إلى من لا يُهمه الأمر على لسان الحيوانات.

 – هدية إلى كل إنسان.

– قصة الفأر والفخ.

– بعض رموز القصة.

– أضواء على القصة.

– بعض العبر المستخلصة من القصة.

– من نصحك فقد أحبك ومن داهنك فقد غشك.

 

هدية إلى كل إنسان

قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:  (ما أدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة تزيده هدى أو ترده عن ردى)، وفي رواية ( ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة ) رواه البيهقي في الشعب، وأبو نعيم والديلمي وآخرون من حديث عبد الله بن عمرو به مرفوعا.

وهذه كلمة موجهة لكل إنسان عسى أن تزيده هدى أو ترده عن ردى.

 

قصة الفأر والفخ.

يحكى أن فأرا خرج  من جحره ودخل غرفة من منازل البادية، ولُعابه يسيل لما رأى صاحب المنزل وبجانبه زوجته، وهما يفتحان صندوقا اعتقادا منه أنهما سيخرجان ما سيجد فيه متعته، فإذا به يفاجأ بمصيدة يحملها الرجل في يده وهو يخاطب زوجته ويُسرُّ لها بالقول. لما رأى الفأر ذلك المشهد، توجه توّا إلى كل الحيوانات الموجودة في ذلك المنزل بدءا بالدجاجة ليخبرها الخبر، فإذا بها تستهزئ وتسخر منه، وتُصرّح له بأن الأمر لا يُهمها، بل نهرته وطردته، فلم ييأس وتوجه إلى الخروف الموجود بالحظيرة فأخبره خبر المصيدة التي رآها في يد صاحب المنزل، ووجوب أخذ الحيطة والحذر، فإذا بالخروف يصرخ في وجه الفأر مُدّعيا أن الأمر لا يُهمه، بل هدده بعدم العودة إليه مرة ثانية، لم يفقد الفأر الأمل، ولم يكتف بأخذ  الحيطة والحذر لنفسه فقط، بل توجه إلى البقرة ليخبرها الخبر الذي تلقته هي كذلك بسخرية واستبعاد، متيقنة أن الأمر لا يُهِمها، لمّا أنهى الفأر عملية الإخبار والتحذير للحيوانات التي تعيش في ذلك المنزل، والتي لم تجد قبولا ممن خاطبهم، بل لقي السخرية والأذى والطرد، بدأ يراقب صاحب المنزل ويتتبع خطواته وحركاته، فإذا به يرى المصيدة  وقد وضعت في الساحة المقابلة للمنزل، وفي الليل سمعت المرأة صوت المصيدة وقد قبضت على الضحية، وفي الظلام الدامس، خرجت المرأة فرحة، اعتقادا منها  أن الفأر قد نال حتفه وستستريح منه. وبينما هي تتلمس مكان المصيدة في تلك الظلمة الحالكة، إذا بها تُصدر صوتا مرعبا نتيجة لسعة الأفعى التي كانت تتضور (جاء في لسان العرب، وقال ابن الأَنباري: تركته يَتَضَوَّرُ أَي يظهر الضُّرَّ الذي به ويَضْطَرِبُ) من ألم المصيدة التي  وقعت في شراكها، فإذا بالمرأة سقطت على الأرض وهي تتألم، ولم تفتح عينيها إلا وهي في المستشفى وبجانبها زوجها وبعض أفراد جيرانها، وحالتها لا تزداد إلا سوءا، فأشار الجيران على الزوج بإعداد طعام لزوجته يحتوي على بعض الأعشاب التي ستساعد على علاج الزوجة، وأن تُطبخ مع  دجاجة، وأن تشرب مرقها، فذهب الزوج توّا إلى منزله، وانقض على الدجاجة  التي لا يملك سواها وذبحها، وأعدها لزوجته عسى أن تكون سببا لشفائها، إلا أن الزوجة لم تتناول ما قُدم لها من الطعام للحالة التي لا تزداد إلا سوءا، لم يجد الزوج بُدّا من إخبار عائلته وعائلة زوجته الذين لم يتوانوا في الاستجابة والقدوم، فاحتاج الأمر لإكرامهم إلى ذبح الخروف، وخلال زيارة الزوج لزوجته في المستشفى فوجئ بخبر وفاة زوجته  الذي نزل عليه كالصاعقة، وبعد تشييع الجنازة  والدفن توافد الناس من داخل القبيلة وخارجها على المنزل لأداء واجب العزاء، وتطلب الأمر من الزوج ذبح البقرة التي لا يملك سواها.

ملحوظة: حتى يستقيم الفهم، وتتم العبرة، فالجانب السلبي التخريبي في الفأر غير مقصود في القصة وليس هو المراد.

 

بعض رموز القصة

الفأر يرمز إلى من يعرف عواقب الأشياء كالعارفين بالله من العلماء الصادقين ذوي الخبرة والبصيرة، والدجاجة والخروف والبقرة، يرمزون إلى الغافلين من أفراد المجتمع حكاما ومحكومين، والذين يُعرضون عن نصائح الناصحين، ويجعلون أصابعهم في آذانهم، ويستغشون ثيابهم، ويُصرون، ويستكبرون استكبارا.

 

أضواء على القصة

1- الفأر الذي اقتنيت المصيدة لأجله، حتى إن الناس جميعا عندما يسمعون المصيدة لا يستحضرون إلا الفأر، لم يكتف بأخذ الحيطة لنفسه، بل دفعته محبة الغير إلى توجيه الإنذار إليهم وتحذيرهم، وعدم استبعاد لحوق الأذى بهم.

