منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تحقيق المناط الخاص  والبعد التربوي للفتوى

خالد قبلي

0

تقديـــم

“الأصل في الأحكام الشرعية أنها مرتبطة بعموم المكلفين وأنها تنظر في تعيين المناط حيث هو للمكلف ما” دون اعتبار لاي خصوصية ولا أي استثناء لكن عند التنزيل هذه الأحكام حسب ما تقتضيه الشروط العلمية والمقاييس التنزيلية الاجتهادية لا بد من مراعاة الخصوصيات والأحوال والأشخاص، وكان لابد من تحقيق المناط الخاص، فما هو المناط الخاص؟ وما مجالاته؟

هذا ما سنجيب عنه في هذا الموضوع المتواضع.

مفهوم المناط

في اللغة المناط مصدر ميمي بمعنى اسم المكان وهو مشتق من لفظ (ناط) وناط الشيء عليهم ونيط عليه الشيء، علق عليه، ونيط الشيء علق ومنه ذات النواط.

المزيد من المشاركات
1 من 29

وفي الاصطلاح الاصولي: “هو علة الحكم لأن بها تعلقه فهو نوطها وهي مناطه”

ولكن هناك فرق بين العلة والمناط لأن المناط شكل البوابة التي من خلالها يمكن التعرف على علة الحكم، والاهتداء إليها بالإضافة إلى أن المناط يحتاج إلى اجتهاد بخلاف العلة التي هي وصف ظاهر منضبط لا يحتاج إلى نظر ولا اجتهاد على عكس المناط

أنواع المناط:

المناط باعتبار المكلف ينقسم إلى قسمين: مناط عام ومناط خاص.

  • المناط العام: وهو أن يعلق الشارع الحكم بمعنى كلي فينظر في تبوثه في بعض الأنواع”. وهو مرتبط بالتكليف من جهة المكلف، فكان التحقيق فيه إذن (عاما) ولذلك عبر عنه بأنه “نظر في تعيين المناط من حيث هو للمكلف ما”. وهو ضرب من العموم أيضا، باعتباره تنزيلا على جنس تلك المعنيات لا على فرد معين بالشخص منها. فهو تحقيق في الواقع نعم، لكنه بحيث يصلح لأكثر من فرد وأكثر من محل مادامت تلك الأفراد والمحال كلها صالحة للانضواء تحت عموم الحكم وكليته. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: إنه ” نظر في تعيين المناط من حيث هو للمكلف ما فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في هذا النظر”.
  • المناط الخاص: هو تخصيص من المناط العام، بحيث يتنزل على حالات معينة وخاصة وأكثر دقة. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: (هو تخصيص التحقيق العام، بتحقيق منزل على نفس معينة لتربيتها)

مجالات المناط الخاص:

إذا كان المناط الخاص هو تخصيص من المناط العام، فهو أكثر دقة وأعمق تنزيلا بحيث يختص بحالات خاصة ومجالات معينة ودقيقة وهذه المجالات أكثرها يتعلق بالنفس الإنسانية وما تتطلب من أمراض وشبهات وحيل لا تنضبط فيه للمناط العام، فيكون المناط الخاص هو بمثابة الضابط المتحكم في سلوكياتها التربوية. ولهذا قال الدكتور فريد الأنصاري، رحمه الله، معبرا عن هذا المعنى “هو مصطلح ذو مدلول تربوي صرف، رغم أنه أداة إجرائية لتنزيل الحكم الشرعي على مجاله في الواقع” إذن مجال المناط الخاص هو مجال تربوي صرف، وصناعة تربوية لها أهلها من الراسخين في العلم كما قال الإمام الشاطبي، رحمه الله، “ويسمى صاحب هذه المرتبة: الرباني والحكيم والراسخ في العلم، والعالم والفقيه، والعاقل لأنه درس بصغار العلم قبل كباره، ويوفي كل أحد حقه حسب ما يليق به” إذن كما قال الدكتور فريد الأنصاري، رحمه الله، مبينا وظيفة المناط الخاص ومجاله بقوله: “هو تخصيص لتحقيق العام تحقيق منزل على نفس معينة لتربيتها.

المناط الخاص والبعد التربوي للفتوى:

إذا كان المناط الخاص ذا بعد تربوي، فإن الفتوى فرع من فروعه لتحقيق هذه الأهداف التربوية لأن  من مقاصد الفتوى إخراج المكلف عن داعية هواه والأخذ بهذه قصد الامتثال للتكاليف على الوجه المشروع، وهذا هو الأصل الذي تقوم عليه التربية” ولهذا كانت وظيفة المفتي التوجيه والإرشاد الهادفين إلى التربية “نظر المفتي للمفتين شبيه بنظر الطبيب للعليل، وإرشاده إلى الدواء الشافي وهو هنا الحكم الشرعي المناسب له في خصوص نازلته” ولهذا قال الإمام الشاطبي، رحمه الله، “فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخيل. هذا بالنسبة للتكليف المنحتم وغيره.

ويزيد الأمر وضوحا أن المناط الخاص يحقق البعد التربوي للفتوى قول الإمام الشاطبي، رحمه الله، النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحيث وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزن واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك، فرب عمل صالح دخل بسببه على رجل ضررا وفترة ولا يكون ذلك بالنسبة إلى آخر، ورب عمل يكون بدون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر، ويكون بريئا من ذلك في بعض الأعمال دون بعض، فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومرامها وتفاوت أجر وقوة تحملها للتكاليف”

وإذا كان تحقيق المناط الخاص أساس الجهد التربوي للفتوى انطلاقا مما سبق فلا بد من ذكر بعض الفتاوى التي عمل فيها المفتون والمجتهدون بالمقاصد التربوي للمناط الخاص ومنها على سبيل المثال (لا الحصر) روي عن ابن عباس أنه سأله رجل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له وسأله آخر فقال: له توبة. فلما سئل قال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينا فلم أمنعه من رحمة الله. فقال الفيهري: “إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي إما فيه تغليظ، وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جازم ذلك جزرا له كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه. وكذلك ما قاله الإمام الشاطبي رحمه الله في أحوال تقبل النفس الإنسانية للأعمال والتكاليف الشرعية “فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ولا يكون كذلك بالنسبة لآخر” ولهذه الاعتبارات كان العالم إذا سئل عن أمر معين وجب أن يراعي الظروف التي تحيط بذلك الأمر وإلا وقع لا محالة في الخطأ. وأنه سئل عن مناط معين، فأجاب عن مناط غيره.

إذن فالقصد التربوي ظاهر بصورة جلية من مفهوم تحقيق المناط الخاص من جهة استثناء هذه النفس المعنية من عموم التحقيق، لأن ذلك إنما كان لحكمة تربوية أساسا كما تبين من خلال ما سبق”.

خــــــاتمة:

إذا مراعاة المناط الخاص يحقق البعد التربوي للفتوى من خلال مراعاة الحالات الخاصة لكل معين من المكلفين وعدم الوقوع في التعميم، كما يقع في بعض الفتاوى المعاصرة مثل فتاوى الربا.


المراجع

– لسان العرب ابن منظور ج 7 ص 412

– الموافقات الإمام الشاطبي

– المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي فريد الأنصاري

– المناط في أصول الفقه د عبد الله نمر بدير ط دار ابن الجوزي 2006

– المقاصد التربوية للفتوى ذ رشيد لبحيح مجلة دعوة الحق العدد 411 ص 121

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.