منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نظرات على بعض محددات فكر الجابري وتجلياته في مشروعه الفكري الموسوم بنقد العقل العربي

0

ظهرت الحركة الاستشراقية باعتبارها حركة ممهدة للاستعمار الغربي الذي حل بالعالم الإسلامي فعاث فيه فسادا، بنهب ثرواته، وإفساد عقائد أهله، وأخلاق شبابه رجالا ونساء.

ومع أنه تعرض لمقاومة شديدة تحت راية الجهاد – الذي أعلنه العلماء وطلبة العلم وعموم المسلمين – انتهت بزواله وخروجه من بلاد المسلمين، إلا أنه لم يخرج حتى حقق نتيجة هي أكبر خطرا وأشد مرارة من الاستعمار المباشر، حيث نشأ جيل من ذراري المسلمين تعلم في مدارس الاستعمار، و تربى على موائد الاستشراق، يقتاتون من فتاتها، ويتشربون في قلوبهم حب الانحراف الفكري، والتطرف القومي والعلماني،…، فالغرب عندهم هو النموذج الكامل الذي يجب أن يحتذى، والأستاذ الأوحد الذي بغيره لا يجوز أن يقتدى، فصدق عليهم بذلك ما رواه  سهل بن سعد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” اللهم لا يدركني زمان ، أو لا تدركوا زمانا لا يتبع فيه العليم ، ولا يستحى فيه من الحليم ، قلوبهم قلوب الأعاجم ، وألسنتهم ألسنة العرب “. وصدق رسول الله فقد رأينا في هذا الزمان أناسا يتكلمون بلسان ” عربي مبين”، ولكن قلوبهم قلوب الأعاجم بما تحمل من حب تقدير واتباع للحضارة الغربية. وهكذا أصبح التراث الإسلامي ينقد بل ويحاكم من منظور غربي، ووفق قواعد وضوابط وضعها مفكرون غربيون، بعيدا عن المنهج الإسلامي الأصيل.

-1-

من بين هؤلاء الذين اشتهروا بنقد التراث في هذا الزمان الدكتور محمد عابد الجابري في مشروع فكري يتكون من أربعة أجزاء،وقبله في كتابه نحن والتراث، حيث سطر هناك القاعدة الأساس التي سيتعامل مع التراث العربي بناء عليها، وهي جعل التراث المقروء معاصرا للقارئ، ومعاصرا لنفسه في آن واحد.

 إن القراءة العصرية للتراث عند الجابري هي: »جعل المقروء معاصرا لنفسه على صعيد الإشكالية النظرية والمحتوى المعرفي والمضمون الإيديولوجي أي قراءته في محيطه الاجتماعي التاريخي من جهة. وفي ذات الوقت جعله معاصرا لنا، من جهة أخرى، على صعيد الفهم والمعقولية « . وهذه القاعدة رغم أنها في ظاهرها جذابة وبراقة إلا أن لها خطورة كبيرة على التراث الإسلامي حيث لن تعود للفقيه أو المفسر أو المحدث أية سلطة معرفية، ولن يقبل كلام هؤلاء على أنه حقائق علمية، بل سيرد كلامهم وترفض أقوالهم بحجة أنها كانت حقائق فقط  في محيطها الاجتماعي التاريخي مرة، وبحجة أن كلامهم مجرد سلاح إيديولوجي مرة أخرى، وبذلك سيفتح الباب واسعا لكل واحد ليأخذ من التراث ما شاء ويترك ما شاء، بل ليقول في التراث الإسلامي ما يحلو له بحجة التحليل والنقد والتفكيك وإعادة التركيب من جديد حسب الزمان والمكان، مما سيؤدي لا محالة إلى رفض التراث جملة، وهو ما صرح به الجابري صراحة وهو يجيب على سؤال صاغه على الشكل التالي: »كيف نتحرر من سلطة التراث علينا؟ « . فأجاب عنه بوضوح وجرأة صادمة لكل غيور، لأن ما قاله الجابري يؤدي إلى العبث والعدمية، يقول الجابري: »تلك هي مهمة المنهج الذي نقترحه. إنه منهج تحليلي…بمعنى تحليل البنية…إن تحليل البنية معناه القضاء عليها، بتحويل ثوابتها إلى تحولات ليس غير، وبالتالي التحرر من سلطتها، وفتح المجال لممارسة سلطتنا عليها. هذا النوع من التحليل هو ما أسميه ” بالتفكيك “…تفكيك العلاقات الثابتة في بنية ما بهدف تحويلها إلى لا بنية، إلى مجرد تحولات، وهذا يندرج تحته تحويل الثابت إلى متغير، والمطلق إلى نسبي، واللاتاريخي إلى تاريخي، واللازمني إلى زمني…« . فهل هذا المنهج يصلح لمن يسعى إلى النقد والتجديد، أم أن النقد والتجديد مجرد دعاوى، والحقيقة هي النقض والهدم، وإنهاء المشروع الإسلامي لتحل محله الحداثة الغربية؟ يجيب الجابري بصراحة ووضوح لا مجال معهما للاحتمال »إن الإبداع، بمعنى التجديد الأصيل، لا يتم إلا على أنقاض قديم وقع احتواؤه وتمثله وتجاوزه بأدوات فكرية معاصرة… « . وهذا النص واضح في أن الأمر ليس نقدا ولا اجتهادا بل هو نقض لتاريخ ثقافي بأكمله، ليحل محله واقع ثقافي جديد لا علاقة له بالأمة الإسلامية في الماضي أو الحاضر، أما الماضي، فإن الجابري وأمثاله يسعون لتحويله إلى أنقاض، وأما الحاضر فإن الأمة مغيبة عنه تماما، فالكلمة في الحاضر هي لمن يملك القوة المادية والاقتصادية والسياسية والمعرفية، وقد صرح الجابري بذلك وهو يتحدث عن الأدوات الفكرية المعاصرة » التي دعا إلى اتخاذها واستخدامها لتجاوز كل تراث الإسلام..بل أعلن الرجل…أن الآليات الغربية هي سبيله لتحويل تراثنا الإسلامي إلى ” أنقاض “وإلى تجاوز هذه ” الأنقاض ” كلها على نحو عميق !.. « . فقد جاء في كتابه ” الخطاب العربي المعاصر ما يلي: »سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو ” قراءات ” مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى ” كانت ” أو ” فرويد ” أو  ” باشلار ” أو ” التوسير ” أو ” فوكو”، بالإضافة إلى عدد من المقولات الماركسية، التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها« .

المزيد من المشاركات
1 من 45

 والمضحك المبكي هنا هو أن يصور الجابري هذا العبث والهدم والتخريب الذي يقوم به في حق التراث على أنه :  » المعنى الحقيقي والعميق ” للاجتهاد ” كما مارسه كبار علماء الإسلام « . وهذا كلام فيه تجاوز كبير في حق العلماء الكبار وفهمهم وممارستهم للاجتهاد، ومع ذلك فهو ليس الأول ولن يكون الأخير، فقد تجاوز الجابري في حق أبي حنيفة رحمه الله تعالى عندما وأصحابه عندما قال عنهم: »مع أبي حنيفة، ومع أهل ” الرأي ” عامة، كان المشرع هو العقل، لقد كان أبو حنيفة كالمعتزلة في العقيدة، أما مع الشافعي فلقد كان العقل هو المشرع له « . والجابري نفسه يقر بهذا التجاوز عندما ينقض كلامه السابق بكلام لاحق في قوله : »فليست العبادات في أي دين في متناول العقل. وما يميز العبادات أنها من المنقول لا من المعقول. فإذا آمن الإنسان بالنبوة أخذ منها العبادات بعقل مستقيل، كما قال الغزالي « .  فالإجماع حاصل بين علماء الإسلام أن المشرع هو الله عز وجل مصداقا لقوله تعالى: » أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالاَمْرُ«  وقوله جل وعلا: » اِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبـُدُوا إِلآَّ إِيـَّاهُ ذَالِكَ الدِّينُ الْقَيـِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ «  كما أن الاجتهاد عند علماء الإسلام هو :  » استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم « . فالاجتهاد هو عمل عقلي في فهم النصوص الشرعية وتحقيق مناطها وقياس ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص بشروطه المذكورة وقواعده المعلومة. وبهذا يتضح أنه ما كان لعلماء الإسلام أن يعتبروا القول على الله بغير علم اجتهادا بأي حال من الأحوال، وما قاله الجابري قد ينطبق على معنى الاجتهاد عند  ” كانت ” أو ” فرويد ” أو ” باشلار ” أو ” التوسير ” أو ” فوكو ” أما نسبته إلى علماء الإسلام فهو كلام لا يليق بالجابري نفسه وهو من هو في الغوص في التراث، والتنقيب فيه. 

-2-

فكر الجابري خليط من الماركسية والليبرالية والعلمانية والقومية وغيرها من الإيديولوجيات البشرية التي شاعت في القرن الماضي، وبذلك فهو لا يرى في الإسلام –  في أحسن الأحوال – إلا مقوما من مقومات القومية العربية، فالإسلام هو الجزء، والقومية العربية هي الكل، وقد صرح بذلك في » ” الندوة ” التي عقدها ” مركز دراسات الوحدة العربية ” حول ” الحوار القومي الديني ” – بمدينة القاهرة في 25 – 27 1989 م«  . وقد رد الدكتور محمد عمارة على الجابري في هذه المسألة وبين أن هذه المقولة كان يرددها ميشيل عفلق في بدايات مشروعه القومي، ثم حدث تطور في فكر عفلق »وبعد أن كان يقول : ” القومية أولا ” أعلن في السنوات الأخيرة من حياته : ” أن الإسلام أولا ” «  . وبقي الجابري جامدا على موقفه.

هذه المواقف التي يتبناها الجابري جعلت من مشروعه الفكري بديلا عن المشروع الإسلامي عند القوميين، يخفف عنهم عبأ الهزائم النفسية التي سببتها لهم النكسات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تعرضوا لها وما زالوا،  » ومضت الأيام..وكان ” مركز دراسات الوحدة العربية “، وقطاعات من التيار العربي بالمشرق – والعلمانيون منهم على وجه الخصوص – يعانون من آثار هزيمة المشروع الناصري في 1967م..ويحاولون التعويض عن هذا التراجع بتبني المشروع الفكري للجابري، كبديل للمشروع الإسلامي الذي تصاعدت به الصحوة الإسلامية منذ سبعينيات القرن العشرين..الأمر الذي جمع حول مشروع الجابري خليطا من القوميين..والعلمانيين.. واللبراليين..بل وشريحة من اللادينيين..يحاول كل فريق من هؤلاء جر فكر الجابري إلى رصيده، وتفسيره على النحو الذي يزكي نهجه وغايته !..« .

