منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تأملات في الحضارة الراهنة (ماذا سيجلب لنا المستقبل؟!)

محمد عناني

0

يستهل ” كارل يونج ” كتابه: ( من أنا؟ ) ” ذات لم تكتشف ” بسؤال صار طرحه اليوم أكثر أهمية من الفترة التي أنجز فيها كتابه هذا .
و السؤال هو : ماذا سيجلب لنا المستقبل ؟
و قد ركز “كارل يونع” على محنة الفرد في المجتمع الحديث.
كنت أعرف قبل قراءتي هذا الكتاب أن الفرد يستحيل عليه معرفة نفسه معرفة تامة، لأنه ببساطة نتاج للا وعيه أكثر من وعيه، و للاوعي الجماعي، و للمعتقدات، و الآراء التي تسود مجتمعا أو قبيلة أو أسرة. إنه بكل وضوح نتاج للحتمية النفسية و الحتمية الثقافية ( بمعناها الأنتربولوجي )، ومعظم الناس يخضعون لهذه المعايير دون تساؤل أو وعي بها مما يحجب عنهم معرفة أنفسهم.
و يرى ” كارل يونج ” أن الفرد تحول في المجتمع الحديث إلى مجرد رقم في معادلة الإنتاج و الاستهلاك. أضف إلى أنه خاضع بشكل ما إلى سياسة الدولة التي ينتمي إليها، و هنا يشير إلى أولئك الذين يتلاعبون باسم سياسة الدولة، لأن كل سلطة تتركز في أيديهم، و لا يعود الفرد المنتخب خادما لسياسة الدولة، لأنه هو سياسة الدولة ذاتها، و في حدود هذا الموقف يمكنه فعل ما يريد. يمكنه أن يقول مثلا كما قال لويس الرابع عشر : ” أنا الدولة “.
إن الأنظمة الشمولية تسلب الفرد حريته، و ليس هناك ما هو أسمى من تمتع الفرد بفردانيته. لكن في مثل هذه الأنظمة يغدو الفرد مجرد رقم في مكتب الإحصاء …
تريد الدولة للفرد أن يعبدها كما عبد الناس الكنيسة ذات يوم. تجف مياه الدين و يترك خلفه مستنقعات أو بركا راكدة، تتفرق الأمم ثانية كأعداء، و تتعطش إلى تمزيق بعضها البعض. تفكك العلوم التي تمارس دون أي تحفظ، و بموقف لا مبال و طائش تماما، و تذيب كل ما كان يعتقد المرء ثابتا حيث اكتساح الطبقات الاجتماعية المتعلمة و الدول المتحضرة من قبل رأس مالية كريهة.
كل شيء يخدم البربرية القادمة بما فيه من فن و علم عصرنا الحاضر .. ينحط الإنسان المتعلم متحولا إلى أكبر عدو للثقافة؛ لأنه ينكر المرض الشائع و يقف عائقا في طريق الأطباء.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.