منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مهارات الاجتهاد المقاصدي كما يراها الدكتور سالم عبد السلام الشيخي

0

تتمة لما أبرزنته في مجال علم المقاصد ، وتحديدا علاقة الاجتهاد بهذا العلم الجليل ، أود من خلال هذا المقال أن أشارككم ما حظيت بشرف المشاركة فيه والاستفادة منه ، ويتعلق الأمر بدورة تدريبية تكوينية في مهارات” الاجتهاد التنزيلي لفقه المصالح والمفاسد ” دامت ثلاثة أيام برحاب جامعة شعيب الدكالي ، تحت إشراف مركز الدكتوراه بتنسيق مع مركز المقاصد للدراسات والبحوث ، وقد أطر الدورة فضيلة الدكتور سالم عبد السلام الشيخي – عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث -، والدورة شملت أزيد من سبعين باحثا بمركز الدكتوراه من مختلف جامعات المغرب ومن خارجه كذلك ، والحقيقة أن الرجل قد أتى بما لم يأت به الكثيرون في هذا المجال ، بل إن الطريقة التي عرض بها مشروعه المقاصدي نالت من الاستحسان من طرف الحاضرين ما يبرز خطورة هذا الموضوع وجلاله. 

لقد أراد فضيلة الدكتور من خلال هذه الدورة تحقيق أهداف عامة شمولية تستهدف علم المقاصد بشكل كلي ، وذلك من خلال تعميق الفهم لحدود الكليات الخمس المقاصدية وضوابطها ، ولمراتب المصالح الثلاث : الضرورية ، والحاجية ، والتحسينية ، ولقواعد الموازنة والترجيح وضوابطهما في فقه المصالح والمفاسد.

كما كانت غايته التنبيه إلى ضرورة الاعتناء والاهتمام بأسس التفريق بين مراتب المصالح الثلاث  ، لما لذلك من اثر خطير في صناعة الإفتاء المعاصر ، وذلك من خلال التعريف ببعض أسباب الخلاف بين العلماء قديما وحديثا ، والتي تعود أساسا إلى الاختلاف الناتج عن الموازنة أو الترجيح في فقه المقاصد.

إن الأهداف سالفة الذكر إن تحققت ؛ لا بد وأن تثمر نتائج يستطيع من خلالها الباحث ومعه المفتي– كما يرى الدكتور- قادرا على تحليل النص الشرعي أو الفتوى تحليلا مقاصديا مصلحيا ، أي تجزئة النص أو الفتوى وتقسيمها إلى معان كلية وجزئية على وفق معايير مقاصدية ، تتعلق بالكليات الخمس المقاصدية ومراتب المصالح الثلاث .

كما يكون قادرا كذلك على تحليل النصوص والفتاوى الشرعية تحليلا مقاصديا مصلحيا لاستخراج واستنباط المصالح والمفاسد ، ومن تم إعمال قواعد الموازنة والترجيح بينهما ، كما يستطيع من خلال ذلك القدرة على صياغة جواب فقهي ، يتضمن النظر المقاصدي الذي يجمع بين الأدلة الجزئية والقواعد المقاصدية الكلية ، فيتحقق بذلك اكتسابه لمهارات الاجتهاد المقاصدي في تحليله واجتهاداته الافتائية ، وقدرته على نقد الفتاوى والاجتهادات الافتائية بمعنى اكتسابه مهارات النقد المقاصدي ، بحيث يصبح متمكنا كذلك من استخدام المصطلحات المقاصدية في مواضعها ومواطنها الصحيحة ، كما يكون قادرا على تصوير المسائل الفقهية الاجتهادية ، وتوصيفها على وفق رؤية مقاصدية كلية.

المزيد من المشاركات
1 من 50

لقد أثار فضيلة الشيخ سالم عبد السلام الشيخي أسئلة مركزية جعلها إشكالات جوهرية للوصول إلى أجوبة محققة للأهداف سالفة الذكر : فكانت الأسئلة على النحو التالي : كيف نتحصل على المهارة المقاصدية ونتعرف عليها ؟ كيف نفهم النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية ؟ كيف نستفيد من قواعد المقاصد في الاجتهاد المعاصر ؟ كيف نفرق ونوازن بين المصالح والمفاسد ؟

والحقيقة أن هذه الأسئلة تنم عن كفاءة الرجل وإبداعه وقدراته في مجال الاجتهاد المقاصدي تنظيرا وتنزيلا، بحيث عالج الموضوع من خلال بابين عريضين،  الأول نظري والثاني جاء تطبيقيا ، لذلك سأعرض ما أراه يحقق المقصود بشكل موجز وإلا فالموضوع يحتاج إلى وقفات وتأملات ، فالغاية المرجوة تسليط الضوء على ماسماه فضيلته بالمهارات المرتبطة بالاجتهاد المقاصدي ، وتحديدا الاجتهاد التنزيلي لفقه المصالح والمفاسد.