 وهكذا نرى أن ضعف الرابط الديني بانسلاخ بعض الناس عن الدين، واجتماع رابط العرق واللغة استطاعا شن حرب على الدين، وأصبحا خطرا عليه »وهذا بالضبط ما يحدث في بلاد العروبة، إذ نرى زعمائها، وفي مقدمتهم النصارى العرب الذين يريدونها قومية ناطقة بلغة الضاد لا بلغة القرآن، ينشدون أمجاد اللغة العربية، ويتيهون هياما بها ويرفعونها مكانا ساميا. إنها نوع وثنية، حيث تستحيل اللغة هي الروح، هي الأصل والفصل، هي الحاضر والمستقبل، هي التاريخ والحقيقة، هي الكل « . فالولاء المطلق عند القوميين للغة، وعندئذ يصبح الإسلام والقرآن مجرد مقوم من مقومات القومية العربية، يقولون ذلك تقية واتقاء لشر من يرى أن الإسلام هو الكل، وأن القرآن الكريم هو الفيصل، وما اللغة العربية إلا جزء ماهيته، كما يعبر بذلك علماء الأصول، فاللغة العربية جزء لا يتجزء من الدين، إذ هي حاملته وحاضنته، كما أن العجمة هي أخطر ما يمكن أن يهدد الدين. ورغم خطورة عجمة اللسان، إلا أن عجمة القلب أشد خطرا، لأنها تحول بين المرء وبين الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم – ولو كان صاحبها ذا لسان عربي فصيح – ولذلك حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 فاللغة رغم أهميتها ورغم أن تعلمها فرض كفائي تأثم الأمة إن هي ضيعته تبقى مجرد جزء لا يتجزء من الدين، وحتى الحضارة العربية والماضي العربي التليد الذي يفاخر به العروبيون إنما جاء نتاج دعوة القرآن والفتح الإسلامي، بدليل أن العرب قبل الإسلام كانوا مشردين في الصحراء، تتجاذبهم سلطتان كبيرتان هما : الروم والفرس، ولم يقم للعرب قائمة إلا بعد أن دخلوا في دين الله أفواجا، وقد عبر عن ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وهو بين يدي ملك أصبهان ذي الجناحين بقوله : » إنا معشر العرب كنا أذلة يطأونا ولا نطأهم ، ونأكل الكلاب والجيفة وأن الله ابتعث منا نبيا في شرف منا ، أوسطنا حسبا وأصدقنا حديثا «  . ولكننا نعيش في زمان قلب الحقائق وخلط المفاهيم، بسبب العجمة التي غشية القلوب. والله المستعان !!!. 

-3-

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

لا أحد أعرف بالإنسان من نفسه، ولذلك فأصدق ما قاله الجابري في حق نفسه هي هذه الكلمة التي وصف بها مسيرته الثقافية بقوله : »ونحن الذين استفدنا من مسيرتنا الثقافية الطويلة أمرا واحدا فقط، هو أننا كلما قطعنا خطوة إلى الأمام في هذه المسيرة اكتشفنا مدى عمق مجال جهلنا واتساعه ! « . ولعل هذا الجهل الواسع هو الذي جعل الجابري لا يرى فرقا بين الفرق الإسلامية، ويجعلها كلها في سلة واحدة، بل ويميل إلى ترجيح آراء انقرضت بانقراض أصحابها. فلا معنى عند الجابري »لتصنيف الإسلام إلى صنفين : ” إسلام السنة ” و ” إسلام الشيعة “…فالإسلام واحد عقيدة وشريعة وتاريخا «  نعم الإسلام واحد والحق غير متعدد ولكن الفرق الإسلامية تعددت وتنازعت وتفاوتت درجات اقترابها من الحق، بل منها من خرج أو كاد من دائرة الصواب وأصبح إلى الضلال أقرب، وهذا ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل حذو النعل بالنعل ، حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي مثله ، إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة ” فقيل له : ما الواحدة ؟ قال : ” ما أنا عليه اليوم وأصحابي ” “. ولا يسوي بين حق واضح وباطل فاضح إلا قاصر في الفهم والإدراك، ولا إخال الجابري إلا واسع الاطلاع فكيف وقع فيما وقع فيه !!!. ولعل هذه التسوية بين الفرق “الإسلامي” من الأمور التي جعلت الجابري كثير الاضطراب والتخبط في الفهم والتفهيم، حيث تجده يقول الشيء ونقيضه دون إدراك للفوارق الهائلة التي قد تصل إلى درجة التناقض التام بين الفرق “الإسلامية”، تاريخا وشريعة وعقيدة، مما أدى بها في كثير من الأحيان إلى أن يكفر بعضها بعضا.

-4-

يرى الجابري في مقدمة كتابه ” تكوين العقل العربي ” أن نقد العقل العربي » كان يجب أن ينطلق القول فيه منذ مائة سنة « . أي قبل انطلاق ” النهضة العربية ” ! لأن » نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة. ولكن نهضتنا العربية الحديثة جرت فيها الأمور على غير هذا المجرى، ولعل ذلك من أهم عوامل تعثرها المستمر إلى الآن« . لقد أغفل العرب وما ينبغي لهم – في نظر الجابري – أن يغفلوا أمرا من الأهمية بمكان ألا وهو نقد الآلة التي بها يفكرون، فانتهى بهم الأمر إلى »عكس ما كان يجب أن يكون، والنتيجة هي أننا في عملنا هذا لا نعاني فقط من غياب محاولات رائدة وأخرى متابعة ومدققة، بل نعاني، وبدرجة أكثر، من آثار هذا الغياب وانعكاساته على الموضوع ذاته « . وهكذا نهض الجابري للقيام بهذه المهمة التي ” تنوء بحملها الجبال”، ألا وهي نقد العقل العربي : أي الآلة التي بها يفكرون وينظرون. إلا »أن نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين : أحدهما، التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة التجزيئية، والثاني، التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي في الآليات « . فرغم أن الجابري ينتقد المستشرقين ومن سلك مسلكهم عندما يتعرضون لتجزيء التراث ثم نقد كل جزء على حدة بعيدا عن النظرة الشمولية الضرورية لنقد التراث نقدا بناء وإيجابيا، إلا أنه في النهاية يقع فيما يحذر منه. كما أنه يرى أن النقد لا ينبغي أن ينصب على الأفكار ذاتها، بل على الأداة المنتجة للأفكار وهي مجموع المفاهيم والمبادئ والقواعد التي تؤسس هذا الفكر، رغم »أن التداخل الصميمي بين الفكر كأداة والفكر كمحتوى واقعة لا جدال فيها. «  ولعل هذا مما يصعب انصباب النقد على الأداة المنتجة للأفكار دون نقد المضمون بل قد يصبح النقد منصبا على المضمون دون الأداة.

يزعم الجابري أن » هناك إجماعا، ضمنيا على الأقل، بأن الثقافة العربية بدأت في التكون في نقطة ما داخل ذلك العصر « . وهو يقصد بذلك العصر الجاهلي. ثم يطرح سؤالا حول ماذا بقي ثابتا في الثقافة العربية منذ ” الجاهلية ” إلى اليوم ؟.

وبعد تقييم الجابري لهذا السؤال يصرح بأنه هو نفسه قد يصبح جوابا، يقول الجابري : »قد يبدو هذا السؤال وجيها وبريئا. غير أنه في الحقيقة سؤال ” ماكر ” ، مضلل، خصوصا وقد ينقلب هو نفسه إلى جواب إذا ما قرئ بصيغة الاستفهام الإنكاري. «  هكذا يرى الجابري أن هذا السؤال منوم ومضلل، لماذا ؟ فقط لأنه لا يستفز القارئ العربي بالشكل المطلوب، ولا يزعزع القناعات المترسخة لدى القارئ العربي المسلم، الذي يعتقد أن الإسلام غير الثقافة العربية بل والمجتمع العربي تغييرا جذريا، وأخرجهم بدعوته من الظلمات إلى النور، بل هناك أكثر من ذلك وهو أن هذا السؤال »يخفي ويكتم سؤالا آخر معاكسا، أكثر صراحة وأعمق تعبيرا، وبالتالي أقدر على زعزعة التصور السائد. هذا السؤال ” المقموع ” هو : ماذا تغير في الثقافة العربية منذ ” الجاهلية ” إلى اليوم ؟ « .

 بعد طرح السؤال بالصيغة الأخيرة يشعر الجابري أنه حقق مراده، وقام فعلا بزعزعة القناعات السائدة عند الناس، وبالتالي فهو لم يعد يشك في أن القارئ العربي »الذي يحمل عقلا تكون في الثقافة ومن خلالها وحدها – قد اهتز وانفعل مع هذا السؤال الثاني بصورة لم تحدث مع السؤال الأول. «  لماذا تدرج الجابري بالقارئ في طرح السؤال الثاني – تدرجا ماكرا – رغم أنه المقصود بالذات ؟ لماذا لم يطرح السؤال الثاني مباشرة ؟ لأن »السؤال الأول سؤال مسالم، بل ” منوم “، والسؤال الثاني سؤال مستفز تمتد آثاره، بعيدا، في ” أحشائنا” الفكرية، ولذلك فهو أكثر التصاقا بموضوعه، أكثر مسائلة له. «  يعود الجابري لطرح السؤال الثاني مرة أخرى على رأس فقرة جديدة موطأ به لجواب صادم، فالجابري يرى أن السؤال الثاني أيضا يمكن قراءته بصيغة الاستفهام الإنكاري، وسيكون له من المشروعية أكثر مما للسؤال الأول، وهكذا يخلص الجابري إلى أن شيئا لم يتغير في الثقافة العربية منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، و »آية ذلك أننا نشعر جميعا بأن امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وعنترة ولبيد والنابغة وزهير بن أبي سلمى…وابن عباس وعلي بن أبي طالب ومالك وسيبويه والشافعي وابن حنبل…والجاحظ والمبرد والأصمعي…والأشعري والغزالي والجنيد وابن تيمية…ومن قبله الطبري والمسعودي وابن الأثير…والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون…ومن بعد هؤلاء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والعقاد والقائمة طويلة…نشعر بهؤلاء جميعا يعيشون معنا هنا، أو يقفون هناك أمامنا على خشبة  مسرح واحد، مسرح الثقافة العربية الذي لم يسدل الستار فيه بعد، ولو مرة واحدة. «  ويجعل الجابري ادعاءه هذا ملزما بالقوة لكل مثقف عربي عندما يقول : »ولا يمكن أن يعترض على هذا ” الادعاء ” إلا من يشعر شعورا صادقا وجازما، عندما يقرأ أحد هؤلاء، أنه لا يفهمه، لا يتجاوب معه، لا يستمع إليه، لا يستسيغ خطابه ومنطقه، أو على الأقل يشعر أنه من عالم غير عالمه. «  وأنى لمثقف عربي أن يشعر بهذا الشعور أو يرفض هذا الادعاء »كيف يمكن ذلك ونحن جميعا أبناء الثقافة العربية نتعلم القراءة، والفهم، والاستماع، والخطاب، والمنطق منذ طفولتنا، ومن خلال جميع مراحل دراستنا من ” أبطال ” هذه الثقافة الذين ذكرنا بعضهم.. « . وواضح هنا أن الجابري يخلط هنا بين الآلة والمضمون الثقافي، فاللغة العربية باعتبارها آلة ثقافية لم تتغير، والقرآن الكريم هو الذي حافظ عليها، والعرب ما حفظوا وحافظوا على الشعر الجاهلي إلا لأنه ديوان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وحوار ابن عباس مع نافع بن الأزرق شاهد على ذلك، وبالتالي فمن الطبيعي أن كل هؤلاء الذين ذكرهم الجابري والذين لم يذكرهم تحدثوا بلسان عربي مبين ولكن بمضامين مختلفة جدا، فلا يمكن أن نسوي بين غزل امرئ القيس ومجونه وبين علم ابن عباس وتقواه » أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ « . وبالتالي فهناك قطيعة ابستمولوجيةحقيقية بين المضمون الثقافي الجاهلي وبين المضمون الثقافي الإسلامي، ولكن الجابري يغمض عينيه عنها، بينما يدعو إلى إحداث قطيعة ابستمولوجية في الثقافة العربية الإسلامية تتناسب مع أهداف الحداثة العصرية المشبوهة.

