منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضرورات غير ضروريّة

ضرورات غير ضروريّة/ فيحاء نابلسي

0

ضرورات غير ضروريّة

بقلم: فيحاء نابلسي

تقول الأمثال: ” اللي بدّه يرافق بدّه يوافق”.

كلمات بسيطة ولكن تحمل منهج حياة يتلبّس به الإنسان دون أن يدري.

تتفتح مداركنا على ردّة فعل الأخرين على سلوكنا، فتصقل توجهاتنا وميولنا إلى حدٍ كبير ولو ظاهريّاً، وربما يمضي وقت طويل قبل أن نتوقف ونتساءل،” هل أفعل حقّاً ما أريد أم مايجب عليّ فعله؟”

” إذا كنتِ لا تسمعين فيروز صباحاً ولا تحتسي القهوة مع قطعة شكولاتة فعليك أن تقدمي طلب انتساب للجيش في الحال.”

هكذا بكل بساطة يقوم شخص،\محدود الفكر\ برسم إطار معين للأنوثة، سالباً من كل أنثى خارج إطاره، أنوثتها.

كثيرات يصعب عليهن مخالفة التوجه العام خشية فقدان الاعتراف بأنوثتهن في محيطهن غير مدركات لحقيقة أنّ الأنوثة الحقيقية ليس لها معايير ثابتة وإنما هي إحساس فريد يختلف من واحدة لأخرى تعيشها كل إمرأة حسب الممكن والمتاح، لأننا في النهاية بشر ولسنا سرب من النمل.

وهكذا يطرح لنا المجتمع قوالب جامدة للرجل الشهم، للزوج المحب والكريم, للأم المتفانية، للأب المضحي، يسجن بها أفراده مانعاً إياهم من ممارسة حقهم الطبيعي في التفرّد أو حتى الاختلاف الناجم في كثير من الأحيان عن الظروف المتاحة والممكنة لكل شخص.

فيروز الصباح والقهوة والشوكولا، حالة بسيطة من حالات كثيرة، يجد الانسان نفسه فيها متحيّرا بين أن يجهر بإختلافه متحملاً تبعات الإختلاف, أو مجاراة وتصنّع الموافقة متحمّلا عبء التكلّف الثقيل. حتى تتحول الحياة إلى تمثيلية سمجة بشخوص مكررة ومملّة.
بالنسبة لي تجاوزت إلى حدٍ كبير إطارات كثيرة، ولكن مع هذا أعترف أنني كنت لا أجرؤ على المجاهرة بالاختلاف في بعض الأمور.
كمثال بسيط، التناص الأسطوري.

عندما بدأت الكتابة، كنت أرى احتفاء النقاد بالّتناص الأسطوري، وألاحظ أنهم يعتبرون ورود ذكر الميثولوجيا في النص يرتقي بالنص إلى مصافّ الإبداع.
وبينما كنت أمقتُ إلى حدٍ كبير فكرة الأساطير وأعتبرها هبل في خبل، إلّا أني لم أصرّح بهذا هذا في أيّ مرّة. مع هذا لم أحاول تضمين أيّ من نصوصي أية اشارة للميثولوجيا، وربما حدث ذلك بشكل عرضي عن غير قصد, لم ينبهني لحدوثه إلا احتفاء أحد النقاد بالأمر واعتباره ميزة أدبية .

الآن مع اندحار الميثولوجيا أمام الماديّة والأتمتة والذكاء الاصطناعي, لم يعد التناص الأسطوري رائجاً، ولم نعد نرى وروداً له في أي عمل إلا نادراً.
وفي هذا عزاء للسابحين عكس التيّار في أي مجال.

فأي شيء تجد نفسك لا تستسيغه ولا تقبله ماعليك إلا أن تقف جانباً وتدعه يمر، إذا كنت لا ترغب في مقارعة فرسان الحالة الرائجة. فكل رائج الآن مصيره إلى الإنكفاء والزوال بعد سنوات، وهذه طبيعة الحياة.

ولكن مع ذلك يبقى عليك أن توافق إذا أردت أن ترافق وإلّا ليس أمامك إلا أن تعتزل وتنتظر مرور الموجة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.