ولتقريب مفهوم مهارة الاجتهاد التنزيلي لفقه المقاصد ،يذكر فضيلته على أنها ” صفة راسخة في النفس وأدوات ذهنية علمية يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية لوقائع المكلفين المشخصة من الأدلة الجزئية في ضوء المقاصد الكلية في الحال والمآل “.

وقد حدد فضيلته ثلاثة شروط لاكتساب هذا النوع من المهارة – مهارة الاجتهاد التنزيلي- أذكرها على النحو التالي :

  • الشرط الأول : الجهد المتواصل وكثرة التدريب على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة الجزئية في ضوء الالتزام بالمقاصد الكلية
  • الشرط الثاني : طول المدة الزمنية للعمل على ترسيخ هذه المهارة في النفس ، فالعلاقة طردية بين الزمن ، فكلما زاد الوقت  زاد رسوخ المهارة في النفس ، والعكس صحيح.
  • الشرط الثالث : الإتقان والدقة في تتبع   الخطوات المطلوبة في الاجتهاد التنزيلي لفقه المقاصد ، فكلما اعتاد المتدرب الحرفي بمسالك هذا النوع من الاجتهاد ، رسخت في نفسه مع الأيام المهارة بشكل صحيح وسليم.

أما على مستوى مجالات التدريب على مهارة الاجتهاد المقاصدي فقد حددها فضيلته في ثلاثة مجالات كبرى : – مجال الموازنة بين المصالح والمفاسد – مجال تحقيق المناط – مجال اعتبار المآلات.

أما فيما يتعلق بالمهارات الفرعية المطلوبة لمهارة الاجتهاد المقاصدي فأذكرها – كما يراها فضيلته – كما يلي :

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6
  • مهارة الإلحاق بالكليات الخمس المقاصدية .
  • مهارة الإلحاق بمراتب المصالح الثلاث : وهي الضروريات ، والحاجيات ، والتحسينات.
  • مهارة الموازنة والترجيح بين المصالح فيما بينها عند التعارض.
  • مهارة الموازنة والترجيح بين المفاسد فيما بينها عند التعارض.
  • مهارة الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد عند التعارض .
  • مهارة اعتبار فقه المال.
  • مهارة تحقيق المناط.

كما أورد فضيلته مهارات جزئية تتضمنها تلك المهارات السابقة والمتمثلة في :

  • مهارة التوصيف المقاصدي للمسائل الاجتهادية.
  • مهارة تحليل النصوص الشرعية على وفق قواعد المقاصد.
  • مهارة النقد المقاصدي.
  • مهارة استخدام المصطلحات والمفاهيم المقاصدية.
  • مهارة تصوير المسائل الفقهية على وفق قواعد المقاصد.
  • مهارة مناقشة الآراء المقاصدية والجواب عن المناقشات .
  • مهارة استخراج أسباب الخلاف المقاصدية .
  • مهارة التفريق بين القواعد الكلية والضوابط الفرعية في علم المقاصد .
  • مهارة جمع المسائل التي بنيت على قواعد المقاصد.

بعد هذه الدعامات المؤسسة للاجتهادي التنزيلي ، انتقل فضيلته إلى الجانب التطبيقي ، حيث ركز على أهمية استحضار فقه الواقع ، وهو يقصد بذلك ” فهم الأفعال الإنسانية التي يقصد تنزيل الأحكام عليها  وتوجيهها بمقتضى هذه الأحكام ، أي فهم حياة الناس بتفاصيلها في جميع المجالات الحياتية التي تتعلق بالإنسان ” فيلزم على ضوء هذا أن يستحضر المجتهد الواقعة المعينة ويستوعبها عند تحديد حكم الشرع فيها ، لا أن ينظر إليها مجردة ومطلقة.

وبالتالي عدم الإحاطة بالواقع إنما هو إساءة إلى الاجتهاد مهما عظم لدى المجتهد الإحاطة بالحكم “أي فيه إساءة إلى الحكم والواقع معا “.