الجابري وفي امتداد واضح لموجة التشكيك في صحة الشعر الجاهلي ولكن بشكل مخفف، يرى أن كون »عرب الجزيرة يتوفرون على ثقافة معينة وبنية عقلية خاصة، تنتمي إلى هذه الثقافة، فهذا ما لا يمكن الشك فيه إلا إذا أمكن الشك في وجودهم المادي نفسه. «  فالجابري لا يشك في وجود ثقافة وبنية عقلية خاصة بالعرب قبل الإسلام »أما أن تكون الصورة التي لدينا نحن اليوم عن العصر الجاهلي…نسخة طبق الأصل للواقع الثقافي الفكري الذي عاشه عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام، فهذا ما لا بد لنا من مناقشته ووضعه موضع السؤال. «  فالشك حقيقي وواقع في ثبوت الشعر الجاهلي، والريبة فيه موجودة، و »ذلك لأنه بإمكان ” الوضاع ” أن يضعوا فعلا بعض الأشعار وينسبوها إلى من تقدمهم« . وموقف الجابري هذا أخطر من موقف مرجليوث وطه حسين ومن ذهب مذهبهما، لأنه من الناحية النظرية يبدو مقبولا، ولكنه من الناحية العلمية يجعل التفريق بين الشعر الجاهلي الأصيل والمنحول شبه مستحيل، مما يؤدي إلى الشك في نسبت الشعر الجاهلي كله إلى زمانه، وإلى أصاحبه، وهو المقصود بالذات، وهكذا يحقق الجابري آمال المستشرقين وبأقل الخسائر.

بعد هذا الذي سبق نجد الجابري وقد خطى خطوة أخرى عندما ذهب إلى أن الدولة العباسية سعت إلى إعادة بناء الماضي الجاهلي بشكل يخدم حاضر الدولة ومستقبلها، ف »” التدوين” هنا ليس مجرد التسجيل والتقييد…بل يجب أن نفهم منه : إعادة البناء الثقافي العام، بكل ما تنطوي عليه هذه العملية من حذف وزيادة وإبراز وإخفاء وتلوين وتأويل…بفعل عوامل إيديولوجية أو سوسيو ثقافية مختلفة. «  هكذا يسيئ الجابري إلى نفسه عندما يحول علماء الإسلام إلى مجموعة من الوضاعين، والملفقين، والمتواطئين، وكأنه يتحدث عن مجموعة من قطاع الطرق، وليس عن علماء أعلام، تميزوا بالورع والتقوى، وبلغوا أقصى درجات الضبط والإنصاف – وهذا ليس ادعاء بل التراث نفسه يشهد لهم بذلك – ثم يحتج لهذه التهم التي يلقي بها جزافا بقوله : »كيف لا والماضي لا يهاجم من أجل ذاته بل من أجل الحاضر والمستقبل. لقد أدرك الخلفاء العباسيون هذه الحقيقة وعملوا على ضوئها وبوحي منها : إنه البناء الثقافي الشامل الذي أصبح يطرح نفسه كضرورة تاريخية « 

لقد حرص الجابري على أن  يحمل عصر التدوين كل الخطايا السابقة واللاحقة، لأن »عصر التدوين هو الإطار المرجعي الحق للعقل العربي وليس العصر الجاهلي ولا العصر الإسلامي الأول ولا ما قبلهما. دليل ذلك أن ما نعرفه عن ما قبل عصر التدوين إنما تم بناؤه في هذا العصر نفسه، كما أن ما جاء بعده لا يفهم إلا بربطه به نوعا من الربط.«  ولا يكتفي الجابري هنا باتهام الدولة العباسية بإعادة بناء الماضي بناء خادما للدولة وبالتالي غير ملتزم بسرد الحقائق التاريخية كما هي دون زيادة أو نقصان، بل يوجه اتهاما مباشرا لكل من ساهم في تدوين العلم من علماء الإسلام بالتآمر مع الدولة لطمس الحقائق التاريخية خدمة للدولة العباسية، »ويكفي دليلا على ذلك حرص الدول في مختلف العصور على توظيف مؤرخين رسميين لكتابة تاريخها. ومجتمعنا العربي الإسلامي لم يشذ، ولا يشذ عن ذلك. فمعظم المؤرخين كانوا موظفين أو أعضاء في حاشية الدولة. وكثير منهم كان يشعر أنه لا يكتب التاريخ كما هو…وبطبيعة الحال لم يكن جميع المؤرخين يكذبون على الناس بهذا الشكل بل لعل أكثرهم كان يعتقد أنه يكتب ” الحقيقة ” وهو في ذلك مؤطر بإيديولوجية معينة إيديولوجية الطبقة الحاكمة التي يعتقد – صادقا مع نفسه – أنها تمثل وجهة النظر ” الحقيقية ” « . فالعلماء منهم ” الكذاب ” الصريح الذي يعي بأنه كذاب ويصر على ذلك، ومنهم ” الكذاب ” الجاهل الذي لا يعي أنه كذاب، والغريب أن الجابري يلقي بهذا الكلام الثقيل، والتهم الباطلة، بكلام مرسل، دون تمحيص أو برهان، إلا الزعم والادعاء المفتقر للدليل المادي.

 وهنا أريد الوقوف على تهمة أخرى وجهها الجابري لشخص بعينه، فبعد نقل الجابري لنص من كلام الإمام الذهبي يتحدث فيه عن زمن تدوين العلم من حديث وفقه وتفسير، يتهمه بأنه سكت عن تدوين العلم وتبويبه لدى الشيعة، ويزعم أن سكوت الذهبي عن تدوين العلم وتبويبه لدى الشيعة »ليس سكوتا صادرا عن  سهو أو عن دافع شخصي بل هو في الحقيقة سكوت من جانب السلطة المرجعية… « . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إذا كان الذهبي يحدد تاريخ تدوين العلم في ثلاث وأربعين ومائة فهل كان في هذا التاريخ علماء شيعة؟ وإذا كانوا فعلا فهل دونوا في هذا التاريخ شيئا يذكر من العلم ؟. يزعم الجابري »أن جعفر الصادق الإمام الشيعي الأكبر قد توفي سنة 148 ه وأنه تم في عهده وبإشرافه تدوين الحديث والفقه والتفسير من وجهة نظر الشيعة، وبعبارة أخرى تم في عهده وبإشرافه تنظيم الفكر الشيعي وصياغة قضاياه الأساسية صياغة نظرية « .  وهذا  ادعاء محض لا أساس له من الصحة، نقله الجابري عن علماء الشيعة دون تمحيص، فقد نقل الجابري عن حسن الصدر قوله : »إن الشيعة أول من تقدم في جمع الآثار والأخبار في عصر خلفاء النبي المختار عليه وعليهم الصلاة والسلام، فاقتدوا بإمامهم ) علي ( أمير المؤمنين « .  ويذكر الجابري نقلا عن حسن الصدر أئمة الشيعة الأوائل الذين بدؤوا بالتصنيف، ومنهم أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي، والحقيقة أن هؤلاء جميعا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو وجد علم ينسب إليهم لضرب لأجله علماء السنة أكباد الإبل، أما جعفر الصادق فهو بريء مما أحدثه الشيعة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وبالرجوع إلى كتبهم تجد رواياتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الإمام علي، والحسن، والحسين، أقل مما رواه أهل السنة بكثير، وأعظم مروياتهم عن جعفر الصادق رضي الله عنه، ولكنها تفتقر إلى منهج المحدثين الصارم في الجرح والتعديل، وكثير منها ظاهر البطلان، إذ كيف يثق عاقل فيما يرويه الشيعة وهم في غالبيتهم يستحلون الكذب، أما من لم يكن منهم يستحل الكذب فقد روى له المحدثون من أهل السنة. وبهذا يتضح لنا أن الذي أشرف على تنظيم الفكر الشيعي وصياغة قضاياه الأساسية صياغة نظرية لم يكن جعفر الصادق، بالقطع، كما أن ذلك لم يحدث في زمانه، وإنما حدث بعده بعقود، والفاعل الأول يكاد يكون مجهولا.

الجابري وهو ينتقد العقل العربي ويوجه سهام الطعن لعصر التدوين باعتباره الإطار المرجعي للفكر العربي يقع في تناقضات كبيرة، تجعل مشروعه الفكري محل نظر وشك، فمرة يزعم أن تدوين العلم »الذي تم في وقت واحد وفي أمصار متباعدة  لا يمكن أن يحدث هكذا تلقائيا وبمجرد المصادفة. إنه لا بد أن تكون الدولة وراء هذه الحركة العلمية الواسعة التي كانت تستهدف ” ترسيم الدين “، إذا صح التعبير ” أي جعله جزءا من الدولة وفي خدمتها “… « . وبعد هذا الكلام بصفحات يعود الجابري إلى الموضوع مرة أخرى ليناقض نفسه بقوله : »ولا يمكن للمرء إلا أن يزداد إعجابا وتقديرا لهذا العمل العظيم حينما يأخذ بعين الاعتبار المدة الوجيزة التي تم فيها إنجازه والمجهودات الجبارة التي بذلها طواعية وبدون أجر رجال ندبوا أنفسهم وصرفوا من أموالهم ولسنين طويلة لإنجاز هذه المهمة الشاقة التي لم يكونوا بالتأكيد يطلبون من ورائها أي مكسب. «   

يمكن لمعترض أن يزعم أن بين نصي الجابري فرق واضح، فالأول يتحدث عن تدوين الحديث، والفقه، والتفسير، والثاني جاء في سياق الحديث عن اللغة العربية، ويمكن الرد على هذا الزعم بأن الجابري يرى أن النقد لا يمكن أن يكون جزئيا، بل يجب أن يكون شموليا، باعتبار العلماء قديما كانوا موسوعيين، فتجد الواحد منهم فقيها في اللغة، عالما بالتفسير، محدثا، وفقيها…. 

