منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كشف الحجاب للعارفين أولي الألباب، لقاء الإمام الحرالي المراكشي بالإمام أبي سعيد الباجي أنموذجا

خالد برادة

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

 تصفوا قلوب المحبين لله تعالى فتسمو أرواحهم نشوى مرددة لحن السماء بنغم أصيل، إنه ذكر الله العلي الجليل، ويترنم الكون مغردا بالذكر موحدا، فيهزّ وقعه أوتار المشاعر، فأنعم بمن أُطرف بذكر إلهٍ عزيز وغافر.

ولا غروَ بعد فيض الطهر والصفاء، الذي يشعُّ من جوانحه الضياء، أن يفتح الله تعالى لعباده -الذين أصابوا بنصيب وافر من طهارة الروح وصفائها المزدان، ومن سنا ضيائها بالإيمان- من فيوضاته، ويكشف لهم الحجاب، بعد أن أزالوا عنهم حجب الشهوات والشبهات، فيرى الحبيب حبيبه بعين البصيرة -وهي عين الحقيقة- قبل أن يقع عليه البصر؛ وتلك كشوفات وفيوضات من رب الأرباب، لمن أَجلَّ الكتاب، وهو كتاب ربهم الذي أيقنوا أن فهم خطابه لا ينال شرفه إلا من زكى نفسه، وجعل الذكر أنسه؛ مستحضرين قول الله تعالى ﴿يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة(سورة الجمعة: 2)؛ فعند تزكية النفس ينداح الفهم على القلوب، من لدن علاّم الغيوب؛ فيملؤ العبد وِطابه، ويلجُ إلى فهم الكتاب من بابه؛ فيقف على الفهم السديد بإقباله الكليّ على مولاه جلّ في علاه، لأنَّ قلبه سما إلى مدارج الكمال، وحلّق مع الأرواح في عالم الكبير المتعال؛ فارتقى حتى كأنه يسمع القرآن من الله تعالى، وهذه أعلى مراتب الارتقاء في سماع القرآن الكريم، التي أشار إليها أبو سعيد الخراز (ت 277هـ)[1]؛ وإن محل الفهم هو القلب المشرق بنور الله تعالى، فيستنبط أهل الفهم -بقلوبهم- من القرآن ما لم يبده منزله جل في علاه لغيرهم؛ فـ “بحضور القلب، وغيبته عن أشغال الدنيا يحصل الفهم”[2].

ولله دَرُّ رجال سيط الإيمان بأحوالهم، وامتزج الإحسان بأرواحهم، وخالط اليقين بشاشة قلوبهم؛ كالشيخ أبي الحسن الحرالي المراكشي (ت 638هـ) الذي أخذ عن شيخه الإمام القرطبي (ت 631هـ) بالمدينة المنورة قوانين فهم القرآن الكريم؛ حيث تَفَهَّم عليه سورة الفاتحة في أربعة أشهر؛ وقد ذكر مناقب شيخه، حيث إنه كان زاهدا، أقام على باب الله عشرين سنة، وقد فتح الله عز وجل عليه حظا من التطرق للفهم؛ ومن ثم كان يفيد قوانين في التطرق إلى الفهم، تتنزل في فهم القرآن منزلة أصول الفقه في فهم الأحكام[3]؛ وقد بيّنَ الإمام الحرالي ها هنا أن لفهم القرآن الكريم قوانين، وأن السلوك إلى الله تعالى يفتح على العبد فيوضات الفهم، وذلك لما أشار إلى الارتباط الوثيق بين تفهم سورة الفاتحة على شيخه الإمام القرطبي، وتنسكه الرباني، وقد سما الحرالي بتصوفه لما أخذ عن الإمام التصوف العملي القويم، كما أخذ عنه قوانين فهم القرآن الكريم[4].

وقبل هذا اللقاء المبارك الذي جمع الحرالي بالإمام القرطبي في طابة الطيبة -وقد حاز شرف صحبته- هزّه الشوق ليلتقي رجلا من أهل الله تعالى، فهبّ خفوفه قاصدا تونس من المغرب؛ وعند وصوله إليه استحيى الشيخ الحرالي أن يقابل الشيخ الذي قصده؛ وسبب استحيائه هو أنه –الحرالي- كان يلبس ثيابا رفيعة[5]، وبعد تردد وإحجام أقدم الحرالي على الدخول فراقه ذاك السمو المنظور، والسمت الحسن من الشيخ الجالس الوقور، وهو العارف بالله تعالى، الشيخ أبو سعيد الباجي (ت 628هـ)، الذي “أمسك على يد الحرالي، وتبسم في وجهه، وقال يا أبا الحسن: الأحباب لا يحجبهم رقة الثياب، فتكلم ما خطر ببال الحرالي”[6]، ولم يكن قد رآه في سالف الأيام والليالي؛ وهذه من الكرامات الربانية للسادة الصوفية، وسبحان من أزجى كراماته عليهم؛ وغير خاف أن أرواح أهل الله تعالى تتصافح قبل أجسادهم، فالأرواح جنود مجندة؛ وهؤلاء هم الأحباب الذين اجتمعوا على ربِّ الأرباب، وأرادوا الوصول إلى فهم الخطاب -بإقبالهم على صاحب الخطاب- بقلب نقيٍّ طاهر، وذلك بتعرفهم على صاحب القرآن، الذي هو الله جلّ في علاه، ومحبتهم الإيمانية فيه التي سمت بهم لنيل رضاه.

