منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وداعًا رفيق القرآن…

وداعًا رفيق القرآن.../الدكتور حمود ردمان

0

وداعًا رفيق القرآن…
بقلم: الدكتور حمود ردمان

“كتبها في رثاء رفيق دربه وصديق عمره الدكتور عبد الوهاب حسن محمد الفقيه”

العبد القانت الأوَّاب… الحالُّ المرتحل بالقرآن

إلى جنات الخلد صديق عمري ورفيق دربي الدكتور المقرئ رفيق القرآن: عبد الوهاب حسن محمد الفقيه، الذي غادر دنيانا سريعًا.. لقد دعاه ربُّه ليقابله في عرفات، فلبَّى النداء حاجًّا ملبيًا، ثم خُتِم له بهذه الخاتمة الحسنة.

يا رفيق القرآن…لقد أحسنت مصاحبة القرآن، لقد كان جليسك وأنيسك…نهيم في أحاديث الدنيا وأنت تترنم بآيات ربك.

أيا رفيق القرآن رحمه الله تغشى روحك الطاهرة العطرة ونفسك المخبتة النقية التقية…

أيا رفيق القرآن لقد ختمته مرَّات عديدة في ليلة واحدة…من يقدر على ذلك….وحتى قبيل موتك ختمته يوم عرفة في ذلك المقام الطيب المبارك ختمة كاملة…رغم مشقة ذلك اليوم وعسره ولكن لسانك رطب بالقرآن…

يا رفيق القرآن لم تكن تهدأ نفسك إلا عندما ترتل آي الذكر الحكيم…

يا رفيق القرآن ختمته في ركعة واحدة أسوة بذي النُّورين…

يا رفيق القرآن عاقبت نفسك يوما لتفلُّت شيء يسير من وردك اليومي فقرأت ختمة كاملة تأديبا لنفسك…

يا رفيق القرآن ستفتقدك مساجد كثيرة ختمت فيها القرآن…

يا رفيق القرآن قد أقبلت على ربِّك بعد أداء الحج كيوم ولدتك أمك…

يا رفيق القرآن أتعبت الحفاظ بعدك… قد كنتُ جليسَك وصديقَك لسنوات عديدة ولم أعرف مقدار وردك من القرآن، فقد كنت تجلس الساعات الطوال ترتل وترتل والشوق يحدوك ليكون القرآن شفيعك…

يا رفيق القرآن لم تكن تخبر أحدًا بمقدار وردك… أخبرني الشيخ المنيب إبراهيم يعقوب أنه سألك وألحَّ عليك السؤال قبل رمضان الماضي فأخبرته أنك كنتَ تختم في كل يومين… لقد كان القرآن يجري على لسانك مثل الماء العذب الزلال.. ودعني أزيد على ما ذكره الشيخ المنيب أنك كنتَ تختم في اليوم في بعض الأحيان أكثر من ختمة.. ولكنك لم تخبر أحدًا بذلك…كان القرآن الهواء الذي تتنفَّسه… لا تستطيع العيش بدونه.
يا رفيق القرآن لقد أجاب الله دعاء جدِّك الصالح (محمد) -رحمة الله عليه- عندما كان يطلب منك أن تقرأ عليه سورة يوسف بصوتك الشجي الندي الجميل… فإذا به يبكي بكاء شديدًا تأثرًا بالقرآن… ثم يدعو لك (اللهم اجعلك تشرب القرآن شربًا)… نعم لقد أجاب الله تلك الدعوة المباركة فما كنتَ تقرأ من المصحف أبدًا… كنتَ دائمًا تقرأ عن ظهر قلب ولا تتلكأ أو تتلعثم أو يختلط عليك… لقد كان إتقانك للقرآن عجيبًا… لقد كنتَ ماهرًا بالقرآن…فهنيئًا لك مصاحبة السفرة الكرام البررة… الذين رافقتهم في دنياك وقت ترتيلك ورافقوك… وما أظنهم الآن إلا بجوارك يثبِّتونك ويبشِّرونك ويهنِّئونك… فأبشر بتنزُّل الملائكة الكرام…

يا رفيق القرآن أبشر بشفاعة القرآن…ستشفع لك كلماته وحروفه…ستشفع لك الختمات التي ختمها… ستشفع لك زوايا المساجد ومحاريبها التي كنتَ تترنم فيها.

يا رفيق القرآن قد كنت نعم الصاحب للقرآن… وما أظن أننا نجد في هذا الزمان من يصحب القرآن مثلك… سيفتقدك القرآن… سيحنُّ إلى صوتك الشجي وترتيك العذب.

يا رفيق القرآن نم قرير العين، مرتاح البال، فقد أقبلت على رب كريم رحيم…

يا رفيق القرآن صبرت على شدِّة الحياة وقسوتها ولم تبدِّل تبديلًا، ولم تك شاكيًا حالك لأحد، لقد كان رفيقُك يمنعنك، لقد كان الحياء لا يفارقك… حتى متَّ وحاجاتك في صدرك لم يطلع عليها أحد سوى خالقك… فلا تقلق سيكرمك… سيعوضك عن هذه الحياة الفانية بنعيم سرمدي أبدي… أنت الآن بين يديه وهو الكريم الوهاب، الجواد الكريم… وما أظنك الآن إلا تتقلب في النعيم… نسأل الله لك أحسن الجزاء وأكرمه وأفضله وأجزله.

يا رفيق القرآن لقد أكرمتَ رفيقَك ولم تهنه، ولم تطلب به الدنيا، بل ارتضيت ضيق الحال والصبر حتى المآل… ولكن الله أراد ألا يكون ثواب مصاحبتك لكتابه إلا عليه… فها قد قدمت عليه… كأني بك تقول لنا: لقد أكرمني الله، وأجزل لي العطاء، فلا تحزنوا عليَّ، ولا تبكوا، ولا تقلقوا… بل أحسنوا مرافقة القرآن حتى تنالوا ما نلتُه… وتذوقوا ما ذقتُه… { يا ليت قومي يعلمون يما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}.

يا رفيق القرآن رحمات الله عليك تترى إلى يوم الدين…

يا رفيق القرآن قلتَ لصاحبك ورفيقك في الحج قبل مماتك صوِّرني مع القرآن… وكأنك توثِّق صلتك يا رفيق القرآن بأنيس روحك وجليس عمرك… الذي ما هجرته ولا تركته، بل لم يغيب عن بالك وخَلَدِك لحظة… لقد كنتَ دائمًا تقول لي (القرآن رأس المال)… نعم! نعمت تلك التجارة الرابحة التي لن تبور.

يا رفيق القرآن لا أجد ما أعزي نفسي بعدك، ولكن عزائي أن الله قد ختم لك بخاتمة حسنة طيبة تهفو لها النفوس وتتشوق إليها القلوب والأفئدة…

يا رفيق القرآن وداعًا، يا صاحب الابتسامة الصادقة التي ما فارقت محياك… وداعًا يا صاحب الوجه الأنور الذي كان يتلألأ بنور القرآن… لقد كان نور القرآن ظاهرًا في قسمات وجهك، وفي جبينك الأغرِّ الأزهر…

يا رفيق القرآن على الحوض الملتقى بإذن الله تعالى…
اللهم أكرم ضيافته ووفادته فقد كان لا يملُّ قطُّ من تلاوة كتابك، اللهم اجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة…
اللهم آمين آمين

وداعًا رفيق القرآن … ولكن عما قريب سنلتقي إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.