وأختم الحديث عن كتاب ” تكوين العقل ” بذكر بعض ما أورده الجابري عن اللغة العربية، فهو يرى »أن أول عمل علمي منظم مارسه العقل العربي هو جمع اللغة العربية ووضع قواعد لها. «  كما أن اللغة »تساهم مساهمة أساسية في تحديد نظرة الإنسان إلى الكون وتصوره له ككل وكأجزاء…إن المتكلمين باللغة العربية اليوم وقبل اليوم سواء سكنوا المناطق الحارة أو المناطق المعتدلة ظلوا وما زالوا سجناء العالم الفقير جدا الذي تقدمه اللغة العربية لهم عن عالم الثلج. وهو عالم لا يقل فقرا عن العالم الذي تقدمه نفس اللغة عن عالم الأسماك بالقياس إلى اللغات الأوروبية مثلا. «  فاللغات العالمية تتطور وإن بشكل بطيء بينما »اللغة العربية ربما كانت اللغة الحية الوحيدة في العالم التي ظلت هي هي في كلماتها ونحوها وتراكيبها منذ أربعة عشر قرنا على الأقل…إن قاموس ” لسان العرب “، وهو أضخم وأغنى قاموس في اللغة العربية، لا ينقل إلينا، على ضخامة حجمه أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية ولا المفاهيم النظرية وأنواع المصطلحات التي عرفها عصره ، القرن السابع والثامن للهجرة…ذلك أن الثمانين ألف مادة لغوية التي يضمها هذا القاموس الضخم، الذي نعتز به، لا تخرج عن دائرة حياة ذلك ” الأعرابي الذي كان بطل عصر التدوين، حياة ” خشونة البداوة ” بتعبير ابن خلدون…لقد جمدت اللغة العربية بعدما حنطت… « .

كما أن اللغة العربية حسب الجابري تعاني من فائض في الألفاظ، والمعاني، مما يجعل »كثيرا من الكلمات الواردة في هذا ” الكتاب المبين ” لا نجد لها معاني مضبوطة في هذه اللغة التي جمعت من الأعراب فظلت ومازالت محل خلاف متواصل، وسيبقى الأمر كذلك، إذ كيف يمكن الفصل فيه واللغة الماورائية عاجزة عن استيفاء الحديث عنه ؟. «  هذه اللغة، لغة الأعرابي الماورائية الجامدة والمحنطة والعاجزة عن التجاوب مع متطلبات العصر، حسب زعم الجابري، رغم نزول القرآن بها، وتحضر العرب، وخروجهم من دائرة الأعرابية. ف »هل نزل القرآن بلغة العرب ليبقى مضمونه سجين العالم الذي تحمله هذه اللغة معها : عالم الأعرابي، أم أنه بالعكس من ذلك نزل بلغة العرب ليتجاوز بهم عالم جاهليتهم إلى عالم آخر، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ” ؟. «  

نعم لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكذلك كان، ولم ينزل لتغيير لغتهم، بل للحفاظ عليها لأنها جزء ماهيته، ولو تغيرت اللغة ودلالاتها لأدى ذلك إلى فساد كبير، ولضاع فهم الناس للدين. 

نعم لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين لأن الله تعالى اختار اللغة العربية بما جعل فيها من خصائص لا توجد في غيرها، ومن هذه الخصائص والمميزات بقاء هذه اللغة منذ أربعة عشر قرنا دون تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان، لأنها تحمل كلام الله تعالى الخالد الذي يحمله كل جيل إلى الجيل الذي بعده نقيا صافيا من كل الشوائب.

 ويمضي الجابري بعيدا في التحليل، فمن التنويه بالجهود الجبارة التي بذلها العلماء – وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي – والمنهج الصارم الذي اعتمدوه في جمع اللغة وفق عمل علمي وصرامة منطقية وعقلية رياضية راقية »وذلك ما نوهنا به من قبل وما سيبقى جديرا بالتنويه في كل زمان ما دام العقل البشري يعمل وفق قواعد. «  إلى الاتهام ب “الوضع ”  والتلفيق، لأنه »من المستحيل، وضع خط فاصل ونهائي بين ما نطقت به العرب وما لم تنطق به، خصوصا في جو ساد فيه الولع بالغريب..لقد كان من الطبيعي ، والحالة هذه، أن يتحكم ” القياس ” بدل السماع : فالكلمات صحيحة لأنها ممكنة وليس لأنها واقعية…الواقع أن طريقة الخليل لم تكن إلا مظهرا واحدا من مظاهر الصنعة والاصطناع التي تعرضت لها اللغة العربية في عصر التدوين…لقد أدى التهافت على الأعراب والاعتماد عليهم كل الاعتماد في ضبط اللغة وتقعيدها أن أصبح العلماء يعتبرونهم معصومين من الخطأ اللغوي، ليس بسبب إيمانهم بذلك، بل من أجل أن لا ينسحب الخطأ إلى القواعد التي شيدوها انطلاقا من نطقهم وكلامهم. «  

فكل التراث عند الجابري خضع للزيادة والنقصان والحذف، لغة، وحديثا، بل القرآن نفسه تعرض لكل ذلك، فماذا تبقى من التراث ؟. وهل التشكيك في كل شيء يمكن أن يعتبر عملية نقدية، تروم الدفع بالعرب إلى مصاف الأمم المتقدمة ؟. أم أن الغرض هو انتزاع هذه الأمة من جذورها، وغرسها في بيئة جديدة، هي بيئة الثقافة الغربية ؟. 

-5-

في كتابه بنية العقل العربي حاول الجابري تفصيل ما أجمله في القسم الثاني من كتابه تكوين العقل العربي. ففي كتابه الأول قسم مكونات العقل العربي إلى »ثلاثة نظم معرفية يؤسس كل منها آلية خاصة في إنتاج المعرفة مع ما يرتبط بها من مفاهيم وينتج عنها من رؤى خاصة كذلك. «  

أما في كتابه الثاني فقد انتقل الجابري إلى خطوة أخرى  هي »تحليل هذه النظم الثلاثة ) البيان والعرفان والبرهان ( وفحص آلياتها ومفاهيمها ورؤاها وعلاقة بعضها ببعض مما يشكل البنية الداخلية للعقل العربي كما تكون في عصر التدوين وكما استمر إلى اليوم.«  وهنا نلاحظ أن الجابري جزم بأن الثقافة العربية تتشكل من ثلاثة نظم معرفية مختلفة، ثم انطلق بعد ذلك يحلل هذه النظم الثلاثة كلا على حدة، لينتهي به الأمر وكالعادة إلى إثبات مجموعة من الأعطاب في كل هذه النظم الثلاث ولكن مع تفاوت كبير فيما بينها »فما ينتمي إلى الغرب يمثل مبدأ المعقولية في أعلى أشكاله :البرهان. أما ما ينتمي إلى الشرق فنصيبه من مبدأ المعقولية مخفوض إلى مرتبة البيان، هذا إن لم يرتد أكثر تدنيا، هي مرتبة العرفان.« .

هكذا حول الجابري كل العلوم الشرعية من عقيدة، وفقه، وتفسير، وحديث، إلى مجرد نظام ثقافي بياني لا يعتمد حجة أو برهان »فلقد أخذ المتكلمون، بل البيانيون جميعا، من:”والعرب تقول… “، أعني من السلطة المرجعية الأولى التي اعتمدوها. سلطة اللغة / الثقافة العربية في الجاهلية، هذه المبادئ الثلاثة ) الانفصال ،  التجويز ، المقاربة (. أخذوها بدون وعي، بل استضمروها بصورة لا واعية…وبطبيعة الحال، ما كان لهم ليتأتى لهم ذلك لولا أن النصوص الدينية وعلى رأسها القرآن تسمح بذلك. «  

فالجابري لا يرى ضرورة في التقيد بدلالة الألفاظ، وينزعج كثيرا عندما يرى العلماء يسرفون في  التقيد بدلالات الألفاظ مهملين المقاصد والمعاني »وقد تجلى هذا واضحا في مناقشات المتكلمين لمسألة الإعجاز في القرآن حيث جرهم الانشغال باللفظ والنظم في النص القرآني انشغالا جعلهم يهملون أو يغفلون المقاصد والأهداف، فسقطوا فيما سقط فيه الفقهاء: لقد وجهوا الاهتمام، من حيث لم يقصدوا، إلى الألفاظ ونظمها، على حساب الاهتمام بالمعاني وبعديها الخلقي والاجتماعي، فأصبح القرآن ألفاظا ونغما وتوارت إلى الظل معانيه ومقاصده.«  وهذا النص وحده يشكف كما كبيرا من الضبابية وسوء الفهم، وسيزداد الأمر وضوحا عندما نجد الجابري يناقض قوله السابق بقوله : »ولعل أكثر ما أبهر قريشا في الخطاب القرآني حتى عجزوا فعلا عن معارضته والإتيان بمثله هو خطابه عن الجنة والنار.وهذا قد يكون راجعا في جزء منه إلى أن قريشا لم تكن تؤمن بالبعث والحياة الأخرى، وبالتالي استحال عليها إنتاج خطاب في موضوع لم تكن تؤمن بوجوده هذا ممكن ! « . فهل اشتغل العلماء بالألفاظ أكثر من اشتغالهم بالمعنى كما قال الجابري في قوله الأول أم اشتغلوا بالمعاني والمقاصد عن النظم كما يشير إلى ذلك في قوله الثاني في مسألة إعجاز القرآن بالتحديد ؟.

ومما يثير الاستغرب أن الجابري هنا ينتقد فهم علماء الإسلام لمسألة الإعجاز في القرآن الكريم، بينما يتبنى بوضوح مواقف بعض المستشرقين، لأن ما ورد في كلام الجابري آنفا هو نفسه الذي ذكره المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه تاريخ القرآن عندما قال : »لكننا إذا تفحصنا تحدي محمد عن كثب اكتشفنا أنه لم يتحد خصومه أن يأتوا بما يضاهي القرآن من ناحية شعرية أو خطابية، بل بما يضاهيه من حيث الجوهر. وهذا ما لم يكن في وسع أعدائه بطبيعة الحال …هل كان بإمكانهم جعل الآلهة تتكلم… « 

والحق أن العلماء اشتغلوا في مسألة الإعجاز باللفظ أكثر من المعنى لأن التحدي كان يتعلق بالنظم البياني بغض النظر عن المعنى، فليأتوا بأي المعاني شاءوا شريطة أن تصاغ صياغة بيانية تضاهي النظم القرآني، وهذا ما أكده الشيخ محمود شاكر في تقديمه لكتاب الظاهرة القرآنية عندما ذهب إلى أن الإعجاز في القرآن »إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان. «  

ولو كان الأمر كما يزعم الجابري ومن أخذ عنهم من المستشرقين من قبله لكان التحدي القرآني عبث وتكليف بما لا يطاق، وهو محال. وبالتالي فالعلماء عندما ركزوا في مسألة الإعجاز على اللفظ دون المعنى كان ذلك عن وعي تام بما يتطلبه المقام، لأنه من المعلوم عندهم أن لكل مقام مقال، ولذلك عندما كانوا في مقام الحديث عن المعاني والمقاصد كان إنتاجهم غزيرا ومبهرا مما يعني أن العلماء لم يقصٌروا أبدا في استخراج معاني القرآن ومقاصده من هداية الخلق وصلاح شأنهم في العاجل والآجل وعلى كل المستويات الخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، بل بذلوا في سبيل ذلك جهودا مشكورة مذكورة ومازالوا عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه.

