا يمكن الفصل بينهما إطلاقا .

فما ينبغي الوصول إليه هو إدراك أننا إزاء حركة حضارية شاملة تربط بين مسألة الايمان ومسألة الإبداع ، وبين تسخير مستوى روحي عال للإنسان ، وبين تسخير طاقات العالم لتحقيق الدرجة نفسها من التقدم على المستوى المادي…

فهذه خلاصة النقلات التي تحدث عنها عماد الدين خليل ، ولو دققنا النظر فيها ،لوجدنا أن الأمة اليوم تعيش عصر الجاهلية الأولى ، ومن ثم علينا إعادة برمجة عقول المسلمين عن طريق هذه النقلات الثلاث:

فالحاجة إلى النقلة الاعتقادية هي حاجة ملحة في عصرنا ، وإن كان المسلمون لا يعبدون أصناما ، إلا أن اعتقاداتهم فيها خلل كبير، وهذا يتضح جليا حين الرجوع إلى الدرس العقدي وما قدمه للأمة خلال هذه القرون الطويلة ، فقد انهمك أهل العقيدة في التأليف في الفروع ، وانشغلوا في الجدال العقيم فيما بينهم ، فانصرف الدرس العقدي من أداء مهمته الحقيقية المتمثلة في إفهام الناس معنى الايمان الذي جاءت به دعوة الإسلام ، إلى البحث في المسائل الجزئية…

فالدرس العقدي هو ذلك الأساس الذي تبنى عليه باقي تصورات المسلم ، فهو القاعدة الأساسية اليوم لنهضة الأمة ، لذا لابد من العمل على إصلاحه.

ثم ما أحوجنا إلى النقلة المعرفية ، فنحن أمة اقرأ لا نقرأ ، وهذا جرح طال نزيفه طويلا ، أما آن الأوان لنعود إلى الريادة المعرفية كما كان عليه أجدادنا ؟

ثم إن المسلمين اليوم ، لا يفهمون المطلوب منهم باتباعهم هذا الدين ، بل إن جلهم ورثوا هذا الدين كما يرث الرجل ضيعة عن والده ، فلو فقهنا مراد الله من أوامره لأدركنا أن كلمة اقرأ ، هي فعل أمر ، والأمر يدل على الوجوب ، فمن ترك القراءة فقد قصر في اتباع أوامر الله ، فالقراءة هي البوابة التي تدخلنا إلى عالم البحث والاكتشاف والفهم ثم الاستخلاف …،ولو تأملنا الغرب اليوم وما وصلت إليه حضارتهم ،لوجدنا أن المفتاح كان هو الثورة على الجهل واتخاذ العلم  كوسيلة لاكتشاف الكون واستثمار خيراته ، وإن كنا نختلف معهم من حيث المقصد ، الا أن العلم يبقى هو مفتاح الريادة لكل الأمم…

وأما عن النقلة المعرفية ،فحدث ولا حرج ، فأزمة الأمة هي أزمة منهجية بامتياز ، لأننا نملك العقيدة الصحيحة ونملك المعرفة ، ولكن لا نملك المنهج الصحيح للتعامل مع هذا التراث الغني والشاسع ، فلو استطعنا فهم تراثنا وامتلكنا منهجا للتعامل معه ، ومنهجا للاستفادة من البشرية جمعاء لاستطعنا تحقيق الاستخلاف الذي خلقنا من أجله ، ولعملنا على إعمار الأرض كما شاء الله عز وجل …

فهذه النقلات في نظري هي سر إعادة تشكيل العقل المسلم …فنحن بحاجة لفهم الإسلام مجددا، وذلك عن طريق قراءة الوحي المسطور والوحي المنظور ، لاكتشاف السنن الربانية بشقيها الكوني والإنساني ، لتحقيق السعادة في الدارين ، فهاهو القرآن يوضح لنا كيف استطاع تغيير الرجل العربي من رجل جاهل محدود التفكير في صحراء قاحلة ، إلى إنسان واع قادر على قيادة العالم ، إنسان متكامل يعيش للدنيا كأنه مخلد فيها، فيقبل على إعمارها بشغف ، ويعيش للآخرة كأنه سيموت غدا ،هذا الإنسان المتوازن حطم كل القيود ، واستطاع تجاوز كل العقبات ، فصارت له الريادة في كل المجالات ، فلابد من العودة لتحليل ذلك التكوين الذي تلقاه عن طريق رسالة القرآن، وهو تكوين ذات بعد ثلاثي ، يركز على الجانب العقدي والمعرفي والمنهجي كما رأينا .

والله ولي التوفيق.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.