منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لِمَ الاحتجاجُ بالقضاء والقدر؟

اشترك في النشرة البريدية

بسم اللّهِ الرحمن الرحيم.

 

الحمدُ للّهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتَمِ الأنبياءِ والمرسلين، وبعدُ:

قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (مِن سعادةِ ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركُه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطُه بما قضى الله له) [رواه الترمذي وصححه الحاكم (699/1) ووافقه الذهبي، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (184/11) ] .

قال الإمام الطحاوي في (العقيدة الطحاوية): “وأصلُ القدرِ سِرُّ الله تعالى في خلقه، لم يَطَّلِعْ على ذلك ملكٌ مُقرّب ولا نبي مرسل، والتعمُّق والنظرُ في ذلك ذريعةُ الخِذْلان وسُلَّم الحِرمان ودرجة الطغيان؛ فالحذر كل الحذر من نظَرٍ أو فِكْرٍ، أو وسوسةٍ؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مَرامِه (أي: مَطْلَبِه).”اھ.

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: “خَرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يَومٍ والنَّاسُ يَتكلَّمون في القَدَرِ، قال: وكأنَّما تَفقَّأَ في وجْهِه حَبُّ الرُّمانِ مِنَ الغضبِ، قال: فقال لهُم: ما لَكُم تَضرِبون كِتابَ اللهِ بعضَه ببعضٍ؟! بهذا هَلَكَ مَن كان قَبلَكُم”. [رواه أحمد وغيره، وقال الشيخ الأرناؤوط: صحيح].

المزيد من المشاركات
1 من 21

لقد بحَثَ كثيرٌ من الناس في مسألة القضاء والقدر، فمنهم من تدبّر فتوقّف واهتدى وَتَبَصَّر، ومنهم من أطال النظر فلم يهتدِ وتحيّر، ومنهم من زاغ عقلُه فضلّ الطريق وكفر.

ولقد أُلِّفتْ كتبٌ كثيرة، وكُتِبت أبحاثٌ ومقالاتٌ عديدة حول هذه المسألة، فكان منها: الطويلُ المُمِلّ، والمختصرُ المُخِلّ، والمعقّدُ المُزِلّ!

 

وبعد أن اطّلعتُ على بعض ما أُلِّفَ في هذه المسألة، وجدت أنّ خيرَ كلامٍ فيها مُسطّرٌ في كتاب ربّ العالمين؛ ففيه غُنْيَةٌ عن كلام الباحثين، وسلامةٌ للمؤمنين.

 

قال تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة 29].

وقال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة: جزء من الآية 255].

وقال تعالى لملائكته: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: بعض آية 30].

وقال تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [آلعمران: 154].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

وقال سبحانه: (إنّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس: 44].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئِل النّّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن أولاد المشركين؟ فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) [متفق عليه].

فاللهُ بكلّ شيء عليم، ولا نحيط بعلمه إلا ما عَلّمَنا، ويعلم ما في صدورنا من إيمان أو كفر، ويعلم الصادق منّا والكاذب، ويعلم من يستحقّ الرحمة ومن يستحق العذاب، ومُنزّه عن الظلم.

وقال تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران: 40].

وقال تعالى عن نفسه: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) [البروج: 15-16].

وقال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء111].

وقال -سبحانه- عن نفسه أيضأ: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23].

فالله -سبحانه وتعالى- يفعل ما يشاء، ولم يتخذ شريكا معه في مُلكه، فلا يجوز لأحد أن يتدخّل في حكمه، ويَسْأَلُه عَمَّا يَفْعَلُ!

وقال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون 115].

وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) [الأنبياء16].

وقال تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1].

 

فاللّهُ -سبحانه وتعالى- لم يخلق هذا الكون عَبَثاً، وهو يَعْلم الحكمة مِن خَلْقِنا، وخبيرٌ بما خلق.

