منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فوق الجسر المنسي (قصة قصيرة)

محمد مجي

0

 

تحدثنا بفجاعة أكبر، بصدق أكبر، ومع ذلك لم نثق ببعضنا البعض…
كل نهاية هي لحظة موت لمرحلة ما، والألم كل الألم هو أن نصل لنهاية لم نتوقعها، حيث نؤخذ إليها غصبا…
كل النهايات تحزنني كثيرا، نهاية فنجان قهوة يحزنني، يحز في نفسي رؤية قهوتي تبرد، وتسقط فيها جحافل الذباب واحد تلوى آخر. قبل قليل كان بخارها الساخن يمنع كل حشرة من الاقتراب. الآن بردت واستسلمت لكل الشرور…
كم من فنجان قهوة برد فوق موائدنا ونحن نخوض في أحاديث شيقة مع من نحب وفرطنا في كل شيء..
بعد أيام.. وحين يصبح كل شيء ذكرى، نقحم القهوة والكؤوس فيها، بل لا نتذكر غير قهوة سوداء مرة ونقول؛ في مقهى فلان حدث؛ كذ وكذا. ماذا فعلنا من أجلها؟، لا شيء لقد تركناها للسكون والموت البطيء. هناك أشياء تحضر بقوة بعد فوات الآوان…
لقد اخترت غير مرة الوقوف على جسر، أو على حافة صخر، لا لشيء، إلا لكي لا أقتل مزيدا من الكؤوس، أنقذ نفسي دون قتل أحد، وإذا فشلت يكون الثمن ضحية واحدة…
يأتيني السؤال مباغتا، هل تريد من يموت معك؟ ألتفت إلى وسط الجسر الضيق بعد أن كنت موليا وجهي نحو نهر يمر أسفل الجسر رقراقا هادئا، وأنا متكأ على عوارضه الحديدية وأزرار معطفي العملاقة والكثيرة طقطقت عليها عند تلك الحركة السريعة للالتفات..
هل كنت أنتظرها؟!! من الذي قادها إلي الآن بعد كل هذه السنين!!؛ أنا لم آتي لرؤيتها. أتذكر أنه في كل مرة أرغب في رؤيتها أذهب إلى المقهى المعتاد وأنتظر مرورها من أمام المقهى وهي عائدة من عملها…

قبل أن أجيب. أجابت على سؤالها بنفسها؛ دعك متماهيا مع منظر النهر، ثم جاءت إلى جانبي الأيسر ووقفت دون أن تلامس عارض الجسر وشبكت يديها الطويلتين فوق صدر متمرد على ياقة فستان مطرز، وسددت بصرها نحو منظر النهر البديع، نسيم المساء يحرك شعرها القمحي المنسدل عل كتفيها وظهرها.

ساد الصمت بيننا، وأنا أفكر فيما أقول، لكن ماذا يقول رجل على أعتاب الموت، لامرأة خرجت لتو إلى الحياة. نظرت إليها وهي لا زالت مسمرة في مكانها وقلت لها: هذا أفضل مكان للموت، من رمى بنفسه في هذا النهر سيموت موتة شريفة، سيحظى بالموت بعد السباحة في هذا الماء النمر، والنظر إلى جسدك كاملا وهو يصارع ليبقي رأسه خارج الماء، فقط ليستمتع بالنظر إليك أطول مدة ممكنة.
ابتسمت…ثم قالت: وماذا سيقول عنه كل هؤلاء الواقفون على الجسر والجالسون على المقاعد بضفة النهر. عدت ببصري نحو المنظر وأجبتها: لا شيء سيعتقدون أنه يسبح بينما كان هو يعيش آخر لحظاته في الحياة..
نظرت إلي وقالت: أتمنى رجلا يأخذ جسدي ويدفنه في هذا النهر، وإذا طفى إلى السطح ولم يندفن، يخرجه ويضعه في تابوت ويلف حوله فستاني الأصفر هذا ثم يضرم فيه النار، ويجلس قرفصاء وهو يراقب مشهد احتراقي بالكامل وضوء اللهب ينعكس على لحيته السوداء، ويؤجل هو موته إلى يوم آخر.
صمتت قليلا ثم أردفت:
لقد متت عدة مرات ومع ذلك لم أحصل على الموت الذي أريده، وفي المقابل عشت لحظة حياة واحدة، وتلك اللحظة هي التي علمني فيها أبي كيف أعزف على الكمان…
في كل صباح كنت أقف في غرفتي كما وقفت الآن وأنا أنظر إلى مرآة ضخمة، يأتي أبي ويضع الكمان بين كتفي وخدي الأيسر ويحكم قبضة يدي على الذراع، وفي الحقيقة كان هو المتحكم في الذراع وهو ينزلق على الأوتار، ويده الأخرى تضبط النوتات حسب المقامات والأوزان، وفي كل مرة أخطئ فيها، يصحح لي ويقول: بعد اليوم، أو بعد شهر، أو سنة، لن أكون بجانبك لأقوم زلاتك في العزف.
أدركت بعد ذلك بسنوات أن والدي كان يستعد للرحيل، لقد اختار أن يموت بطريقته الخاصة.
في تلك الليلة الحزينة جدا، كان منزويا في فراشه ويتنفس بشدة، وضعت الكمان بين خدي وكتفي كما علمني وجلست جلسة بوذا قرب رأسه. عزفت أول معزوفة علمني إياها، كان كماني يبكي صاحبه، وكنت أنا أيضا أذرف دموعا ساخنة.
بعد موت والدي زادت رغبتي في العزف، لقد علمني أن الموسيقى لم تخلق لأوقات السعادة فقط، مخطئ من يعتقد ذلك، لقد خلقت للحظات الوداع…منذ تلك الليلة العسيرة، صرت أعزف فقط لأولئك الذين يقضون نزعهم الأخير.
نظرت إلي ومسحت عينيها بيديها، الحقيقة أنني لم أرى دموعها، لكن نبرة صوتها تغيرت، ثم قالت لي: إذا كنت عازم على الرحيل، أجل الأمر إلى الليلة القادمة، أعدك سآتي لأعزف على هذا الجسر بينما تلقي بنفسك إلى النهر سأعزف من أجلك، ستكون معزوفة خاصة بك…طأطأت رأسها وكررتها؛ معزوفة خاصة بك وليس لأحد سواك.
ابتسمت…كرة من السعادة اندفعت بداخلي، وبحلقت فيها طويلا، كانت تشبه طيفا، ثم قلت لها: لتو وضعت قدمي في درج الحياة وما قبل هذه اللحظة كان ظلام دامسا…أرجوك علمني العزف على الكمان كما علمك أبوك وقبل أن تجيب نظرت مرة أخرى إلى سطح النهر المتدفق وقد انعكست عليه صور النجوم التي غزت السماء ومصابيح الحديقة التي فرغت من زوارها، ورأيت كل تلك النجوم والأضواء كأنها منطلقة من أعماق النهر.
كنت أودع المنظر للمرة الأخيرة، وأنا أرفع جسدي المثقل على جنبات الجسر، سويت معطفي، وأومأت لها بالرحيل. مشينا بخطوات بطيئة جدا، ورفعت بصرها إلي ثم قالت: في الليلة القادمة سأعلمك العزف فوق هذا الجسر المنسي، ثم التصقت بي وطبطبت على كتفها قائلا: لقد تأجل الموت، على الأقل هذه الليلة…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.