دعاوى الجابري لم تتوقف عند هذا الحد بل تعدته حين اتهم الجابري القرآن الكريم بأنه اعتمد سحر البيان بديلا عن طريقة البرهان، فهو يزعم غياب المنطق البرهاني عن النص القرآني، وتعويض هذا النقص بسحر البيان، ف »النص القرآني الذي اعتمد ” سحر البيان ” وسيلة للإقناع وطريقة للبرهان. «  فهل خلا القرآن فعلا من الحجج العقلية والبراهين المنطقية في دعوته إلى التوحيد، بل وفي شريعته وآدابه. لقد جاءت دعوة القرآن الكريم إلى الناس كافة، العالم والجاهل على حد سواء، ولذلك »وجب أن يكون الشرع يشتمل على جميع أنحاء طرق التصديق وأنحاء طرق التصور. «  ورغم أن الجابري يقر بأن »الإنتاج الفكري أو المفكر في العادة لا ينتج إلا عبر مفكر آخر، فأنا لا يمكن أن أنتج شيئا بدون أن أتعامل مع ابن رشد، وابن خلدون أو الفارابي وغيرهم…لكن يحدث أحيانا أن المنتج للأفكار عبر مفكر آخر لا يكون قد استوعبه كل الاستيعاب. «  وبهذا يتضح لنا أن الجابري إما أنه يبحث في مواضيع دون أن يتعامل مع أصحابها الأصليين، أو أنه تعامل معهم دون أن يستوعب كلامهم لأن ثقافة الاستشراق تشوش عليه، وإلا فابن رشد مع ما له من مكانة وتقدير عند الجابري كان واضحا في »أنه لما كانت شريعتنا هذه الإلهية قد دعت الناس من هذه الطرق الثلاث عم التصديق بها كل إنسان إلا من يجحدها عنادا بلسانه. «  فالقرآن الكريم ليس كما يزعم الجابري أنه يعتمد على سحر البيان في الإقناع دون برهان. 

ورغم أن الجابري يستعمل في بعض المواطن التي تتعلق بالحجج القرآنية كلمة برهان كقوله: »نجد التذكير بالبرهان القرآني على وجود الله : دلائل في خلق السماوات والأرض، في خلق الإنسان وغيره من الكائنات الحية، وفي اختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح والأمطار وتهيئة الظروف للنبات والشجر… « . إلا أن هذا البرهان القرآني لا يرقى عند الجابري إلى مستوى البرهان العقلاني اليوناني الأصل، بل إنه وفي أحسن الأحوال مجرد برهان مماثلة، والمماثلة عند الجابري من أضعف أنواع الاحتجاج وقد صرح مرارا أن القرآن يعتمد المماثلة في البرهان كقوله : »وغالبا ما يستعمل القرآن المماثلة في البرهان عليها…« .

لقد ذهب الجابري بعيدا في تجريد النظام ” البياني ” العربي والخطاب القرآني معا من أي خطاب عقلاني منطقي، فهو مجرد بيان ودعوة للاعتبار وضرب للأمثال، ولا يقرر أي طريقة معينة في الاستدلال، فالقرآن حسب زعم الجابري »لا يقرر طريقة معينة في الاستدلال وإنما يدعوا إلى ” الاعتبار ” و” يضرب الأمثال للناس ” ليحرك خيالهم وعقولهم وينبهها إلى مسألة معينة. «  رغم أن الجابري نفسه وبعد صفحات من هذا الكلام يذكر أن الغزالي قد حصر »طرق الاستدلال في القرآن في ثلاثة تؤول كلها إلى القياس الأرسطي. هذه الطرق الاستدلالية يسميها ” موازين القرآن ” وهي : ” ميزان التعادل وميزان التلازم وميزان التعاند “. «  

رحم الله الغزالي وسائر علماء الإسلام الذين كانوا يعرفون ما به ينطقون، فلم يكونوا يتقولون في شيء بغير علم، ولا يتحدثون بالأهواء وهم يستحضرون قول الله جل وعلا: » وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً « . أما ما فعله الجابري فلن يعدو أن يكون قد زج بالبيان العربي »في ” أزمة أسس ” وأدخله في ليل الانحطاط الطويل. « .

أطلنا الحديث عن النظام المعرفي البياني لما له من تعلق بالقرآن الكريم الذي هو موضوع هذا البحث، أما العرفان فهو حسب زعم الجابري أسوأ نظام معرفي في الثقافة العربية لأن طريق العرفانيين »في الحصول على معارفهم، ليس الحس ولا العقل، بل ما يسمونه: ” الكشف “. وهم يقصدون بذلك أن معارفهم تلك تحصل لهم مباشرة، دون توسط، دون الاستدلال عليها بشيء، وأنها إنما تلقى في قلوبهم إلقاء عندما يرتفع الحجاب بينها وبين الحقيقة العليا، بالرياضات والمجاهدات. «  .

أما البرهان فهو عند الجابري أقوى نظام معرفي – أخذته الأمة العربية عن العقل اليوناني – ف »إذا كان البيان يتخذ من النص والإجماع والاجتهاد سلطات مرجعية أساسية ويهدف إلى تشييد تصور للعالم يخدم عقيدة دينية معطاة هي العقيدة الإسلامية أو بالأحرى نوعا من الفهم لها، وإذا كان العرفان يتخذ من الولاية، وبكيفية عامة من ” الكشف ” الطريق الوحيد للمعرفة ويهدف إلى الدخول في نوع ما من الوحدة مع الله، وهذا هو موضوع المعرفة عند أصحابه، فإن البرهان يعتمد قوى الإنسان المعرفية الطبيعية، من حس وتجربة ومحاكمة عقلية، وحدها دون غيرها، في اكتساب معرفة بالكون ككل وكأجزاء، لا بل لتشييد رؤية للعالم يكون فيها من التماسك والانسجام ما يلبي طموح العقل إلى إضفاء الوحدة والنظام على شتات الظواهر ويرضي نزوعه الملح الدائم إلى طلب اليقين. «  ويبدو الخلط هنا بين مجموعة من المعطيات والمفاهيم واضحا خصوصا فيما يتعلق بحديث الجابري عن البرهان العقلي وتقديمه عن البيان الشرعي رغم أنه من المسلم أن حدود إدراكات العقول محدودة جدا، وبالتالي فإن الوحي يبقى هو المرجع الأول والأخير في كثير من الأمور التي يقف العقل أمامها عاجزا، لأن العجز عن الإدراك أحيانا إدراك، كما أن الدخول في ذات الله إشراك.

 ورغم هذا المقام الرفيع الذي يضع فيه الجابري البرهان فإنه يقر أن »المنطق الصوري الأرسطي منطق ” عقيم ” إذا ما حاكمناه من المنظور المعاصر للمعرفة. «  فمن يضمن لنا أن المنظور المعاصر للمعرفة لا يصبح هو أيضا عقيما بعد برهة من الزمان؟. بينما أثبتت القرون المتطاولة – باعتراف الجابري نفسه – صحة الإسلام عقيدة وشريعة رغم تطاول أعداءه عليه في كل زمان ومكان، لأن » ” العقائد لا تموت بمجرد شن هجوم عليها، وإنما تموت العقائد عندما تبرهن عن عدم صلاحيتها. ” ” ولم يمت الإسلام كعقيدة وشريعة لأنه برهن خلال تاريخه المديد عن قدرته على التفتح والتعامل مع الأفكار الجديدة”.« .

  • 7 –

يحاول الجابري في بداية كتابه العقل السياسي العربي أن يوضح العلاقة بينه وبين الكتابين السابقين بقوله : »كان موضوع البحث والدراسة في الجزئين، الأول والثاني، من هذا الكتاب هو ” عقل الفكر العربي ” أي أسس الفعل المعرفي وآلياته وموجهاته في الثقافة العربية. أما موضوع الجزء – الثالث – فهو ” عقل الواقع العربي ” ونقصد به محددات الممارسة السياسية وتجلياتها في الحضارة العربية الإسلامية وامتداداتها إلى اليوم. «  ولأن الجابري يرى أن هناك مقولات ماركسية لم يعد بإمكان العالم أن يتنفس من دونها ومن بين هذه المقولات مقولة الصراع الطبقي الماركسية فقد ذهب الجابري إلى أن »تاريخ الإسلام منذ قيام الإسلام إلى اليوم تاريخ صراع بين الطبقات، تارة يكتسي هذا الصراع صبغة اقتصادية اجتماعية وتارة يظهر بمظهر الصراع الإيديولوجي والنزاع بين الفرق. «  ثم نجد الجابري نفسه قد تنبه لخطورة ممارسة هذا النوع من الإسقاط على التاريخ الإسلامي – بالقول بالصراع الطبقي – لأن للتاريخ الإسلامي خصوصياته التي لا تجعل كل النظريات الغربية تنطبق عليه، ولذلك يرى الجابري أن »الشيء الوحيد الذي له معنى هو كيف نحلل التاريخ الإسلامي تحليلا ماديا جدليا، دون أن نمس خصوصية هذا التاريخ، ودون أن نسقط عليه معطيات تاريخ مجتمعات أخرى ؟. «  

هناك أمر آخر نص عليه الجابري وهو يضع محددات لبحثه في العقل السياسي العربي حيث ذهب إلى وجوب إعطاء الدين »كعقيدة تغلغلت في صفوف الجماهير حتى أصبحت قوة مادية مكتسحة الدور الذي يستحقه في أحداث التاريخ الإسلامي ومسلسل تطوره« . كما دعا الجابري إلى عدم إغفال » دور الدين بدعوى ” تجنب السقوط في المثالية ” فهذا كلام فارغ وشعار أجوف. «  . ورغم أهمية هذه الملاحظات التي سطرها الجابري من الناحية النظرية إلا أنه لم يستطع الوفاء بها عمليا، مما أوقعه في كثير من المغالطات، أهمها عدم التفريق بين الهدف والوسيلة، حيث وضع لدراسته ثلاث محددات هي : العقيدة، والقبيلة، والغنيمة، دون تمييز بين العقيدة الإسلامية باعتبارها هدفا وغاية وليست وسيلة، وبين القبيلة والغنيمة اللتين كانتا مجرد وسيلتين لتبليغ العقيدة الإسلامية للناس كافة.