إن بعض الملاحدةَ الذين اعترضوا على قضاء الله وقدره، قالوا: لِمَ خلق الله هذا الكون على هذا الشكل؟ ولِم خلق كائناتٍ تضرّ ولا تنفع؟ ولِم حرّم علينا أشياء ونحن نحبّ تناولها، وأحلّ أشياء نكرهها ولا نقبلها؟

لقد اعترضوا، وكأنهم قد أحاطوا بكلّ شيءٍ عِلْماً، ورأوا أنّ هذا الإله الذي يؤمن به الناسُ، صورتُه غيرُ مُنطبقةٍ مع صورة الإله الذي وضعوه في مُخَيِّلَتِهم؛ ظنّاً منهم أنّ عقولهم كاملة، وعندهم الأهلية للحكم على من يستحق الألوهية ومن لا يستحقها!

فهم -في حقيقة الأمر- يؤمنون بفكرة وجود الإله، ولكنهم ينكرون هذا الإله الذي يؤمن به المسلمون. لقد جهلوا الحكمة الإلهية والصفات الربانية؛ فوقعوا في الجحود والإلحاد!

 

روى أحمد وأصحاب السنن عن ابن الدَّيْلَمِي، قال: لقيتُ أُبَيَّ بنَ كعب، فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فحدِّثْني بشيء لعله يذهب من قلبي. قال: لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضِه، لعذَّبهم وهو غيرُ ظالم لهم، ولو رَحِمهم كانت رحمتُه لهم خيرًا من أعمالهم، ولو أنفقتَ جَبلَ أُحُدٍ ذهبًا في سبيل الله، ما قَبِله الله منك حتى تُؤمِنَ بالقدرِ وتعلمَ أن ما أصابك لم يكن ليُخطِئَك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبَك، ولو متَّ على غير ذلك، لدخلتَ النار، قال: فأتيت حذيفةَ فقال لي مثل ذلك، وأتيت ابنَ مسعود فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيدَ بنَ ثابت فحدَّثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

ولقد سأل أحدُ الصّحابة النّبِيَّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- عن القضاء والقدر، فكان جوابُه -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- صريحاً وواضحاً وحاسِماً؛ حتى يغلق بابَ الاحتجاجِ بالقضاء والقدر لترك العمل واقتراف الذنوب والآثام، فلقد روى الإمامُ مسلم في «صحيحه» عن جابر بن عبد الله قال: “جاء سراقة بن مالك بن جعثم فقال: يا رسول الله بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أمْ فيما نستقبل؟ قال: (لا، بل فيما جفت به الأقلامُ وجرت به المقادير)، قال: ففيم العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله).”

 

إنّ الذين يحتجّون بالقضاء والقدر على فعل المعاصي، حجّتهم واهية أوهى من بيت العنكبوت؛ لأنهم لم يطّلعوا على اللّوح المحفوظ، ولم يُخبرهم أحدٌ أنهم من أهل الشّقاوة، فكيف علموا أنه كُتِبَ عليهم فِعلُ المعاصي والمنكرات، أو كُتِب عليهم الكفرُ والإشراك؟

قال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) [الأنعام148].

وقال سبحانه: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [الزخرف20].

إنّ الإيمانَ بالقضاء والقدر يُعدُّ أحد أركان الإيمان، ففي حَدِيثِ جِبْرِيلَ -عليه السلام- حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ؟ أجابه -صلّى اللّهُ عليه وسلّم: (أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ.) [جزء من حديث جبريل -عليه السلامُ- الذي رواه الإمامُ مسلم].

 

فمَنْ كان مؤمنا؛ فعليه أنْ يترك هذه الاحتجاجات الباطلة، ويعمل بما جاء في كتاب الله مِن آياتٍ بيِّنات، تدعوا المؤمنين إلى فعل الخيرات واجتناب المحرّمات والمَنْهِيات؛ منها:

  • قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) [الأحزاب 36].
  • وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110].

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.