2 – صبر الفأر على إذاية الغير له  رغم كونه لا يسعى إلا لمصلحتهم.

3 – تـعرض الفأر للضرر القولي؛ لم يثن من عزيمته لتبليغ رسالة النصح  والإنذار للغير.

4 – استبعاد العواقب تدفع الفرد إلى عدم قبول النصيحة وإذاية الناصح المنذر.

5 – أثناء سرد القصة لا يخطر على بال أحد من القراء، أن إنذار الفأر للحيوانات التي خاطبها، لها علاقة بهذا الإنذار من قريب أو بعيد، ويأتي الواقع الذي هو محك التجارب ليكشف ما لم نتوقعه.

 

بعض العبر المستخلصة من القصة

1- على كل فرد عموما وحاكم البلد خصوصا، أن يبادر بقبول كل نصيحة موجهة له لأنها من الدين، بل هي الدين كله، عن أبي تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)، رواه البخاري، ومسلم في الإيمان (55)، وأحمد في المسند (19640)، وأبو داود في الأدب (4944)، والنسائي في البيعة (4197)، عن تميم الداري،  فقوله صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة ) فيه دلالة صريحة على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان، كما فسر الدين بذلك في حديث جبريل المشهور.

فالإسلام النصيحة؛ وهي تعني في جوهرها: إيقاظ المسلم من غفوته، وتنبيهه إلى موضع زلته، وتحذيره من غفلته، وإرشاده إلى الصراط المستقيم الذي يدرك به غايته. لهذا على المنصوح ألا يعتبر ذلك اتهاما له ولا انتقاصا من قدره، فهذا الإمام الشافعي رحمه الله سبه أحد الأشخاص وقال له: يا فاسق، فاعتبرها الشافعي نصيحة موجهة له من هذا الشخص بتلك الطريقة، فرفع يديه إلى السماء  داعيا الله وقائلا: اللهم إن كان صادقا فيما يقول فاغفر لي، وإن كان غير ذلك فاغفر له، ولم يتهمه بالكذب أو البهتان قائلا: وإن كان كاذبا.

وألا يحتقر المنصوح الناصح أو يستهين بقدره؛ فقد وجه له أفضل هدية، فهذا رمز العدل والحرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يدعو بالرحمة للناصح له قائلا: (رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي).

2 – على الحاكم ألا يستهين بالإنذار الموجه له مدعيا أن الأمر لا يُهمه، فكم من حاكم عربي في خضم الحراك العربي يزعم  أنه وبلده  استثاء، وأن ما يحدث  في الدول المجاورة له لا يعنيه، فإذا به أصبح عبرة لغيره، وبدل أن يتعظ بغيره أصبح عظة للآخرين. كما على الحاكم ألا يستهين بالنذير كما استهانت الدجاجة والخروف والبقرة بالفأر.

3- أن الناصح يريد بنصحه أن يبرئ ذمته، وإلا فالقصة ترشدنا إلى نجاة الفأر دون غيره، قال تعالى في سورة الأعراف:  ( وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )، الآية 164. وقال سبحانه في سورة الأعراف:  ( فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ)، الآية 165.

من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشك.

إن من أجلّ نعم الله التي أسبغها على عباده بعد نعمة الهداية إلى دين الله الإسلام، ما هيأ لهم سبحانه من أولئك الناصحين الصادقين من إخوانهم في الدين، الذين يُسدون إليهم أعظم الجميل حين يُذكّرونهم بالله، فيحسنون التذكير، وحين يبصرونهم بخفي عيوبهم فيحكمون التبصير، وحين يوقفونهم على مواطن العلل، وأسباب الآفات، وبواعث المهلكات، فيبلغون من ذلك أوفر حظ من التوفيق، ويقصد بالنصيحة؛ حيازة الحظ من الخير للمنصوح من كل خير عاجل أو آجل، وأن أصل النصح الصفاء والخلوص. وقبول النصح والاحتفاء بالتذكير سجية جميلة، ومنقبة جليلة، وخلق كريم، يتبين به كمال عقل، ونبل نفس، وسلامة سريرة، وصفاء طويّ، وهاهو لكل إنسان يدفعني لذكر هذه القصة، ما دامت الحكمة على لسان الحيوان أدعى للقبول والإقناع منها على لسان الإنسان، الذي تنطوي حكمته الإرشادية، ونصائحه الوعظية على نوع من الاستعلاء الضمني بين الناصح والمنصوح، وهو أمرٌ في حقيقته مرفوض من المتلقي لا شعورياً، وإن لم يفصح عن ذلك، (حكايات الحيوان في التراث العربي لمحمد رجب النجار، ص 211).‏ وأنا أعلم وأُقدر صعوبة من تربى في مجتمع يسود فيه الثناء والإطراء، ويقل أو ينعدم النصح والتوجيه، أن يتجرد من هذه الشخصية ليعلن بكل جرأة وشجاعة الصلح مع الله أولا، ثم الصراحة مع النفس ثانيا، ثم التوبة بالإقلاع عن الذنوب، والندم على ما فات، والإكثار من الحسنات، ورد المظالم إلى أهلها، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى )، رواه البخاري (ح 7198). والحل الأسلم لتحقيق ما ذكر هو الصلاة في جوف الليل، والتضرع لله العلي الأعلى الوهاب، والبكاء عليه، فهو وحده الذي يجيب دعاء المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء عمن ناداه، ولا سهل إلا ما جعله الله سهلا، وهو سبحانه دون غيره الذي يجعل الحزن إذا شاء سهلا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

 

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: