منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علاقة القراءات بالعقيدة

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

علاقة العقيدة بالقراءات علاقة وثيقة، وليس أدل على ذلك من سعي أهل البدع قديما وحديثا إلى التكذيب بالقراءات الثابتة التي تدل على بطلان مذاهبهم، وكذلك سعي أهل البدع إلى الكذب على الله تعالى وعلى كتابه المبين بافتراء قراءات يؤيدون بها مذاهبهم الباطلة، ولكن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ كتابه وهيأ له من يصونه من تحريف المبطلين.

وفي الحقيقة أن هذه المسألة ظهرت في الوسط الإسلامي مبكرا، وتبنتها بعض الفرق الإسلامية، وعارضت ذلك فرق أخرى، ثم انتقلت هذه الفكرة بشكل أو بآخر عند بعض المعاصرين من المستشرقين وغيرهم.

و نبين ذلك في الآتي:

موقف المعتزلة من القراءات، ويمكن إجمال ذلك في النقاط التالية:

 

المزيد من المشاركات
1 من 22

أولا: قولهم إن القراءات من قبيل الآحاد وليست متواترة البتة[1].

وهذا القول يؤدي إلى أن يكون القرآن في كثير من المواضع -وهي المواضع التي اختلفت فيها قراءة القراء- لا يعلم فيها على التحقيق الوجه الذي ينبغي أن تقرأ به القراءة.

ولعل من المفيد هنا أن أنقل قول ابن الزَّمْلَكاني؛ إذ قال: انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، فقد كان يتلقاه أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم، وكذلك دائما، فالتواتر حاصل لهم، ولكن الأئمة الذين قصدوا ضبط الحروف وحفظوا عن شيوخهم منها جاء السند من جهتهم، وهذا كالأخبار الواردة في حجة الوداع هي آحاد ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصل بهم التواتر عن مثلهم في كل عصر، فهذه كذلك[2].

 

ثانيا: إنكار القراءات المتواترة والطعن فيها، وقد سلكوا في ذلك طريقين:

– الطعن في نفس القراءة ووصفها بالغلط أو الضعف أو أنها مسترذلة وغير ذلك:

فمثلا ترى الزمخشري يطعن في قراءة ابن عامر السبعية في قوله تعالى: [وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ] [الأنعام: 137]، برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء بقوله: والفصل بينهما -يعني المضاف والمضاف إليه- بغير الظرف فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سمجا مردودا، كما سمج ورد: زج القلوص أبي مزاده.

فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته[3].

وكذلك فإن أبا علي الفارسي وهو من أشهر من ألف في الاحتجاج للقراءات قد قال عن قراءة ابن عامر حال توجيهه لها: “وهذا قبيح قليل في الاستعمال، ولو عدل عنها إلى غيرها لكان أولى”[4].

هذا مع أن أبا علي قد احتج لقراءة ابن عامر ووجهها حتى ظهر حملها على وجه فصيح من أوجه العربية.

ويقول الزمخشري أيضا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب في قوله عز وجل: [وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا]، [البقرة 127]، بسكون الراء: وقرئ (وأرْنا) بسكون الراء، قياسا على فخذ في فخذ، وقد استرذلت، لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها، فإسقاطها اجحاف[5].

– الطعن في رواة القراءة ووصفهم بالخطأ أو الوهم وعدم الدقة في النقل، وهذا يؤدي إلى الطعن في القراءة بطريق غير مباشر.

يقول الزمخشري معترضا على السوسي في إدغام الراء في اللام: “ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو”[6].

 

ثالثا: الاحتجاج بالقراءات الشاذة.

وهذا الأمر كثيرا ما يوجد عندهم وهو نتيجة طبيعية للأمرين السابقين، واحتجاجهم بالشاذ تارة يكون لأجل الأقيسة النحوية، ومراعاة لأصول مذهبهم تارة أخرى.

فمن مراعاة الأقيسة النحوية ما ذكره في الكشاف عند قوله تعالى: [فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاٗ مِّنْهُمْۖ] [البقرة: 247]، قال: وقرأ أبي والأعمش (إلا قليل) بالرفع، وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانبا، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى [فَشَرِبُواْ مِنْهُ] في معنى: فلم يطيعوه، حمل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه الا قليل منهم[7].

وهذه القراءة التي ذكرها قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من العشرة.

ومن مراعاة المذهب ما ذكره في الكشاف أيضا عند قوله تعالى: [وَكَلَّمَ اَ۬للَّهُ مُوس۪يٰ
تَكْلِيماٗۖ
] [النساء 163]، قال: “وعن إبراهيم ويحيي بن وثاب أنهما قرأا: (وكلم الله) بالنصب”[8].

وهذه قراءة شاذة أيضا وغير مشتهرة، بل الأغلب فيها أنها موضوعة، وإنما حملهم عليها نصرة مذهبهم في كلام الله، فعلى هذه القراءة أصبح المتكلم موسى عليه السلام، فتنفي القراءة نسبة الكلام إلى الله تعالى، وهذا يناسب مذهبهم في كلام الله تعالى بأنه مخلوق محدث غير قائم بالله عز وجل خلقه في غيره، وإلا للزم من ذلك أن يكون محلا للحوادث، ولا يخفى ما في قولهم هذا من الفساد.

أما القراءة المتواترة والتي هي برفع لفظ الجلالة فقد أولتها المعتزلة بأنها من الكَلْم، وهي الجرح، قال الزمخشري في ذلك التأويل وقد استنكره: “من بلع التفاسير أنه من الكَلْم/ وأن معناه: وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن[9].

وصدق في ذلك، فإنه من بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم[10]، فلا يصلح فيها إلا حملها على ما يحتمله ظاهرها لا حمل الآية على القراءة الشاذة.

ملحوظة: ليس الكلام هنا عن تأويلهم للقراءات بما يتناسب مع مذهبهم، لأن هذا من منهجهم في التفسير عموما وليس في القراءات فقط مع ما لهذا الموضوع من تعلق كبير بالبحث.

 

 

المصادر

البحر المحيط في أصول الفقه لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفى: 794هـ)، تحقيق لجنة من علماء الأزهر دار الكتبي مصر ط 1. 1414هـ -1994م، 2/212.

الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (المتوفى: 377هـ)، وضع حواشيه وعلق عليه: كامل مصطفى الهنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1421ه ، 3/411.

شرح الكوكب المنير، لتقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار الحنبلي (المتوفى: 972هـ)، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة: الطبعة الثانية 1418هـ – 1997م، 2/227.

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1407 هـ، 2/401.

 

[1] شرح الكوكب المنير، لابن النجار 2/227.

[2] نقلا عن الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه 2/212.

[3] الكشاف، للزمخشري، 2/401.

[4] الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي، 3/411.

[5]الكشاف للزمخشري، 1/322.

[6]نفسه 1/518.

[7]نفسه ، 1/475.

[8] نفسه، 2/179.

[9] نفسه 2/179.

[10]نفسه 1/591.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.