منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة

0

الحمد لله الذي خص هذه الأمة المحمدية بمزيد الفضل والإكرام والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آلِه وأصحابه أجمعين، وبعد.

فقد شرع الله تعالى للمسلمين اجتماعات متعددة من أجل توطيد أواصر الألفة والمحبة بينهم؛  فمنها ما يتكرر يوميا؛ الصلوات الخمس، ومنها ما هو أسبوعي؛ صلاة الجمعة ومنها ما هو سنوي؛ صلاة العيدين والحج.

ويوم الجمعة  هو  خصيصة للمسلمين ونعمة ربانية منحها لهذه الأمة التي كرمها الله وجعلها خير أمة أخرجت للناس، فالله سبحانه فضل هذا اليوم على أيام الأسبوع، ثم فرض الله تعظيمه على اليهود والنصارى، فضلوا عنه ولم يهتدوا إليه، وهدى الله إليه هذه الأمة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول:” نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا، والنصارى بعد غد”[1]

وقال ابن بطال(ت: 449هـ)  في شرحه للحديث: “ليس فيه دليل أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يترك فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل والله أعلم، أنه فرض عليهم يوم من الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أي الأيام يكون ذلك اليوم، ولم يهدهم الله إلى يوم الجمعة، وذخره لهذه الأمة، وهداهم له تفضلا منه عليها؛ ففضلت به على سائر الأمم”[2]

لقد تبتت أحاديث كثيرة تبين فضيلة يوم الجمعة، ومزيته على سائر الأيام، ومن ذاك قوله صلى الله عليه وسلم: “خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة”[3]، وقد اجتهد العلماء في جمع  خصائص الجمعة للتنبيه عليها،  حيث ذكر ابن القيم (ت: 751هـ)  في كتابه زاد المعاد وتحديدا في الفصل الموسوم ب:” فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها” ثلاثا وثلاثين خاصية، ثم جاء بعده السيوطي(ت: 911ه)، فأفرد كتابا للحديث عن فضائل يوم الجمعة وسماه:   نور اللمعة في خصائص الجمعة، فذكر إحدى ومائة خاصية، ومنها صلاة الجمعة التي سأتناول فرضيتها وبعض آدابها في هذه الورقة.

المزيد من المشاركات
1 من 21
  1. فرض صلاة الجمعة

من أعظم خصائص يوم الجمعة: صلاة  الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام وأعظمها، لهذا نجدها أنها اختصت باشتراط الجماعة لها والعدد المعين والمكان، وغير ذلك من الأحكام التي فصل فيها الفقهاء، يقول الطاهر ابن عاشور(ت: 1393ه) نقلا عن القفال: “ولما جُعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي تقع به شهرته فجمعت الجماعات لذلك، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة وحثا على استدامتها، ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع”[4]

وصلاة الجمعة فرض عين  على كل مسلم، ذكر، بالغ، عاقل، مقيم خال من الأعذار التي تمنع شهود الجمعة، وفرض العين: هو الذي يثبت على كل مسلم استقلالا لا يغني فيه أحد عن أحد، وقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، يقول ابن المنذر(ت: 319ه): “وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار، البالغين، المقيمين الذين لا عذر لهم”[5]

خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الجمعة:9] الآية، والأمر بالسعي إليها والنهى عن البيع من أجلها دليلان على وجوبها، ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة، “والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الإسراع؛ فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدو؛ قال الله تعالى: ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ [عبس: 8]، وقال: ﴿وسعى لها سعيها﴾[الإسراء: 19]، وقال: ﴿سعى في الأرض ليفسد فيها﴾ [البقرة: 205] وقال: ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾ [المائدة: 33]”[6]، وذكر الله هنا قيل: هو الخطبة، وقيل: هو الصلاة، وكل ذلك حق، فالسعي إلى الخطبة سعي إلى الصلاة، ولأن ذكر الله يتناول الخطبة ويتناول الصلاة؛ قال أبو بكر بن العربي(ت: 543هـ) “والصحيح أنه الجميع أوله الخطبة، فإنها تكون عقب النداء؛ وهذا يدل على وجوب الخطبة”[7]، و”إيثار ذكر الله هنا دون أن يقول: إلى الصلاة، كما قال: فإذا قضيت الصلاة لتتأتى إرادة الأمرين الخطبة والصلاة”[8]

وقد توعد رسول الله من يتخلف عن الجمعة تهاونا  بالختم على القلب؛ لحديث ابن عمر وأبي هريرة – رضي الله عنهم – أنهما سمعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “لينتهين أقوام عن ودعهم[9] الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين”[10]، ولحديث أبي الجعد الضمري – رضي الله عنه -: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه”[11] ، والمراد أنه بتركه الجمعة قد أغلق قلبه و”ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه وجعل فيه الجهل والجفاء والقسوة أو صير قلبه قلب منافق”[12] فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا لضعف بصيرته وعمي قلبه مما يفوت عليه خيرات الدنيا والآخرة.