مع العلم أن الإسلام كان يوظف الغنيمة والقبيلة توظيفا إيجابيا لخدمة المقاصد العامة للدعوة الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن الغنيمة عندما أصبحت هدفا في حد ذاتها منعت في قوله تعالى : »  سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمُ إِلَىا مَغَانِمَ لِتَاخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُّبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَالِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً « . وفي غزوة حنين خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد من كفار قريش الذين لم يسلموا بعد، فأعطاهم من الغنائم ليتألفهم على الإسلام، فغاظ ذلك الأنصار رضي الله عنهم، فلما بلغ الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الأنصار وقام فيهم خطيبا، وبين لهم الحكمة من فعله صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بأنه تألف أولئك من أجل أن يسلموا، ووكل الأنصار إلى عظمة إسلامهم، فعن أبي سعيد الخدري ، قال : اجتمع ناس من الأنصار فقالوا : يؤثر رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا غيرنا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخطبهم ، ثم قال : ” يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله ورسوله ؟ ” ، قالوا : صدق الله ورسوله ، قال : ” ألم تكونوا ضلالا ، فهداكم الله؟”، قالوا : صدق الله ورسوله ، قال : ” ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله ورسوله ؟ ” ، قالوا : صدق الله ورسوله ، ثم قال : ” ألا تجيبوني ؟ ألا تقولوا : أتيتنا طريدا فآويناك ، وأتيتنا خائفا فأمناك ، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير ، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، تدخلون به دوركم ، لو أنكم سلكتم واديا – أو شعبا – والناس واديا- أو شعبا – لسلكت واديكم – أو شعبكم – ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، وإنكم ستلقون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني “.

 هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه ويتعامل مع الناس بصدق وواقعية، لأنه كان عليه السلام أعلم بأحوال الناس، وبأخلاقهم، وبخبايا نفوسهم، وبما يساسون به كي ينالوا خيري العاجل والآجل. 

ونفس الشيء يقال فيما يتعلق بالقبيلة، فالإسلام لم ينكر على المرء ما ألفته نفسه من انتمائه لقبيلته وحبه لها، وتعلقه بها، وحرصه على مصلحتها، مصداقا لقوله تعالى : » يَآ أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىا وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ « . ولكن ما فعله الإسلام هو أنه بين للناس أن القبيلة جزء من الأمة، والجزء يجب أن يكون في خدمة الكل، وليس العكس – كما يفعل الظالمون – وبالتالي فإن على المسلم أن يكون دائما مقدما للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ولو كانت هذه المصلحة تتعلق بالقبيلة كلها، ولكنها تتعارض مع المصلحة العامة للأمة فهي مصلحة غير معتبرة شرعا، لأنه لا يجوز للجزء أن يحقق مصلحة بما يكون سببا في فساد الكل.

 وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا شافيا فيما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : كنا في غزاة – قال سفيان : مرة في جيش – فكسع رجل من المهاجرين ، رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” ما بال دعوى الجاهلية ” قالوا : يا رسول الله ، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال : ” دعوها فإنها منتنة “.

 أما الدعوة المحمدية دعوة التوحيد فهي الأصل والهدف، والغاية، تتخذ من الوسائل ما تراه مشروعا، وتحرص على أن لا تتحول الوسيلة إلى غاية، ولا الغاية إلى وسيلة، وهذا ما دل عليه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن طارق المحاربي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء ، وهو يقول: ” يا أيها الناس ، قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا “، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبيه وعرقوبيه ، وهو يقول : يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : غلام بني عبد المطلب ، فقلت : من هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة ؟ قالوا : هذا عبد العزى أبو لهب. ” فرسول الله صلى الله عليه وسلم هنا يحرص على تبليغ رسالة ربه، ويتحمل في سبيل ذلك الأذى من أقرب الناس إليه، مع العلم أن كفار قريش عرضوا عليه عروضا مغرية، قد يرى البعض أنه لو قبل بها لكانت مدخلا مناسبا للدعوة الإسلامية، ولكنه رفضها بقوة، لأن المبادئ عند الرجال لا تخضع للمساومة، فما بالك بمن جاء يحمل رسالة من الرحيم الرحمن. فقد اجتمع زعماء قريش بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض : »ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا : يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك – أو كما قالوا له – فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك – وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا – فربما كان ذلك، بذلنا لك من أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم…« . فهذا النص يوضح بشكل لا ريب فيه مقدار الوضوح الدعوي الذي كان يخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يوضح قدر التضحية المادية التي كان كفار قريش على استعداد لبذلها مقابل وأد الدعوة المحمدية وتصفيتها بشكل نهائي، فكيف ساغ للجابري بعد كل هذا أن يصور الدعوة المحمدية وكأنها دعوة لطلب الدنيا، وجمع الغنائم، واكتساب الزعامة، حتى صارت الغنيمة والقبيلة مكونا أساسيا من مكونات الدعوة المحمدية؟.

ومن التناقضات التي وقع فيها الجابري في كتابه العقل السياسي العربي – والتي تبلغ مستوى التناقض الواضح – الزعم بأن »مسألة ما إذا كانت الدعوة المحمدية قد حملت منذ منطلقها مشروعا سياسيا معينا، هو ذلك الذي حققته، أي إنشاء دولة من العرب تقوم بغزو فارس والروم…الخ، فهذا من الأمور التي ” فيها نظر “، كما يقول القدماء « . وبعد نقل الجابري لما ورد عن إسماعيل بن إياس بن عفيف ، عن أبيه ، عن جده عفيف أنه قال:”كنت امرأ تاجرا فقدمت منى أيام الحج وكان العباس بن عبد المطلب امرأ تاجرا فأتيته أبتاع منه وأبيعه. قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء يصلي ، فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي ، وخرج غلام فقام يصلي معه ، فقلت : يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو ؟ فقال : هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله تبارك وتعالى أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه ، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به ، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به قال عفيف : فليتني كنت آمنت به يومئذ ، فكنت أكون ثالثا “. علق عليه بقوله : »واضح من هذا الخبر أن الدعوة المحمدية قد أفصحت عن مشروعها السياسي، وهو الاستيلاء على ” كنوز كسرى وقيصر ” ) دولة فارس ودولة الروم البيزنطيين ( منذ أيامها الأولى « 

 وقد أورد الجابري مجموعة من الروايات الحديثية الأخرى التي تؤكد الخبر السابق، مما اضطره للقول بأن الروايات تجمع »على ما يفيد أن الدعوة المحمدية كانت ذات مشروع سياسي واضح رافقها منذ منطلقها وبقيت محتفظة به وتعمل من أجله إلى أن حققته « . ولا يجد الجابري مخرجا من هذا الضيق الذي أوقع نفسه فيه إلا بالتشكيك في كل هذه الروايات »ذلك لأنه يجوز أن تكون هذه الروايات التي دونت بعد قيام الدولة العربية الإسلامية وفتح أراضي فارس والروم تتحدث عن الدعوة المحمدية من منظور ما حققته عندما تحولت إلى دولة. والحديث عن الماضي، أو بصيغة الماضي، بواسطة ما حصل في الحاضر، نوع من ” التجوز ” سائد في كلام العرب « .

 ولو شكك الجابري في هذه الأخبار باعتماد منهج المحدثين في الجرح والتعديل لكان لكلامه حظ من النظر، أما التشكيك من أجل التشكيك فليس له أساس علمي يستند إليه، بل هي مواقف مسبقة تبحث عن أي شيء تتمسك به، والدليل على ذلك قول الجابري : »وبما أن القرآن لم يتعرض لمسائل الحكم والسياسة ولا لشكل الدولة…فإن المرجعية الوحيدة التي كانت تلتمس منها الشرعية الدينية لقضايا السياسة هي الحديث « .

 هكذا أخرج الجابري القرآن الكريم من دائرة السياسة الشرعية، وزعم بأن المرجعية الوحيدة التي كانت تلتمس منها الشرعية الدينية لقضايا السياسة هي الحديث، ثم لم يلبث أيضا أن أخرج الحديث من دائرة الحجية في القضايا السياسية باعتبار »السلطة السياسية لم تكن مطروحة لأن القيادة كانت للرسول عليه السلام « . بل إن الجابري يذهب أبعد من ذلك عندما يزعم – وبدون دليل أو توثيق – أن كثيرا »من الفقهاء والمحدثين يعتبرون الأحاديث المتعلقة بالسياسة أحاديث ضعيفة أو موضوعة « ؟؟؟.

هذه هي النتائج التي توصل إليها الجابري انطلاقا من مقدمات غير مسلمة شكك فيها هو نفسه عندما جمع هذه التناقضات في نص واحد قال فيه : »وليس في القرآن قط، وهو المرجع المعتمد أولا وأخيرا، ما يفيد أن الدعوة المحمدية دعوة تحمل مشروعا سياسيا معينا. نعم هناك آية الإذن بالقتال، وقد نزلت عندما كان النبي يستعد للهجرة إلى المدينة بعد اتفاقه مع أهلها على أن ينصروه ويحاربوا معه : ”  اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ  “. ولكن التمكين والنصر هنا هما للدين وليس لمشروع سياسي يمكن الحديث عنه بمعزل عن الدين « 

نعم التمكين والنصر هنا هما للدين، والسياسة جزء من الدين، فلا نصر ولا تمكين دون قيام دولة، ولا دولة دون مشروع سياسي، وبالتالي فلا مجال في الإسلام للفصل بين الدين والسياسة كما يفعل المغربون في بلاد المسلمين.

 بقي هنا أن نشير إلى أن المشروع السياسي للدعوة المحمدية يتجلى في عدد من الكليات الكبرى، كالعدل، والشورى، ووحدة الأمة…الخ، أما التفاصيل والجزئيات فهي متروكة للاجتهاد حسب الزمان والمكان، وأما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس عن الاستيلاء على ” كنوز كسرى وقيصر ” فهي من باب الحض على الإقبال على الدين، بالتبشير بالنصر المبين على أعظم الدول، وأكبرها في ذلك الزمان، إن هم آمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليست مشروعا سياسيا بأي حال من الأحوال، إلا عند من لا يفرق بين الدولة والعصابة، بل لا علم له بماهية المشروع السياسي. 

بعد حديث الجابري عن المحددات الثلاثة – العقيدة، القبيلة، الغنيمة – في القسم الأول من كتابه العقل السياسي العربي،  تحدث في القسم الثاني عن التجليات في أربعة فصول، جاءت كالتالي :

  الفصل الأول :تحدث فيه الجابري عن ” الملك السياسي ” عند أهل السنة، وقد انطلق الجابري في كلامه عن الملك السياسي، من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواه سعيد بن جمهان ، قال : حدثني سفينة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ” الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ، ثم ملك بعد ذلك ” ” ثم قال لي سفينة : أمسك خلافة أبي بكر ، وخلافة عمر ، وخلافة عثمان ، ثم قال لي : أمسك خلافة علي قال : فوجدناها ثلاثين سنة ، قال سعيد : فقلت له : إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم ؟ قال : كذبوا بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك ” إلا أنه زعم – كعادته –  أن »هذا الحديث من الأحاديث التي يسهل الشك فيها « . وقد وجه الجابري اللوم لبعض المصادر السنية التي »لا تكتفي بقبول هذا الحديث، كحديث يقرر واقعا حصل، بل إنها تدرجه في إطار ” دلائل النبوة “، متخذة منه دليلا من الأدلة التي تثبت نبوة محمد ) ص ( باعتبار أن فيه إخبارا بالغيب، وهو تحول الخلافة إلى ملك بعد ثلاثين سنة، وقد تحقق « .

