لماذا أنا دون غيري؟
لماذا أنا دون غيري؟/ أشرف شعبان أبو أحمد
لماذا أنا دون غيري؟
أشرف شعبان أبو أحمد
من الأقوال الشائعة عند كثير من العامة، ترديد عبارات من قبيل: “المؤمن مبتلى”، “المؤمن مصاب”، على نحو قد يوهم بأن الابتلاءات والمصائب مقصورة على المؤمنين دون غيرهم، وكأنهم وحدهم الذين يكتوون بنار المحن والشدائد، وتنهال على رؤوسهم مصائب الدنيا دون سواهم، وأن حياتهم سلسلة لا تنقطع من الابتلاءات والآلام. حتى يبدو الأمر وكأنهم لا ينعمون بصحة ولا بعافية، ولا بسعة في الرزق أو البنين، ولا يهنئون براحة بال وطمأنينة النفس، ولا يعرفون فيها طعم الراحة والاستقرار، ولا ينالون رخاء ولا رفاهية، ولا يحظون بحياة خالية من المشكلات والمنغصات. بل قد يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، فيظن أن غير المؤمن بمنأى عن الابتلاء، فلا تصيبه مصيبة ولا تنزل به نازلة، ولا يلم به ألم، وكأنه يعيش خارج دائرة تقلبات الحياة التي تجري على سائر البشر، فيمضي عمره في بحبوحة دائمة، وصحة موفورة، وسعادة لا يعكر صفوها شيء، ووفرة من المال والمتاع والملذات الدنيوية.
وهذا ليس بصحيح، فحياة المؤمن ليست حياة بلاء دائم، ولا سلسلة متصلة من الأزمات والمعاناة، كما يتوهم بعض البعض، كما أنها ليست حياة نعيم دائم تغمرها النعم من كل جانب على الدوام، وإنما هي حياة تتعاقب فيها المنح والمحن، واليسر والعسر، والرخاء والشدة، والرغد والضيق، شأنه في ذلك شأن سائر البشر، والقرآن الكريم والسنة النبوية لم يصورا حياة المؤمن على أنها حلقة متواصلة من الأحزان والآلام، أو أنها رحلة لا تنقطع من المعاناة والابتلاءات، بل تحدثا كذلك عن نعم الله التي يغدقها على عباده المؤمنين، والسكينة التي ينزلها في قلوبهم، والحفظ الذي يكلؤهم به، والتوفيق الذي يسدد به خطاهم، والفرج الذي يكشف به كرباتهم، وما يسبغه عليهم من ألوان الخير والبركة عليهم في دنياهم قبل أخراهم. قال تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) النحل 97. وليس صحيحا أيضا أن غير المؤمنين لا يبتلون في حياتهم، وأنهم يعيشون في سعادة دائمة ورفاهية مستمرة ولهو لا ينقطع، بعيدين عن الهموم والآلام والمحن، فغير المؤمن شأنه شأن المؤمن، يتعرض لألوان البلاء المختلفة، فيمرض، ويفقد الأحبة، ويعاني الفقر أو الخوف أو الظلم أو الفشل، ويمر بأزمات نفسية وأسرية واقتصادية قاسية، قد لا تقل في شدتها عما يلقاه المؤمن، بل ربما قد تكون أشد وأقسى منها. قال تعالى ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) المؤمنون 55 -56 وقال عز وجل ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) آل عمران 178 والمعنى الجامع لهذه الآيات: أن كثرة المال والبنين، وسعة الرزق، وطول العمر، قد تكون ابتلاء واختبارا لصاحبها، لينظر الله كيف يشكر هذه النعم ويقوم بحقها، كما قد تكون استدراجا أو إملاء لحكمة يعلمها سبحانه، ثم يأتي بعد ذلك الحساب والجزاء، فالابتلاء لا يقتصر على الفقر والمرض وغيرهما من المصائب الظاهرة فقط، بل يكون أيضا بالغنى والجاه والقوة والأولاد، فكما يبتلى العبد بما يؤخذ منه، يبتلى بما يعطى له. قال تعالى ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد آل عمران 196 -197ومعنى الآية: لا يخدعنك ما تراه من سعة رزق الكافرين، أو قوتهم، أو نجاحهم، أو تنقلهم في البلاد آمنين مطمئنين، ولا ما يبدو عليهم من مظاهر الرفاهية والتمكين، فإن ذلك كله متاع زائل وعطاء مؤقت، وليس دليلا على رضا الله عنهم أو محبتهم لهم، ثم إن مصيرهم إلى الله، فيجازي كل إنسان بعمله. وقال تعالى ( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ) الشعراء 205 -206 وقال سبحانه وتعالى ( أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) القصص 61
والحقيقة التي ينبغي أن يعلمها الجميع ولا تغيب عنهم أبدا: أن الابتلاء سنة عامة ماضية في حياة البشر كافة، لا يستثنى منها أحد، مؤمنا كان أو كافرا، صالحا كان أو طالحا، فجميعهم يتقلبون بين المنع والعطاء، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والكثرة والقلة، والجوع والشبع، والفرح والحزن، والأمن والخوف، ونقص الثمرات ووفرتها، وسائر ألوان المحن والمنح، بمقادير متفاوتة وأوقات متباينة، وفق حكمة الله وتقديره. وما ذلك كله إلا أقدار يقسمها الله بين عباده بحكمته وعدله، يرفع بها أقواما، ويمتحن بها آخرين، ولكل إنسان ابتلاؤه الذي يناسب حاله، وهو سبحانه أعلم بخلقه، وأدرى بما يصلحهم وبما يزكي نفوسهم، ويحقق لهم من الخير ما قد لا يدركونه، ولذلك يبتلي هذا بالضراء، ويبتلي ذاك بالسراء، ويختبر أحدهم بالفقر، وآخر بالغنى، وثالثا بالصحة، ورابعا بالمرض، فما يراه بعض الناس نعمة، قد يكون في حق صاحبه ابتلاء واختبارا، وما يراه آخرون مصيبة، قد يكون سببا للخير والرفعة، وما يتبعه من تكفير السيئات وعلو الدرجات.
ومن الأسئلة الشائعة التي تتردد على ألسنة بعض الناس: لماذا ابتليت أنا ولم يبتل غيري؟ ولماذا تتوالى علي الابتلاءات في بدني ومالي وأهلي، مرة ومرتين وثلاث، بينما يبدو غيري بمنأى عنها؟. ولماذا أبتلي بابتلاءات لو حملتها الجبال لناءت بها، في حين لا يمس غيري من البلاء إلا ما يوازي خفة جناح بعوضة؟. وليس هذا من قبيل الاعتراض على قضاء الله وقدره، وإنما هو حديث نفس ضعفت، وفاضت بها الهموم والمشكلات، وضاقت بما نزل بها من الأحوال.
ويتغافل صاحب هذا السؤال عن أن غيره قد يردد السؤال نفسه: لماذا ابتليت أنا ولم تبتل أنت؟ ولماذا ابتلى فلان ولم يبتلي علان؟. والجواب على هذا وذاك، أن لكل إنسان نصيبا من البلاء، علمه الناس أو لم يعلموه، وقد يحمل من الأوجاع والشدائد ما لا يعلمه إلا الله، غير أن الإنسان يبصر ما نزل به، أكثر مما يبصر ما نزل بغيره، ومن هنا فإن المقارنة بين الناس في البلاء، اعتمادا على ما يظهر للعيان، مقارنة غير دقيقة، إذ لا ينبغي للمرء أن يقيس حياته بظاهر أحوال الناس، فإن وراء كل باب قصة لا ترى، وخلف كل وجه مبتسم ابتلاء لا يعلمه إلا الله. وليكن كل منا علي يقين بأن ما يقع على العبد من ابتلاءات، إنما يكون في حدود ما يطيقه، ويقدر على تحمله، وإن ظن أحيانا أنه فوق طاقته، لأن الله أعلم بعباده من أنفسهم، فلا يضع سبحانه على عاتق عبد حملا، إلا وقد أودع فيه القدرة على حمله، وهيأ له من أسباب الصبر والثبات، ما يعينه