منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الساهور في بيان مشروع الطاهر بن عاشور

اشترك في النشرة البريدية

       ” أليس الصبح بقريب ” ذلك هو العنوان العجيب الذي اختاره الإمام والأستاذ سيدي الطاهر بن عاشور لكتابه الإصلاحي ومشروعه النهضوي، الذي قصد من خلاله نفض غبار التخلف عن الأمة العربية، ذلك الغبار الذي عمّر في محياها طويلا، وأعاق حركتها وأفشل سيرها في اللحاق بمصاف الدول المتقدمة وتحقيق التقدم والازدهار.

فبعد صدمة الاستعمار التي عرفها العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وما خلفه من أحداث عظيمة واضطرابات عنيفة كان أبرزها احتلال الدول الإسلامية وسقوط الخلافة العثمانية ونشأة الكيان الصهيوني ونهب خيرات الدول الإسلامية وإخصاء كل محاولة للتحرر من ربقة الاستعمار، ظهرت مجموعة من الحركات الإصلاحية والمشاريع النهضوية، من ذلك مثلا مشروع سعيد النورسي في بلاد الأناضول، ومشروع كل من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده في مصر، وابن باديس ومالك بن نبي في الجزائر، وعلال الفاسي والمكي الناصري في المغرب، وغيرها من المشاريع التي قاومت المستعمر وحاولت إصلاح ما يمكن إصلاحه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد الجروح العميقة التي خلّفتها سنابك الدول الإمبريالية في بلاد المسلمين.

فكان مشروع الأستاذ الطاهر بن عاشور المبثوث في كتابه الماتع “أليس الصبح بقريب” محاولة إصلاحية أخرى عزفت على وتر التعليم، ذلك الوتر المهم في عزف سمفونية النهضة، لما لهذا القطاع الحيوي من دور فعّال في تنمية البلدان وتثقيف الشعوب وإنتاج الكفاءات وصنع رجال الغد وتوجيه فكر وثقافة الأمم، وإنتاج الحضارة بدل استهلاكها، فكان كتابه رحمه الله زمرّدة في عقد الحركات الإصلاحية التي شهدها العالم الإسلامي إبّان الاستعمار.

استهلّ هذا المشروع بدراسة وصفية تاريخية لأحوال التعليم في بلاد المسلمين وبرامجه وكيفية نشأة العلوم منذ صدر الإسلام إلى عصر المؤلف، وتحدّث عن المعاهد والمدارس التي كانت قبلة للطلبة وقتئذ، وتطرّق إلى التطور الذي عرفته المناهج الدراسية والبرامج التعليمية خصوصا في الإيالة التونسية موطن صاحبنا.

حتى إذا أخذ القارئ نبذة عن أحوال التعليم في بلاد المسلمين، وتحصّل عنده كمّ لا بأس به من المعلومات المتعلقة بالبرامج التعليمية والمناهج التي كانت سائدة لمدة طويلة في المنظومة التعليمية العربية، شرع في عرض مشروعه الإصلاحي مبرزا أسباب انحطاط التعليم وتدهوره، فذكر خمسة عشر سببا رأى أنها وراء فشل التعليم في بلاد المسلمين، قمت بغربلة ونخل هذه الأسباب، فانتقيت منها خمسة أذكرها باختصار : 