 وهنا يورد الجابري السبب الذي جعله يشكك في هذا الحديث بصيغة سؤال »هو التالي : لماذا تحاول بعض المصادر السنية، وبحرص، إثبات شرعية ” الملك ” الذي أقامه معاوية، بالرغم من أنها تجمع على أنه كان ” انحرافا ” عن ” الخلافة ” كما كانت زمن الراشدين؟« . فالحديث النبوي السابق مشكوك فيه عند الجابري لمجرد أن البعض أوله بشكل تعسفي، ليضفي به المشروعية على حكم معاوية، رغم أن الجابري لو وقف على الرواية كاملة كما أوردناها هنا، لتأكد أن الحديث فعلا من دلائل النبوة، وأنه جاء بصيغة الذم للملك المباين للخلافة، بدليل أن الترمذي رحمه الله أورده في أبواب الفتن، وإن حاول البعض القول بعكس ذلك فلا حجة له، وبالتالي فإجماع المصادر السنية على أن حكم معاوية رضي الله عنه كان ” انحرافا ” عن ” الخلافة ” كما كانت زمن الراشدين حسب تعبير الجابري يؤكد على أن حكم معاوية والذين جاؤوا من بعده لم يكن تجليا للدعوة المحمدية كما يوهم تصرف الجابري، بل كان انحرافا عن هذه الدعوة، حيث انقلب الأمر من إنشاء دولة لخدمة الدعوة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، إلى جعل الدعوة خادمة للدولة كما فعل معاوية ومن جاء بعده إلى يوم الناس هذا، والحديث السابق ليس يتيما في هذا الباب، بل هناك نصوص شرعية أخرى تبين هذا الانحراف، وتحذر الناس منه، ويمكن الرجوع إليها في مظانها.

الفصل الثاني :تحدث فيه الجابري عن ” ميثولوجيا الإمامة ” عند الشيعة، وقد خصص فيه جزءا كبيرا للحديث عن المختار ابن أبي عبيد الثقفي، وأورد الجابري عن المختار هذا النص – الذي نقله الطبري رحمه الله تعالى – يبين فيه ” دوافعه ” فيما قام به، و” أهدافه ” التي كان يسعى لها، يقول المختار : »…إنما أنا رجل من العرب، رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز، ورأيت نجدة ) الخارجي ( انتزى على اليمامة، ومروان على الشام، فلم أكن دون أحد من رجال العرب. فأخذت هذه البلاد فكنت أحدهم، إلا أني قد طلبت بثأر أهل بيت النبي ) ص ( إذ نامت عنه العرب، فقتلت من شرك في دمائهم وبالغت في ذلك إلى يومي هذا « .

 وقد طال حديث الجابري عن المختار، في عرضه لمجموعة من الأحداث التاريخية – التي تضم الغث والسمين دون تمحيص – كعلاقة المختار بابن الزبير، وعلاقته بمحمد ابن الحنفية، وتوظيف المختار لفكرة المهدوية التي أسبغها على ابن الحنفية، ومحاولة المختار »أن يركب قضيتين متكاملتين في الظاهر ولكن متناقضتين في الجوهر : قضية الشيعة المتمثلة يومذاك في ” الثأر للحسين ” أولا وقبل كل شيء، وقضيت العبيد والموالي الذين كانوا في الغالب من شيعة علي والذين كانوا يعانون من وضعية اجتماعية يكفي أن نقول عنها إنهم كانوا يشعرون بأنهم عبيد وموال « .

 فهل يمكن اعتبار هذه الانقسامات والصراعات التي تبالغ في سفك الدماء وإزهاق الأرواح وممارسة كل أشكال التضليل والتدليس على الناس لتحقيق أهداف غير مشروعة أساسا من تجليات الدعوة المحمدية ؟. ويختم الجابري حديثه في هذا الفصل بهذه العبارة »وما أسهل التماس الشرعية للحكم من الدين عندما يكون الدين ميدانا لممارسة السياسة « . وهذه مغالطة خطيرة يراد منها إقصاء الدين من السياسة، ولكن فيها إشارة إلى أن الجابري لم يستوعب الدروس التاريخية التي ساقها في كتابه هذا، عندما قال بأن المصادر السنية أجمعت على انحراف الحكم في عهد معاوية رضي الله عنه، فإذا كانت المصادر السنية تعتبر ما وقع في عهد معاوية – وهو من هو – انحرافا، فأنى لمن هو دونه أن يحظى بالشرعية لحكمه، من الدين ؟.

الفصل الثالث :تحدث فيه الجابري عن ” حركة تنويرية “، وهو يقصد بذلك »أولئك الرجال الذين تصنفهم كتب الملل والنحل تحت أسماء ” القدرية ” و ” الجهمية ” و ” المعتزلة”« . والذين قاموا بدور مهم »في تطوير الفكر السياسي والديني في العصر الأموي. لقد قاوموا إيديولوجيا الجبر و إيديولوجيا التكفير وميثولوجيا الإمامة والتيارات المانوية والغنوصية، فكانوا بذلك رجال تنوير حقيقين « . هكذا ترتفع أسهم المعتزلة عند الجابري، فهم دعاة ” العقلانية ” وحراسها، كما أنهم هم وحدهم من وقف في وجه إيديولوجيا الجبر، والاستسلام التي كرستها الدولة الأموية وعلى رأسها معاوية ابن أبي سفيان »بادعائه أن الماضي خير من الحاضر والحاضر خير من المستقبل…وسار الخلفاء الأمويون وولاتهم على هذا النهج يكرسون الجبر تكريسا « .

 ويبدو أن الجابري قد نسي التكفير والإرهاب الفكري الذي مارسه المعتزلة في مسألة خلق القرآن، والاضطهاد الذي تعرض له كل المعارضين للاعتزال على يد المعتزلة في عصرهم الذهبي إبان حكم المأمون، والمعتصم، والواثق، أما معارضة الأمويين ودحض أطروحة الجبر فلم تكن قاصرة على المعتزلة، بل سبقهم إليها أهل السنة في شخص الحسن البصري رحمه الله تعالى، وغيره من أئمة الإسلام، وقد صرح الجابري بذلك عندما قال: »إن المرء لا بد أن يبتعد عن الصواب إذا هو نسب رأيا واحدا بعينه لأولئك الذين لم يكونوا شيعة ولا خوارج والذين يدخلون بسبب ذلك في إطار ما يسمى ب” أهل السنة والجماعة “. لقد كان من بين هؤلاء معارضون للحكم الأموي، وكان منهم مؤيدون« . فبأي حق صار المعتزلة دون غيرهم رجال تنوير حقيقين ؟.

وقد ختم الجابري كتابه بفصل رابع :تحدث فيه عن ” الإيديولوجيا السلطانية وفقه السياسة”، وهو يشير بذلك إلى التطورات المهمة التي حصلت في العصر العباسي »على مختلف الأصعدة «  وقد أدخل في نقاشه السياسي لهذه المرحلة – كما قال – عددا من المصطلحات الجديدة، ك” الكتلة التاريخية “، ومصطلح  ” الخاصة “، و ” العامة “، كما أشار الجابري إلى تأثر ثقافة الدولة في العصر العباسي بالثقافة الفارسية، بقوله : »والحق أن الإيديولوجيا السلطانية في الثقافة العربية منقولة، في معظمها، عن الأدبيات السلطانية الفارسية. وهنا نجد أنفسنا أمام مسألة على جانب كبير من الأهمية : مسألة نقل إيديولوجيا معينة نبعت في واقع معين إلى مجتمع آخر بهدف التعبير بواسطتها عن معطياته ومستجداته « .

 وفي استطراد لا فت، يشبه الجابري ما وقع في العصر العباسي بما يقع اليوم في العالم العربي، حيث يقول : »وما حدث في العصر العباسي الأول هو ما حدث ويحدث في الوطن العربي المعاصر : في العصر العباسي الأول تم نقل الإيديولوجيا السلطانية من الفرس لتعبر عن واقع المجتمع العربي الإسلامي واتجاه تطوره آنذاك. وفي العصر الحاضر ننقل نحن العرب إيديولوجيا الطبقات الاجتماعية في أوروبا الحديثة والمعاصرة ) الليبرالية، الاشتراكية، الماركسية ( لنجعلها تعبر عن مطامح الطبقات عندنا « .

 وإذا كان ما فعلته الدولة العباسية آنذاك انحرافا عن المنهج الذي جاء به الإسلام، فإن ما يقع اليوم أشد انحرافا، وأكثر سوءا، لأن التقليد أو النقل فيما مضى لم يكن يمس جوهر الدين، ولم يكن يصل إلى عموم الناس، أما اليوم فإن النقل عن الحداثة الغربية يهدف إلى استئصال الدين وأهله، وإحلال الثقافة الغربية محل الثقافة الإسلامية، وما يفعله الجابري في كل كتبه وفي كتابه التراث والحداثة بوجه خاص لا يخرج عن هذا السياق، ولذلك نجد الجابري يحاول إيجاد مسوغات لهذا النقل، بقوله : »ما يبرر عملية النقل هذه، في الماضي كما في الحاضر، أمران اثنان : أولهما تطور الأوضاع في المجتمع المنقول إليه في نفس الاتجاه الذي ساد الأوضاع في المجتمع المنقول منه من جهة، وانخراط المجتمع المنقول إليه في نموذج المجتمع المنقول منه بفعل التطور العام للتاريخ من جهة أخرى« .

 وهذا كلام مجانب للصواب، لأن المجتمع العربي والإسلامي كلما ازداد فيه مستوى النقل والتقليد للمجتمعات الغربية كلما ازدادت أوضاعه ترديا وتراجعا، وكلما ازداد تخلفا وفقرا، لأننا عادة لا نأخذ من العالم الغربي ما يمكن أن يندرج تحت مسمى التجارب الإنسانية المشتركة التي تفيد بها كل حضارة الحضارة التي بعدها، بل نأخذ من المجتمعات الغربية أسوأ ما فيها، فقديما أخذنا منهم الحكم الوراثي ضدا على الشورى الإسلامية، وأخذنا مع الحكم الوراثي كل مظاهر الفرعونية والطغيان والاستبداد، واليوم نأخذ منهم كل مظاهر الانحلال الخلقي والتفسخ الاجتماعي، والموقف السلبي من الدين والتدين، تاركين لهم كل ما يتعلق بفضائل “الديمقراطية” “والحرية” “وحقوق الإنسان”، التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها.

 وقد ختم الجابري هذا الفصل بالحديث عن فقه السياسة كيف تطور ونمى، وفي هذا يقول الجابري : »إذا نحن تتبعنا تطور هذه الشروط لدى المتكلمين والفقهاء فإننا سنجد أنفسنا أمام سلسلة من التنازلات تنتهي بالتنازل عنها جميعا « . ودليله على هذا ما نقله عن أبي يعلى الفراء الذي أورد شروط الإمامة الكبرى » ثم عقب عليها بقوله : وقد روي عن الإمام أحمد)  بن حنبل ( رحمه الله ألفاظا تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل فقال…ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه، برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين…« .

