منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لحظات برزخية

لحظات برزخية/فيحاء نابلسي

0

لحظات برزخية

بقلم: فيحاء نابلسي

كانت قد تجاوزت مدخل البناء ببضع خطوات قبل ان تتوقف برهة وتعود بضع خطوات الى الوراء.

تأملت سيارة النقل المحملة بالأثاث والامتعة.

” اذا…. هم حقا ينتقلون.”  همست في نفسها.

الجيران يتحدثون منذ اشهر عن انتقال بيت ام حسن الى منزل اخر، ومع ذلك استوقفها المشهد.

لم تعد تذكر متى انقطعت الصلة في ذهنها بين الكلمة والفعل. الان فقط عند رؤية الأثاث المحمل ادركت انهم راحلون.

اخذت تصعد درجات السلم ببطء وهي تحاول رصد احساسها.

لا بد انها حزينة، نعم…قلبها ينقبض وهي تقترب من الباب. ستفتقدهم بعد عشرة عمر، لابد، عشر سنين في جوارهم، اصبحوا كالأهل بالنسبة لها، ولكن ذلك الشعور المخجل دائما ما يتسلل اليها، يفاجئاها، يطل من عينيها بريقا خجولا تحاول اخفاءه بصعوبة.

لم تستطع مقاومته اكثر من ذلك.

تمتمت بمتعة ” اعشق لحظات التغيير.”

تابعت طريقها تستشرف متعة اللحظات.

استقبلتها الردهة الامامية للمنزل، حزّ في قلبها خواءها المقفر، حاولت ان تستعيد المشهد قبل أيام، لم تفلح ذاكرتها في استعادة الصور.

مضت الى الداخل، صدمها الفراغ وخلو الجدران من الصور.

لا شيء !!! حيطان بكماء باردة،

هناك على ذلك الجدار كانت صور الأولاد بمراحل أعمارهم وذكرياتهم، وهناك في وسط الجدار كانت الساعة الكبيرة التي طالما فجاءتها بطول اقامتها عندهم، لم تعد هنا الان لتبهها بدقاتها لضرورة القيام وتاجيل القصص التي تتوالد م بعضها الى يوم اخر.

” لا بد انها حزينة، الفراق مؤلم.”

لكنها لا تتقن فن الحزن.

الجارات يتجمعن حول ام حسن عيونهن ملآى بعبرات مخنوقة، يواسينها ويخففن عنها الم الرحيل.

يصعب على المرء تقب التغيير أحيانا. يركن الانسان الى المألوف فينقلب المتغير ثابتا وراسخا، ترهب النفس تحوله وتغيره.

غريب تفكير الانسان.

كل ما حوله متحرك ومتغير، كيف يفاجئه التغيير ؟

الشمس تتحرك في السماء طوال النهار، تشرق كل يوم من موقع جديد وتغرب في موقع جديد.

القمر يكبر ويصغر، يظهر ويختفي, يحاول اقناعهم ان لا شيء ثابت في الكون.

انساب بصرها مع السحاب الطويل الذي جرى بصعوبة ليغلق الحقيبة المحشوة بالثياب، بعد قليل سيفتح في مكان اخر.

بداية… ونهاية، بينهما لحظات.

لطالما عشقت هذه اللحظات البرزخية التي تنهي شيئا لتبدأ شيئا اخر.

هذه اللحظات التي ترصدها في كل حدث, هي فقط من يوقف دبيب الظلمة في نفسها تاركة لها مساحة مضيئة تجعلها تأمل ان هذه اللحظات ستصل اليها يوما ما، لم يرهقها طول الانتظار بعد، ما زالت تترقب وصولها لتغير عالمها وتهبها بداية جديدة.

الحقيقة، هي لا تفتأ تترقبها في كل شيء حولها وعلى مدار السنة، تترقبها في اضمحلال مياه النبع اخر الصيف وتدفقها اخر الشتاء، تشعر بخرير الماء فوق الصخور شلال غبطة يروي قلبها لتورق فيه براعم الامل، ترصده في اسراب الطيور الراحلة اخر الصيف وأسرابها العائدة اول الربيع، في اكتساء الأشجار بعد عري، في تناثر السحب واجتماعها، في كل لمحة وكل حدث.

حتى انها ادمنت زيارة الكورنيش البحري فقط لتتأمل المساحة الكبيرة التي كانت منذ سنين قليلة بحرا تضرب امواجه حيطان المدينة القديمة.

الان يمتد ارضا صلبة تتعالى فوقها الفنادق والمطاعم، يمشي الناس فوقها باطمئنان.

هل يا ترى يتذكرون كيف كانت الحصى تتدحرج مع الأمواج، والاسماك الصغيرة تتقافز بين اعشاب البحر المتشابكة، تغير المشهد الان وكان شيئا لم يكن.

كيف يمكن للإنسان ان يفاجأ بالتغيير وكل ما حوله متغير !!!

لماذا تفيض عينا ام حسن بكل هذا الحزن ! بعد قليل ستحظى ببداية، هل هناك اجمل من البدايات !!

رحلت اخر الصناديق من المنزل.

اصبح البيت خاويا تماما، لا شيء فيه يحتضن الأصوات ويختزنها.

الجدران ترجع الصدى وتبعثره في الفراغ معلنة نهاية حكاية ز

ليست كل النهايات حزينة، النهايات تحمل في ذيلها بدايات…. بدايات ونهايات…. ههههه هذه هي الحياة.

أغمضت عينيها وسافرت الى قفار بعيدة، هناك حيث كانت تطفأ النار، تنزع اوتاد الخيام، تُحَل الحبال وتطوى الخيام ثم تسري القافلة تاركة الريح تمحي أثارها.

تمحي نهاية لتخط بداية أخرى في مكان اخر الى اجل.

ربما كانت لحظات الرحيل الغافية في جيناتها من ألف عام، هي التي تملؤها بهذا الإحساس!

ذاك الشعور بالأنية، بان كل شيء مؤقت وآني، كل شيء الى اجل.

في اليوم التالي كان باب بيت ام حسن مفتوحا على مصراعيه.

ورشة الدهان بات العمل في وقت مبكر. العمال يكشطون الطلاء الباهت عم الجدران، يزيلون بصمات الأصابع واثار الايدي، يزيلون معها كل الضحكات العالقة بالجدران وكل الحكايات المختبئة في زوايا الغرف.

غبار الطلاء المتساقط على الأرض فتات ذكريات راحلة.

بعد أيام سيملأ المكان اثاث اخر، وتعلق على الجدران صور أخرى، ستسكن في ارجاء البيت أصوات أناس اخرين وستعبق روائحهم، سيشهد المكان بداية جديدة.

يبقى المكان ويتغير المكين.

بدايات ونهايات، لحظات برزخية تؤكد ان لا شيء يبقى، لا شيء يستمر، لا شيء يدوم الى الابد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.