منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قضاء الحائض والمغمى عليها والنفساء ومن في حكمهن لما فاتهن من الصلاة

أم كلثوم أگزناي

0

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

إن من أفضل العلوم وأولاها بالتعلم علم الفقه؛ إذ به نعرف الحلال من الحرام، ونميز بين صحة العبادات وفسادها. وقد مدحت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها نساء الأنصار قائلة: “نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين.”[1].

ومن التفقه في الدين معرفة الحالات التي تقضي فيها الحائض والنفساء والمغمى عليها ومن في حكمهن الصلاة.

ولأن هذا النوع من الفقه لا يلتفت إليه كثير من النساء لاعتبارات عدة، فقد أردت أن أبين ما أشكل منه قدر المستطاع. فهذا جهد المقل، ومن الله تعالى أسأل التوفيق والسداد.

1- قضاء الحائض:

المزيد من المشاركات
1 من 39

الأصل أن الحائض لا تقضي الصلاة لا وجوبا ولا ندبا؛ لكن هناك حالات تقضي فيها الحائض الصلاة، وردت في السنة النبوية.

ذكر ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله هذه الحالات قائلا:

“وكذلك الحائض تطهر، فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير ثوان خمس ركعات صلت الظهر والعصر، وإذا كان الباقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، وإذا بقي من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الأخيرة، وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته. وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة، أو لثلاث ركعات من الليل إلى ركعة، قضت الصلاة الأولى فقط، واختلف في حيضها لأربع ركعات من الليل، فقيل: مثل ذلك، وقيل الحكم فيه أنها حاضت في وقتهما فلا تقضيهما.”[2].

ومنه نستخلص أن الحائض لا تقضي ما حاضت فيه وتقضي ما طهرت فيه. هذه هي القاعدة الأساسية المجمع عليها عند السادة المالكية. والحائض لا تصح صلاتها لما روت معاذة قالت: سألت عائشة: “ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.”.[3]

الحائض لا تقضي الصلاة؛ ولكن الذي نخصه بالحديث هنا حالتين، هما:

الحالة الأولى: عندما تكون المرأة طاهرة في أول وقت صلاة الظهر أو العصر أو أية صلاة مفروضة ثم تحيض قبل أن تصلي، ماذا تفعل؟

الحالة الثانية: عندما تكون المرأة حائضا، ثم تطهر في آخر وقت صلاة الظهر أو العصر أو أية صلاة مفروضة ماذا تفعل؟

1) عندما تكون المرأة طاهرة في أول الوقت ثم تحيض هل تقضي ما فاتها عندما تطهر؟

ورد في “كفاية الطالب”، القول بالاشتراك. إن حدث الحيض في وقت مشترك بين الصلاتين سقطت الصلاتان، وإن حدث في وقت مختص بإحداها سقطت المختصة بالوقت وقضيت الأخرى.

سؤال للتوضيح: إذا طهرت الحائض ليلا بعد دخول وقت العشاء فأدركت وقت صلاة العشاء بمقدار ركعة هل تصلي العشاء والمغرب معا أم العشاء وحدها أم اليوم كاملا؟

الجواب: حسب جمهور العلماء ومنهم المالكية، تصلي العشاء والمغرب معا لماذا؟ لأنها أدركت وقت العشاء، وكذلك تصلي المغرب لأن المغرب تجمع مع العشاء عند الضرورة.

ونفس الأمر إذا طهرت المرأة من الحيض نهارا فأدركت مقدار ركعة من وقت صلاة العصر أنها تصلي الظهر والعصر معا.

أما إذا طهرت بعد الصبح أو بعد الظهر أو بعد المغرب فإنها لا تصلي إلا صلاة واحدة بدون جمع، وهي الصلاة التي طهرت في وقتها. لماذا؟ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها. مثلا الصبح لا يجمع مع العشاء والظهر لا يجمع مع الصبح والعصر لا يجمع مع المغرب.

وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء. وقال مالك الصغير العلامة ابن أبي زيد القيرواني: “وإن طهرت ليلا وكان الباقي من الليل … أربع ركعات صلت المغرب والعشاء.”[4]. وهذا التقدير للحاضرة أي غير المسافرة. أما المسافرة؛ فإنها تقدر بثلاث ركعات أي ركعتين للعشاء وركعة للمغرب فتصلي الصلاة الأخيرة فقط وهي العصر في صلاة النهار والعشاء[5]. مثلا إن طهرت في الليل

2) حجية من يقول بأن المرأة إذا طهرت من حيضها عصرا فإنها تصلي الظهر والعصر، والتي تطهر قبل الفجر تصلي المغرب والعشاء من الأدلة الشرعية.

ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن الحائض وما في حكمها من أهل الأعذار، كالمغمى عليه والنفساء …، إذا زال عنهم العذر المانع من الصلاة بعد العصر صلوا الظهر والعصر معا، وإن زال بعد العشاء صلوا المغرب والعشاء معا.

عند المالكية: يشترطون لوجوب الصلاتين معا أن يدرك من الوقت قدر ما تصلى فيه الصلاة الأولى معها مع اعتبار وقت الطهارة.

عند الشافعية والحنابلة: يكفي في وجوب قضاء الصلاتين إدراك قدر تكبيرة الإحرام فقط. وذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى أنه ليس على الحائض ومن في حكمها إذا زال العذر إلا الصلاة التي زال العذر في وقتها. واستدل أصحاب هذا القول الأخير بأن وقت الأولى خرج في حال التلبس بالعذر فلم تجب كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئا.

واستدل المالكية من جهة النظر بأن وقت الظهر والعصر وقت واحد في الجملة، ولذلك يجمع بينهما في وقت إحداهما في السفر وغيره من أسباب الجمع. كما احتجوا بفتوى الصحابيين عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس، أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا.

وقال ابن عبد البر: قال مالك: إذا طهرت المرأة قبل الغروب فإن كان بقي عليها من النهار ما تصلي خمس ركعات صلت الظهر والعصر، وإن لم يكن بقي من النهار ما تصلي خمس ركعات صلت العصر وإذا طهرت قبل الفجر وكان ما بقي عليها من الليل قدر ما تصلي أربع ركعات، ثلاثا للمغرب وركعة من العشاء، صلت المغرب والعشاء، وإن لم يبق عليها إلا ما تصلي فيه ثلاث ركعات صلت العشاء. ذكره أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب عن مالك.[6]

وقال ابن حجر في التلخيص الحبير[7]: حديث عبد الرحمن بن عوف في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة، يلزمها المغرب والعشاء جميعا، رواه الأثرم والبيهقي في المعرفة من رواية محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن جده، عن مولى لعبد الرحمن بن عوف عنه بهذا، وزاد: وإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا. ومحمد بن عثمان وثقه أحمد، ومولى عبد الرحمن لم يعرف حاله، وحديث ابن عباس مثله رواه البيهقي من طريق يزيد بن أبي زياد، عن فارس عنه، وتابعه ليث بن أبي سليم عن طاووس وعطاء، وقال: قال أبو بكر بن إسحاق: لا أعلم أحدا من الصحابة حالفهما، قال: ورويناه عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعن جماعة من التابعين. انتهى.

2 – قضاء المغمى عليها والنصرانية إذا أسلمت:

ونفس الحكم الذي ينطبق على الحائض ينطبق على المغمى عليها والكافرة إذا أسلمت والصغيرة إذا حاضت ومن في حكمهن. قال أشهب: “وسئل مالك عن النصراني يسلم، والمغمى عليه يفيق: أهما مثل الحائض؟ قال: نعم، يقضي كل واحد منهما مالم يفت وقته وما فات وقته لم يقضه.”[8].

المسلم لا يقضي ما خرج وقته حال كفره، ويقضي الصلوات التي أسلم في وقتها، وكذلك المغمى عليها، أو المغمى عليه، لا يقضيان ما خرج وقته حال إغمائهما، ويقضيان ما أفاقا في وقته من الصلوات.

وصلى الله وسلم على المصطفى الأمين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم


[1]  صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم.

[2] متن رسالة ابن ابي زيد القيرواني، أعدها أحمد مصطفى الطنطاوي، دار الفضيلة، ص 55.

[3]  رواه البخاري ومسلم.

[4]  حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني شرح رسالة أبي زيد القيرواني، دار الرشاد المغرب، ج1.

[5]  انظر: حاشية العدوي، نفس المرجع، ج1، ص368.

[6] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، ج 3، ص 177.

[7]  التلخيص الحبير، ابن حجر العسقلاني، باب الطهارة، ج1، ص345.

[8]  التمهيد، مرجع سابق، ص 110.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.