منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أدب المرأة: قوة الخطاب وجمالية الأسلوب (2) 

أدب المرأة: قوة الخطاب وجمالية الأسلوب (2) /ذة. لطيفة خمروش

0

أدب المرأة: قوة الخطاب وجمالية الأسلوب (2) 

بقلم: ذة. لطيفة خمروش

نعقد مجالس سمرنا الأدبي، لنستعرض فيها بعض الجوانب الفنية والجمالية لمجموعة من الأعمال الشعرية والنثرية، التي وقَّعتها شخصيات نسائية كان لهن إسهام كبير في إغناء الحياة الأدبية بما فاضت به قريحتهن.

أول جليسة لهذا السمر؛ سيدة عالمة وفقيهة وعابدة وشاعرة وخطيبة، وهي أول معلمة في الإسلام، تعلم على يديها الرجال والنساء على حد سواء: إنها السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها التي قال عنها أبو موسى الأشعري: «ما أشكل علينا – أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم – حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما». رواه الترمذي
وإلى جانب العلم الشرعي الذي أحكمته السيدة عائشة رضي الله عنها، اشتهرت بالبلاغة والفصاحة وحسن البيان، وبلغت في ذلك مبلغا عظيما شهد لها به أحد الفصحاء الذي يضرب به المثل في الحلم، وهو الأحنف بن قيس حيث قال: «سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم والخلفاء هلم جرا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في (فم) عائشة رضي الله عنها».المستدرك على الصحيحين الجزء 4 ص 12.

قارن الأحنف السيدة عائشة رضي الله عنها بكبار الصحابة والتابعين في الفصاحة والبلاغة فكانت الغلبة لعائشة رضي الله عنها. وهي مقارنة تبرز قوة خطابها التي تظهر في استعماله اسم التفضيل ”أفخم” وجمالية أسلوبها المتجلية في قوله: ”أحسن”.

يتناول هذا المجلس الأدبي إحدى الخطب الشهيرة للسيدة عائشة رضي الله عنها في الدفاع عن أبيها، وهي من الخطب البليغة في أسلوبها القوية في عباراتها.

دعوى هذه الخطبة ما تناوله بعض القوم من أن أبا بكر رضي الله عنه، وهو يومئذ خليفة، حرم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ميراث أبيها حين جاءته تطالبه بأن يعطيها “فدك” فامتنع امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مذكرا إياها بقوله عليه الصلاة والسلام من أن الأنبياء لا يورثون وأن ما تركوه فهو صدقة.

وردت هذه الخطبة في مجموعة من كتب الأدب والبلاغة بروايات مختلفة ومتعددة، فجاءت في كتاب”صفة الصفوة” وفي كتاب موسوعة “أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر” بهذه الصيغة: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: بلغ عائشة أم المؤمنين أن ناسا نالوا من أبي بكر فبعثت إلى أزفلة منهم فعذلت وقرعت ثم قالت: أبي ما أبيه، لا تعطوه الأيدي، ذاك حصن منيف، وظل مديد، أنجح إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا، يريش مملقها، ويفك عانيها، ويرأب صدعها، ويلم شعثها، حتى حلته قلوبها، واستشرى في دينه، فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون. وكان رحمة الله عليه غزير الدمعة، وقيذ الجوانح، شجي النشيج، فانصفقت عليه نسوان أهل مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزئون به، والله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون…”

لو جلينا النظر في هذا المتن، سنجد أنفسما أمام نص مترابط المعنى، متناغم الأداء، متناسق الأفكار، مكتمل البناء الفني من مقدمة وعرض وخاتمة، حيث استهلت السيدة عائشة رضي الله عنها المقدمة في هذه الروايات بحمد الله والثناء عليه، وبالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف روايات أخرى لم تذكر فيها البسملة والصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام. ثم انتقلت مباشرة إلى تقريع أسماع من حاولوا النيل من أبيها والتقليل من شأن قولهم، بإظهار سمو مكانة أبي بكر رضي الله عنه وعلو منزلته، مشبهة إياه بالجبل المنيف في عظمته وشموخه، وبالظل الوارف في جوده وكرمه ورقته وحنوه، كما ذكرتهم بصدقه وسبقه وسابقته للإسلام وتصديقه لكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، في الوقت الذي توانوا هم وضعفوا.

اعتمدت السيدة عائشة رضي الله عنها في خطبتها آليات الإقناع المختلفة، ووظفت مختلف الحجج والبراهين الجاهزة وغير الجاهزة.

فمن الحجج الجاهزة التي استعملتها السيدة عائشة في خطبتها، تجد التراكيب التامة والجزئية التي اقتبستها من القرآن الكريم ومن التراث العربي، وهي اقتباسات تضفي على خطابها قوة مكتسبة من المصدر المأخوذة منه، وسحرا بلاغيا يزيد الخطبة جمالا ويزيد المتلقي تأثرا وانبهارا.

من هذه الاقتباسات استدلالها بقول الله تعالى: ((الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)) ليكون الشاهد قياسا لأفعال المستهزئين بأبيها، بأفعال الكفار المستهزئين بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذين جاء ذكرهم في قوله تعالى: ((وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون))، فكان عقاب الله لهم أن يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، ويكون بذلك جزاء هؤلاء الذين استهزأوا من أبيها من نفس جزاء أولئك.
ويعد الاستدلال بالقرآن الكريم من أقوى الحجج الجاهزة وأفحمها؛ لكونه وحيا منزلا من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم لا يحتمل الشك والتكذيب.

وتظل تلك العلاقة التفاعلية بين خطبتها واقتباساتها من القرآن الكريم حاضرة في أكثر من موضع، فتقول في الحديث عن خصال أبيها ومناقبه وما قدمه في سبيل نشر الدين وتبليغ دعوة الله جنبا إلى جنب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حتى إذا ضرب الدين بجرائه وأرست أوتاده ودخل الناس فيه أفواجا…»، فهذه العبارة الأخيرة تناص مع الآية القرآنية من سورة النصر: ((ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا)).
وتقول في موضع آخر: «وأجلب بخيله ورجله»، وهي عبارة مقتبسة أيضا من قوله تعالى: ((واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك…)) لتبين صعوبة الوضع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشقة ما قام به أبو بكر الصديق من مواجهة المرتدين والمنافقين، بعد أن استحوذ عليهم الشيطان وأجمع عليهم جنوده من كل راكب وراجل…

من صفحة نبراس:

https://www.facebook.com/Nibras63

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.