ويجلي لنا الطاهر ابن عاشور  معنى الطبع على القلب وإمكانية زواله؛ إذ يقول: “الطبع على القلب: تمثيل لعدم مخالطة الهدى والرشد لعقولهم بحال الكتاب المطبوع عليه، أو الإناء المختوم بحيث لا يصل إليه من يحاول الوصول إلى داخله، فمعناه أن الله خلق قلوبهم، أي عقولهم غير مدركة ومصدقة للحقائق والهدى. وهذا الطبع متفاوت يزول بعضه عن بعض أهله في مدد متفاوتة ويدوم مع بعض إلى الموت كما وقع، وزواله بانتهاء ما في العقل من غشاوة الضلالة وبتوجه لطف الله بمن شاء بحكمته”[13]

وفي مقابل هذا الوعيد الشديد، فقد جعل الله سبحانه وتعالى صلاة الجمعةِ سببا لتكفير السيئاتِ، وحط الخطايا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر»[14] وعنه أيضا: «من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام»[15]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3
  1. آداب صلاة يوم الجمعة:

مما يدل على أهمية صلاة يوم الجمعة أن لها آدابا وأحكاما ينبغي مراعاتها والالتزام بها، ومن ذلك الاغتسال ليوم الجمعة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: “غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم”[16]  والإيجاب محمول على أنه مسنون مؤكد الاستحباب، لأحاديث أخرى: وهي حديث سمرة: “من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل”[17] ، فدل هذا الحديث على أن الوضوء يكفي ولكن الغسل هو السنة والكمال، ولكنه يتأكد على من له  عرق أو ريح يتأذى به غيره.

ومن آدابها أيضا الاستعداد لها بحسن السمت ؛ قال تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف:31]،الآية أي: التهيؤ بما هو أليق باختيار أحسن الثياب وأجملها دون إسراف، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: «ماذا على أحدكم لو اتخذ ثوبين للجمعة -أو ثوبا للجمعة- سوى ثوبي مهنته»[18]

ومن الآداب، التبكير إلى صلاة الجمعة في الساعة الأولى أو الثانية أو الثالثة، لقوله صلى الله عليه وسلم قال: “من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر”[19] ، ويقول ابن القيم إن “قرب أهل الجنة يوم القيامة وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم»[20]، لكننا للأسف اصبحنا نلاحظ تقصير الناس في التبكير لصلاة الجمعة، واستغلال هذا الوقت بالعبادات من صلاة وذكر قراءة حتى يخرج الإمام.

ويجمع لنا كل هذه الآداب وأجرها العظيم قوله صلى الله عليه وسلم “لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى”[21]

فإذا سلمت الجمعة كانت كفارة لما سبقها خلال أيام الأسبوع، ولا ينحصر أثر صلاة الجمعة على الفرد فقط ولكنه يتعداه إلى الجماعة، فالحكمة من مشروعيتها عظيمة وغاياتها سامية تجمع بين مصالح دنيوية وأخروية؛ يقول وهبة الزحيلي: «الجمعة شرعت لدعم الفكر الجماعي، وتجمع المسلمين وتعارفهم وتآلفهم، وتوحيد كلمتهم، وتدريبهم على طواعية القائد، والتزام متطلبات القيادة، وتذكيرهم بشرع الإسلام دستورا وأحكاما وأخلاقا وآدابا وسلوكا، وتنفيذا لأوامر الجهاد، وما تتطلبه المصلحة العامة في الداخل والخارج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والخلاصة: إن تكرار الوعظ والتذكير الدائم كل أسبوع له أثر واضح في إصلاح الفرد والجماعة لقوله تعالى: ﴿وذكر، فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات:55][22].

[1] أخرجه البخاري، كتاب الجمعة باب فرض الجمعة، رقم: 876، و مسلم في كتاب الجمعة باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة رقم:855

[2] شرح صحيح البخاري، ابن بطال، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، دار النشر: مكتبة الرشد – السعودية، الرياض الطبعة: الثانية، 1423هـ –   2003م، 2/ 475

[3]– أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، رقم: 854

[4] تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، الطاهر ابن عاشور التونسي، الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس سنة النشر: 1984 هـ، 28/ 222

[5] الإشراف على مذاهب العلماء،  ابن المنذر،: 319هـ) المحقق: صغير أحمد الأنصاري أبو حماد الناشر: مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة – الإمارات العربية المتحدة الطبعة: الأولى، 1425هـ – 2004 م،  2/ 84

[6] المغني، ابن قدامة  المقدسي(ت: 620هـ) الناشر: مكتبة القاهرة بدون طبعة، تاريخ النشر: 1388هـ – 1968م، 2/ 218

[7] أحكام القرآن، ابن العربي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة: الثالثة، 1424 هـ – 2003 م، 4/ 246

[8] التحرير والتنوير، 28/ 226

[9] ودعهم: الودع: الترك، وهو مصدر: ودع يدع ودعا

[10] مسلم، كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، برقم 865.

[11] أخرجه أبو داود (1052)، والنسائي (1369)

[12] فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي(ت: 1031هـ) الناشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر الطبعة: الأولى، 1356ه، 6/ 102

[13] التحرير والتنوير، 26/ 101

[14] أخرجه مسلم، كتاب الطهارة،  باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، رقم:  233

[15] أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة، رقم: 857

[16] أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة، أو على النساء، رقم: 879، ومسلم، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، وبيان ما أمروا به، رقم:  846

[17] رواه الخمسة، (الترمذي : الجمعة (497) , والنسائي : الجمعة (1380) , وأبو داود : الطهارة (354) , وأحمد (5/16) , والدارمي : الصلاة (1540) و قال الترمذي عنه: حديث حسن.

[18] أخرجه أبوداود (1078) وابن ماجه (1095)

[19] أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة، رقم: 881

[20] زاد المعاد في هدي خير العباد،  ابن قيم الجوزية، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت – مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة: السابعة والعشرون 1415هـ /1994، 1/ 366

[21] أخرجه البخاري، كتاب الجمعة ، باب الدهن للجمعة، رقم: 883

[22] الفقه الإسلامي وأدلته ، وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِي، الناشر: دار الفكر – سوريَّة – دمشق الطبعة: الرَّابعة، 2، 1278

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.