المزيد من المشاركات
1 من 17
  1. غياب الآداب والأخلاق عن برامج التعليم، الشيء الذي يجعل المتعلم غير منتفع بعلمه، متحجرا عاريا عن مكارم الأخلاق والمروءة والفضيلة، فكانت النتيجة انسلاخ العلم عن الأخلاق، حتى أنك تجد الشخص متبحرا في أصناف الفنون والعلوم بيد أن بضاعته في الأخلاق الفضيلة مزجاة، وهذا شاهدته عيانا.
  2. سلب حرية النقد وبالتالي قتل الابتكار، فكثير ممن تصدّر للتعليم، وجِبلّة من عشاق المنصة والميكروفون، لا يقبلون البتة الانتقاد لا ولا يستسيغونه أبدا، وحتى إن قبل به أحدهم ظاهرا، فهو لا شك يبطن لك الكراهية ويتربص بك الدوائر، وهذا لعمري لاحظته حتى في بعض من كنت أحسبهم خِلّانا للأسف، ولقد انتقدت أحدهم في إحدى اللقاءات، قصد نصحه وتقويم اعوجاجه بأدب جمّ وأسلوب لطيف كأنه المدح، فكان جزائي كرها وبغضا وحقدا، وصار لا يجد فرصة ـ سامحه الله ـ إلا ورفع بندقية لسانه وصوّب على صدري طلقات كأنها يا سادتي صواريخ أرض أرض، حتى أليت ألا أنتقد أحدا أبدا خشية المكروه.
  3. إغفال الجانب التطبيقي والاكتفاء بالنظري، فمثلا يتم تعليم النحو عن طريق معرفة القواعد وحفظ المتون، وكذلك البلاغة والمنطق، ولكن إذا أراد الطاب سرد كتاب أو تركيب استعارة أوإنشاء حجة منطقية وقع في لحن عظيم وخطأ جسيم ناتج عن عدم التمرن والتطبيق.
  4. عروّ التعليم عن مراعاة المصالح الصحية للتلميذ وإثقال كاهله بكثرة الواجبات وغزارة التكليفات، وإهمال الجانب الرياضي خصوصا في بعض مدارس التعليم العتيق، بل لا زال إلى يوم الناس هذا من يعتبر ممارسة الرياضة من خوارم الصفة العلمية التي قد تقدح في الطالب بله الشيخ.
  5. ضعف الملكات اللسانية وعدم إتقان اللغات، خصوصا اللغة العربية التي تعتبر بحق مفتاح الكنوز والذخائر التي احتوتها المكتبات العربية والإسلامية.

ثم يستمر رحمه الله في الحديث عن أحوال التعليم، ذاكرا بعض الوجوه الإصلاحية التي رأى أنها كفيلة بالنهوض بهذا القطاع المهم الذي هو سر التقدم والازدهار، كضرورة القضاء على أسباب انحطاط التعليم، وتجاوز الأخطاء التي كانت سببا في إخصاء كل محاولة للنهوض والإصلاح، خاتما رسالته ببعض الآراء المتعلقة بالعلوم الإسلامية كالفقه وأصوله والحديث وعلومه والمنطق والتاريخ وغيرها…

من خلال فهمي المتواضع لهذه الرسالة أزعم أن منهجه الإصلاحي ومشروعه النهضوي يقوم على ما يلي :

 

  • وصف حال التعليم وبرامجه ومناهجه ونقدها.
  • إبراز مكامن الخلل في المنظومة التعليمية.
  • كشف أسباب فشل التعليم في بلاد المسلمين.
  • اقتراح تصورات جديدة وآراء إصلاحية يمكن من خلالها إصلاح النظومة التعليمية التي هي الوصفة السحرية للتقدم والازدهار.
مقالات أخرى للكاتب
1 من 3
  • استثمار تجربته في التدريس والدراسة للإصلاح.

 

وبين هذا وذلك يقدم لك باقة من المعلومات الأريجة والحكم الفوّاحة التي ينعشك عبقها ويحثو على وجهك أريجها، كأنه بذلك يخفف عنك ويخرجك من الملل الذي قد يهجم عليك أثناء القراءة.

كما أن الكتاب تضمن بين طياته أقوالا بديعة وعبارات عجيبة تكتب بماء الذهب وتعلق على جدران كل مدرسة وكلية، كقوله مثلا وهو يبكي انسلاخ الأخلاق عن العلم : ( ومن العار الكبير أن نرى كثيرا ممن انتصب لتعليم النشء، تعجبك أجسامهم وتبهجك بزّتهم، وتعظم صورهم، ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك … حتى ترى تلك الهياكل العظيمة فارغة من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق.)، وفي أسباب الانحطاط يقول : ( الرضا بالموجود هو أكبر أسباب تأخرنا ) وفي الدين يذكر : ( إنما تقهقر الدين بتقهقر المسلمين في مجال العلوم )، ويقول في التعليم : ( التعليم تعبير عن حاجة المجتمع )، وغيرها من الأقوال والعبارات التي لو قام أحد باستقرائها وتحليلها لوجدها كفيلة بتسويد بياض المجلدات.

على  سبيل الختم يمكننا القول أن مشروع العلّامة التونسي الطاهر بن عاشورهو  محاولة إصلاحية متكاملة حقيقة بإخراج المجتمع الإسلامي من براثن التخلف، ذلك أنها ركّزت على أسطوانة مهمة من أساطين تطوّر الحياة والمجتمعات، ولكن أنّى للمصباح أن يضيء في البراح بوجود الرياح؟

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.