 نعم نجد في الفقه الإسلامي والمكتبة الإسلامية عموما نقصا شديدا فيما يتعلق بالشأن السياسي، ونجد كثيرا من العلماء مازالوا يأخذون بفتوى الإمام أحمد رغم تغير الظروف والأحوال، وهذا نقص ينبغي علينا أن نعترف به، وأن نسعى إلى معالجته وتجاوزه بالتمسك بالكليات الشرعية والانطلاق منها للاجتهاد في الجزئيات التي لم يُنص عليها بما يناسب هذا الزمان وأهله، أما من سلف من أئمتنا الكرام فنلتمس لهم العذر لأنهم كانوا يتحدثون عن زمانهم ويبحثون عن المصلحة وفق ظروفهم، عفا الله عن الجميع آمين. 

  • 8 –

تحت شعار قوله تعالى : » وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ«  خصصت مجلة التفاهمعددها الرابع والثلاثين لموضوع ” النظام القيمي في الدين والمجتمع والتجربة التاريخية للأمة، ” وقد ضم هذا العدد مقالا لمحمد أمين فرشوخ بعنوان:” نقد نظم القيم في الثقافة العربية : محمد عابد الجابري “، عرض فيه أهم ما جاء في كتاب الجابري ” العقل الأخلاقي العربي ” دون تسجيل أي ملاحظة أو اعتراض أو نقد، لهذا النقد الجابري رغم كثرة ما يستحق النقد والنقض – من وجهة نظر شرعية – لأمور تجاوزها الجابري أو تجاهلها.

فقد دخل الجابري للكتابة في ميدان نقد الأخلاق وهو يزعم أن المكتبة العربية تخلو »من كتاب أو دراسة في نقد العقل الأخلاقي العربي أو في تحليل نظم القيم في الثقافة العربية الإسلامية تحليلا موضوعيا نقديا « . وعندما أراد أن يضع منهجا ورؤية لكتابه هذا لم يجد سوى القول بأنه »سيكون أشبه ما يكون بعمل من يقوم بمغامرة في قارة سيكون عليه أن يستكشفها ويصفها، ويدرس أشياءها ليرتبها ويربطها بأصولها وفصولها، قارة جمعت في جوفها وعلى ساحاتها موروثا من القيم والأخلاق ينتمي إلى خمس ثقافات ! « . وأهم شيء اكتشفه الجابري وهو يغامر في ” قارته ” التي جمعت في جوفها وعلى ساحاتها موروثا من القيم والأخلاق ينتمي إلى خمس ثقافات هو :  »أن النص الديني في الحضارة العربية الإسلامية، ولو أنه يغطي من الناحية المبدئية، جميع مظاهر الحياة فإنه ترك مع ذلك للأخلاق مجالها الخاص، الواسع العريض. وهذا الوضع ينتج عنه أن الدين في الإسلام ليس هو أساس الأخلاق…بل هناك، بالمقابل، إجماع على أن مصدر الحكم الأخلاقي هو العقل« .

 فالدين حسب الجابري يغطي من الناحية المبدئية، جميع مظاهر الحياة، وهذا كلام صحيح مصداقا لقوله تعالى : » مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ « . ومع ذلك فإن الدين – عند الجابري – قد ترك للأخلاق مجالها الخاص، الواسع العريض. وهنا نسأل أي دين هذا الذي لا حديث فيه عن الأخلاق ؟. وأي دين هذا إذا لم يكن هو أساس الأخلاق ومصدرها؟. ومن هم هؤلاء الذين أجمعوا على أن مصدر الحكم الأخلاقي هو العقل ؟. ومن ذا الذي نقل إلينا هذا الإجماع ؟. وما هي المظان التي يمكن أن نجد فيها هذا النقل؟.

لقد مدح الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم على حسن خلقه، ولين عريكته، في كثير من الآيات، كقوله تعالى : » وَإِنَّكَ لَعَلىا خُلُقٍ عَظِيمٍ « . وقوله جل وعلا : » فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ « . وقد أمر الله جل وعلا المؤمنين بالتأسي برسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : » لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا « . كما أن آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدث عن الأخلاق، كقوله تعالى: » وَإِذَ اَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ « . وقوله تعالى : » وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنـَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ « . بل لو قلنا إن القرآن الكريم كتاب أخلاق لما جاوزنا الصواب، فعن سعد بن هشام بن عامر ، قال : أتيت عائشة ، فقلت : يا أم المؤمنين ، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : ” كان خلقه القرآن ، أما تقرأ القرآن ، قول الله عز وجل : وإنك لعلى خلق عظيم“.

 والجابري نفسه اعترف بهذا في وقت لاحق عندما قال : »إن كثيرا من تلك السور المكية تشتمل على تشريعات وأحكام، أخلاقية في الغالب، تنظم حياة المسلمين الشخصية وعلاقات بعضهم ببعض، إما بخطاب مباشر…وإما بخطاب غير مباشر « .

أما التشريعات الأخلاقية على مستوى السنة النبوية فأكثر من أن تحصى، ويكفي أن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر بعثته في تتميم مكارم الأخلاق، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” .

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربيا، وكان عليه السلام لا يدع فرصة إلا وذكر أصحابه فيها بمكارم الأخلاق، وحضهم عليها، ونهاهم عن مساوئ الأخلاق، وحذرهم منها، فعن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي ، أن رسول الله عليه السلام , قال : ” إن الله يحب مكارم الأخلاق , ويكره دقيقها وسفسافها “. وعن مسروق ، قال : كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو ، يحدثنا ، إذ قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ، وإنه كان يقول : ” إن خياركم أحاسنكم أخلاقا “.

 لكن نلاحظ أن هذه الأخبار لا قيمة لها عند الجابري لسبب ذكره في النص التالي، قال الجابري : »أما الأحاديث النبوية في موضوع الأخلاق فأكثر من أن تحصى، وقد تزايد عددها مع العصور بسبب أن بعض علماء الإسلام قد أجازوا وضع الحديث في مجال الترغيب والترهيب أي في مجال الأخلاق « . وقد ذهب علماء الأصول إلى أن الرد الإجمالي لحديث نبوي لا يصح، فكيف بالرد والرفض للسنة النبوية جملة دون دليل علمي أو برهان عقلي، مع الاتهام الخطير لعلماء الإسلام، ورميهم بما هم منه برءاء دون دليل أو برهان؟.

لقد ذهب الجابري بعيدا عندما تحدث عن القيم الكسروية وغزوها للساحة العربية والإسلامية، ليس على المستوى السياسي فحسب »بل لقد انتقلت معها كذلك مرادفاتها الدينية ومضاداتها السياسية، أعني القيم الدينية التي كرسها رجال الدين الرسميون حلفاء الأكاسرة من جهة، وخصومهم رجال الدين الجدد الذين يحملون لواء المعارضة والثورة ضدهم، من جهة أخرى. إن فقهاء السلاطين وكتابهم، وغلاة الشيعة ودعاة الباطنية، وشيوخ الصوفية وأقطابهم، جميع هؤلاء قد وظفوا بصورة أو بأخرى، هذا الجانب أو ذاك، من الموروث الفارسي الذي بقي يمثل مكونا أساسيا في ثقافتنا الأخلاقية و السياسية« .

 بل إن الجابري ليدخل في الموروث الفارسي كل »ما يزخر به باب الأدب في كتب الفقه من الأدعية التي ينبغي أن ينطق بها ” المسلم ” : قبيل النوم، وحين يصحو، وأثناء الاستحمام والتمنطق بالحزام، وأثناء الأكل، وحين يذهب إلى الضرورة، وإذا عطس، وإذا حلق شعر رأسه أو قلم أظافره، وحين يضيء السراج الخ، مما لم يكن معروفا زمن النبي والصحابة فصار جزءا من الأخلاق الدينية منذ عصر التدوين ! « . والغريب هنا هو هذا التناقض الظاهر في كلام الجابري، ففي النص السابق يزعم أن كل النصوص النبوية التي تتحدث عن الأخلاق موضوعة ومكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها في الحقيقة مأخوذة من الموروث الفارسي، وفي نص آخر بعد هذا بحوالي ثمان وعشرين صفحة يزعم الجابري أن هجوم القيم الكسروية على المجتمع الإسلامي أدت إلى ردود فعل مضادة »تتمثل في التجنيد لتدوين الموروث العربي الإسلامي في اللغة والشعر وأخبار العرب، كما في الحديث والتفسير والفقه « .

 وكأنه يتحدث عن مجموعة من الأغبياء ساءهم هجوم القيم الكسروية على ثقافتهم العربية والإسلامية فلم يجدوا ما يدافعون به عن أنفسهم سوى تدوين هذه القيم نفسها على أنها قيم إسلامية مع نسبتها زورا لنبي الإسلام. فهل هذا منطق يليق بعاقل، بله برجال الإسلام وأئمته الأعلام ؟. ثم ما هو دليل الجابري على هذه الدعاوى ؟. لا شيء، سوى التخمين والافتراض، والرجم بالغيب.

هذه بعض النظرات في المشروع الكبير للدكتور محمد عابد الجابري في ” نقد العقل العربي ” بأجزائه الأربعة، الذي يمكن النظر إليه »كنوع من الاستجابة لظروف ” النكسة ” التي عاشها العالم العربي بعد 1967 بما في ذلك حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973 وما شاع في ذلك من استبشار ب” الصحوة الإسلامية ” التي رافقتها، أو تجاوزتها أو حلت محلها، الثورة الخمينية في إيران « 

وبعد الانتهاء من هذا المشروع انتقل الجابري إلى مشروع آخر في التعريف بالقرآن الكريم، والذي جاء بدوره و »بصورة ما، نوعا من الاستجابة لظروف ما بعد أيلول / سبتمبر 2001. وما تلا ذلك من أحداث جسام وردود فعل غاب فيها العقل، غيابه في الفعل الذي استثارها والذي كان هو نفسه نوعا من رد الفعل، وما رافق ذلك كله من هزات خطيرة في الفكر العربي والإسلامي والأوروبي، كل ذلك جعلني أنصرف إلى التفكير في ” مدخل إلى القرآن “، مدفوعا في ذلك برغبة عميقة في التعريف به، للقراء العرب والمسلمين وأيضا للقراء الأجانب، تعريفا ينأى به عن التوظيف الإيديولوجي والاستغلال الدعوي الظرفي… «  .

 فما هو الجديد الذي جاء به الجابري في التعريف بالقرآن الكريم ؟ .

وهل التزم الجابري بالقواعد الشرعية ، والضوابط العلمية ، التي وضعها العلماء لفهم القرآن الكريم ؟ .

هذا ما سوف نقف عليه بإذ الله تعالى في الصفحات المقبلة من هذه السلسلة، فالله أسأل التوفيق والسداد وحسن الخاتمة، آمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.