المزيد من المشاركات
1 من 18

ولا يُظن أنَّ الإمام أبا الحسن الحرالي قد لجأ إلى الرحلة للقاء أهل الله تعالى لأنه لم يكن إذاك قد نال حظا وافرا من المعرفة الصوفية، بل إنّه “راسخ القدم في الولاية”[7]، فقد بدأ تصوفه جليّاً مذ كان في مدينة مراكش التي وُلد بها[8]، ومن ثَمَّ فهو يُعدُّ “إماما في علم التصوف.. وزاهدا زهدا حقيقيا بالظاهر والباطن”[9]؛ وقد تفضّل الله تعالى عليه بكرامات ومكاشفات تشهد له بالولاية[10]؛ ولكنه اشتاق لرؤية إخوانه الصوفية، وهم الذين رأوا هالة مخبره، قبل أن يروا حالة مظهره.

لقد أزال السادة الصوفية عن قلوبهم حُجُبَ الشهوات والآثام، التي انطلت على السَّواد الأعظم من الأنام، فكشف الله لهم ما لم يظهره لغيرهم، واختصهم بشرف ولايته، ووراثة سر أنبيائه، فوصلوا إلى عين الحقيقة، وذلك لما عرفوا الله تعالى حق معرفته، فزادهم ذلك قربا منه، وصحبة في كنفه؛ وأولى بنا أن نصحب من ورث نور النبوة عن الأنبياء، وأعني بهم الزاهدين الأولياء، وسبحان القائل: ﴿الرحمن فاسأل به خبيرا (سورة الفرقان: 59).


[1] – انظر: اللمع، أبو نصر السراج الطوسي، تحقيق: د. عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة، مصر، 1380هـ/ 1960م، ص 114.

[2] – المرجع والصفحة نفساها. (بتصرف يسير).

[3] – انظر: مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل، أبو الحسن الحرالي المراكش (ت638هـ)، ضمن تراثه في التفسير، تحقيق: محمادي عبد السلام الخياطي، سلسلة تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي (1)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 1، 1418هـ/ 1997م، ص 27، 28. (بتصرف يسير).

[4] – لما تعرض الدكتور محمادي الخياطي لبيان شيوخ الإمام الحرالي، لم يَفُته أن يذكر من بينهم الإمام القرطبي، وقد نبّه إلى أن “الحرالي لم يأخذ عن القرطبي منهجه في تفسير القرآن وفهمه فقط، بل أخذ عنه التصوف أيضا بصورة عملية، إذ حديثه عن الزهد وإقامته على باب الله عشرين سنة، يدل على إعجاب بهذا السلوك الصوفي، ومشاركة وجدانية له في كل ما وصل إليه”. انظر: أبو الحسن الحرالي المراكشي: آثاره ومنهجه في التفسير، د. محمادي الخياطي، مركز الدراسات القرآنية، سلسلة مناهج المفسرين (1)، ط1، 1433هـ/ 2012م، ص 74.

[5] – أشار ابن الطواح في وصفه للحرالي إلى نوع ثيابه الحسنة، نقرأ ذلك في قوله: “كان لا يلبس إلا ثياب اللانس”. انظر: سبك المقال لفك العقال، عبد الواحد بن محمد الطواح، تحقيق: د. محمد مسعود جبران، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ط 2، 2008م، ص 104.

[6] – مناقب الصالحين، مجهول المؤلف، نقلا عن: أبو الحسن الحرالي المراكشي: آثاره ومنهجه في التفسير، د. محمادي الخياطي، ص 84. (بتصرف يسير).

[7] – انظر: سبك المقال لفك العقال، ابن الطواح، ص 104.

[8] – ينص الغبريني، والسملالي على أن الحرالي “كان بدء أمره بمراكش، ثم تخلى عن الدنيا”. انظر: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، أبو العباس أحمد الغبريني، تحقيق: عادل نويهض، بيروت، 1969م، ص 143. والإعلام بمن حلّ مراكش وأغمات من الأعلام، الحسن بن إبراهيم السّملالي، مراجعة: عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، ط 2، 1418هـ/ 1997م، ج 9، ص 102.

[9] – انظر: توشيح الديباج وحلية الابتهاج، بدر الدين القرافي، تحقيق: د. علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، 1425هـ/ 2004م، ص 147. والإعلام بمن حلّ مراكش وأغمات من الأعلام، السّملالي، المرجع السابق، ص 104.

[10] – ذكر أبو العباس الغبريني بعضا من كرامات الإمام الحرالي، في: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، تحقيق: عادل نويهض، دار الخلافة الجديدة، بيروت، ط 2، 1979م، ص  149- 152.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.