ثم ذكر ركيزة أخرى من ركائز الاجتهاد ، وهو حديثه عن فقه الموازنات حيث ” الفهم في إدراك نسبة المصالح والمفاسد الشرعية عند تنزيل الأحكام ” ، ويعلم الممهتمون في مجال العلوم الشرعية  دور هذا النوع من الفقه في العملية الاجتهادية التنزيلية المقاصدية ، ففضيلته يؤكد حقيقة هذا الأمر بكون :

  • إعمال فقه الموازنات في الاجتهاد التنزيلي لفقه المقاصد يمثل البداية الصحيحة الرشيدة للاجتهاد التنزيلي ، ويحقق المقاصد الجزئية التي أرادها الشارع لذلك الحكم .
  • للموازنة أهمية كبرى في تمييز المصالح الحقيقية ومعرفة ماهو أولى وأصلح لتقديمه على غيره ، وكذلك بالنسبة للمفاسد فما كان منها أشد وأعظم ينبغي درأه ، وإنما يعرف كل ذلك من خلال فقه الموازنة بين المصالح بعضها مع بعض ، وبين المفاسد بعضها مع بعض.
  • إن إعمال فقه الموازنة يعين المجتهد في باب المصالح والمفاسد على تمييز بعض المفاسد التي تشوب المصالح ، فإنه من المقرر أن لا تخلو مصلحة من شائبة مفسدة ، وكذلك الأمر بالنسبة لتمييز المصالح التي تكون في بغض المفاسد.
  • إن فقه الموازنات يساعد المجتهد على معرفة أحكام القضايا المستجدة.

انتقل فضيلته إلى محور أساس في هذا الموضوع ، إنها مهارة الإلحاق بالكليات الخمس المقاصدية ، والتي تعتمد بشكل قوي في تفعيل عملية الترجيح بناء على ترتيب الكليات الخمس  المقاصدية – اعتماد قول جمهور الأصوليين كالغزالي والآمدي في الترتيب ، بجعل حفظ الدين في المرتبة الأولى ، ثم يلهيه ، حفظ النفس ، حفظ العقل ، حفظ النسل ، حفظ المال ” حيث هناك فريق يقدم النفس عن الدين – الرازي والقرافي والزركشي-.

فبعد إلحاق الأحكام  بكلي من الكليات الخمس المقاصدية ، تأتي مرحلة ثانية من الإلحاق ، وهي مهارة الإلحاق بمراتب المصالح الثلاث ” الضروري ، الحاجي ، التحسيني ”  ، وتكمن أهمية هذه العملية في إلحاق كل مصلحة بمرتبتها عبر خطوات عملية ، نذكرها كما حددها فضيلة الدكتور سالم الشيخي :

  • تحليل النص الشرعي أو الفتوى الشرعية وتحليل الواقع والواقعة تحليلا مقاصديا مصلحيا.
  • الالتزام بمعايير التفريق بين مراتب المصالح الثلاث لإلحاق كل مصلحة بمرتبتها .
  • استحضار المعايير والضوابط المتعلقة بالكليات الخمس المقاصدية لإلحاق كل مصلحة ، ثم تصنيفها وفقا للمراتب الثلاث بالكلية المناسبة لها .

أختم هذا المقال بمثال تطبيقي ذكره فضيلة الدكتور إلى جانب أمثلة أخرى :

فتوى جواز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد المريض طاهرا يقوم مقام الدواء النجس عند الحنفية وغيرهم .

فتحليل هذه الفتوى مقاصديا مصلحيا ، وإلحاق ما فيها من المصالح بمراتبها يتحدد على النحو الآتي :

أولا

  • تناول النجاسات أي مفسدة تناول النجاسات .
  • استمرار المرض والداء ، أي مفسدة المرض في الأبدان.

ثانيا : يمكن إلحاق المفاسد المذكورة بمرتبتها على الشكل التالي :

  1. مفسدة تناول النجاسات ، ملحقة بمرتبة التحسينات وفقا لمعايير التحسينات .
  2. مفسدة المرض في الأبدان ، إما ملحقة بمرتبة الضروريات إن كان هذا المرض يؤدي إلى إتلاف الأصل أو زوال منفعته ، أو يلحق بمرتبة الحاجيات إن كانت مفسدة المرض تؤدي إلى إيقاع الحرج والمشقة التي تؤدي إلى إتلاف الأصل أو زوال منفعته.
  3. هذه المراتب من المفاسد ملحقة كلها بكلي حفظ الدين ، أي تداول النجاسات مفسدة ملحقة بالتحسيني في حفظ الدين ، ومفسدة المرض إما ملحقة بالحاجي في حفظ البدن ، أو بالضروري في حفظ النفس ، وفي كل الحالتين فإن مراعاة الحاجي والضروري مقدم على مراعاة التحسيني ، ولذا أجاز العلماء في هذه الفتوى جواز التداوي بالنجاسات عند فقد الدواء الطاهر .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.