منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دوام الحال من المحال

دوام الحال من المحال/فيحاء نابلسي

0

دوام الحال من المحال

بقلم: فيحاء نابلسي

لم يكن إبليس وحده هو من أخرج آدم عليه السلام من الجنة وإنما الرغبة في الخلود ودوام الملك،” فأزلّهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه”. غاية الوسوسة كانت الإخراج، لكنّ إبليس لم يجبرهما وسؤاله واضح ” هل أدلّكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟” والمفهوم بداهة أنهما أجابا بالإيجاب، لأنّ هذا ما حدث.
فهل كان آدم عليه السلام يعلم أنّ وجوده في الجنة مؤقت؟
وإلّا فلم يرغب في الخلود إذاً؟
” إكسير الحياة ” هوس الإنسان عبر العصور، البقاء حيّا صحيحا قويّا وشابّا على الدوام!
لو ربى الإنسان نفسه على أنّ كلّ ما في الدنيا أغيار، لارتاح من ثلاثة أرباع مشاكله في الحياة .
لمَ لا ينظر الإنسان إلى السماء فوقه فيراها لوحة بنورامية لا تتوقف عن التبدّل والتحول على مدار اليوم .
ولمّ لا ينظر إلى الأرض تحت قدميه فيراها تخضر وتصفر وتتبدّل ألوانها من يوم إلى يوم ومن فصل إلى فصل .
ألا يرى من يعيش قرب نهر كيف يعلو الماء وينحسر من وقت إلى وقت، ومن يعيش قرب بحر ألا يرى كيف تتبدّل أحواله فيهيج ويهدأ ؟ مدّه وجزره لا يتوقف.
كل ما يحيط بالإنسان لا يتوقف عن الحركة والتبدّل ومع ذلك يصرّ الإنسان هذا المخلوق العجيب على الركون إلى ما ألفَ واعتاد عليه، فتراه يجزع لفقدِ أحباب ويأسى لخسارة مال ويقنط من طول الشدّة, ويطغى إسرافاً إذا ما زال العسر وحلّ اليسر حتى كأنّه لم يذق شدّة وبلاء. ولو أنّه رأفَ بنفسه فعوّدها على تقبّل تقلبات الحياة لما أهلك نفسه حسرة على ما فاته ولا استعلى زهواً بما أتاه من خير ونعمة.
الخوف من التغيير هو ما يصيب الإنسان بالشقاء. إن كان في نعمة يقلق على نعمته يرجو بقاءها ويخاف زوالها، وإن كان في شدّة، يقنظ من رحمة ربّه ولا يرى لشدته زوالا فيسجن نفسه في اليأس والحسرة، ولو أنّه سلّم بأنّ أيّ حال من الأحوال ما هو إلّا أمر مؤقت سيمر وينتهي، لاستطاع أن يصبر ويتحمّل حتى تنتهي رحلته في الحياة ولمرّت الأيام عليه هينة وأقلّ وطأة.
هل يعني هذا أن على الإنسان أن يعيش متحجر القلب بلا إحساس ولا مشاعر ؟
بالطبع لا ولكن عليه أن يستقبل أقدار ربه هونا هونا، فلا تهلكه خسارة ولا تطغيه نعمة .
يحزن لمصابه ويحتسب مصيبته عند ربه فينال أجر الصبر.
يسعد بنعمة ربه ويشكر فينال أجر الشكر.
أتخيّل الحياة كرحلة في حافلة تعبر بنا دروبا، نمرُّ على ما يسرنا فنبتهج ونمرُّ على ما يؤلمنا فنحزن وتتناوب علينا الأغيار حتى ننزل في المحطّة الأخيرة. . والله أعلم بما نلقى, نسأل الله أن يكون خيراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.