على احتماله، وأعد له من الأجر والثواب، بقدر صبره ورضاه، فإذا رأيت إنسانا يحمل من الهموم والآلام ما تكاد الجبال تعجز عن حمله، فأعلم أن الله قد منحه من القوة والصبر، ما لم يمنحه للجبال، ولا يمنع ذلك ألا يشعر الإنسان بثقل البلاء وشدة الألم، بل قد يبلغ البلاء غاية المشقة، ولكنه يبقى في دائرة ما يستطيع العبد احتماله بفضل الله وعونه وتوفيقه، قال تعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) البقرة 286 وقال سبحانه وتعالى ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) الطلاق 7 ومن رحمة الله أن العسر لا يدوم، وأن الشدة يعقبها فرج، والضيق يتبعه السعة، كما وعد سبحانه عباده، قال عز وجل ( فإن مع العسر يسرا ) الشرح 5 وقال تعالى في سورة الطلاق 7آية ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ). ومن الأمثلة الدراجة في هذا المعنى: يدي البرد على قد الغطا. اللي ربنا يجيبه ربنا يعين عليه. على قدر الحمل تكون المعونة. وهي عبارات شعبية تعكس معنى صحيحا وهو أن العون يأتي بقدر الابتلاء.
جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ) فالأنبياء عليهم السلام أكثر الناس تعرضا للابتلاءات، لأنهم يحملون أعظم الرسالات، ويتحملون أعظم التكاليف، ويواجهون أشد أنواع المعارضة والأذى، فسيدنا نوح عليه السلام لاقى التكذيب والسخرية من قومه قرونا طويلة، وسيدنا إبراهيم عليه السلام ألقي في النار وهاجر عن وطنه وابتلي في أهله وولده، وسيدنا يوسف عليه السلام ألقي في الجب ثم سجن ظلما وعدوانا، وسيدنا أيوب عليه السلام ابتلي في صحته وماله وأهله، وسيدنا موسى عليه السلام واجه فرعون وجبروته، وتحمل أذى قومه وعنادهم، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أوذي وشتم، وحوصر هو وأصحابه وجرح في القتال وفقد أبناءه وأحب الناس إليه، وإذا كان الأنبياء عليهم السلام قد نالوا من البلاء نصيبا عظيما، فذلك لأنهم كانوا أقدر الناس على حمل أعبائه، وأعظمهم صبرا وثباتا، فكان الابتلاء في حقهم على قدر ما أودع الله فيهم من قوة الإيمان وعظيم اليقين.
وأخيرا فليس هناك اختلاف في أصل وقوع الابتلاء على المؤمن والكافر، فالكل مبتلى، شاء أم أبى، وإنما الفرق بينهما في كيفية التعامل معه، فالمؤمن يستعين بالله، ويرجو ثوابه، ويحتسب أجره، فيبتلى فيصبر، ويصبر فيؤجر، ويؤجر فيرقى درجات عند الله، أما غير المؤمن فيحرم هذا المعين العظيم، فيلجأ إلى ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فإذا خاب رجاؤه فيما تعلق به، واجه آلامه وهمومه بالجزع والتبرم والتأفف، ولعن الدنيا وما فيها، دون أن يغير ذلك من واقعه شيئا. كما دلت النصوص الشرعية على أن البلاء لا يتنافى مع الإيمان، وأن وقوعه بالمؤمن لا يعني هوانه على الله ولا سخطه عليه، كما أن ابتلاء غير المؤمن لا يدل على رضى الله عنه أو كرامته لديه. بل قد يكون بلاء المؤمن بالشدة، سببا في تكفير سيئاته وتعظيم أجره، ورفع درجاته، إذا صبر واحتسب، أما غير المؤمن فيكون ابتلاؤه بالرخاء، فقد يتمتع بطيبات الدنيا، ويستوفي حظه منها، ويعجل له جزاء ما قدم من خير، حتى لا يبقي له في الآخرة نصيب منها.