منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كلْ على ذوقك والبس على ذوق الناس

فيحاء نابلسي

0

كلْ على ذوقك والبس على ذوق الناس

بقلم: فيحاء نابلسي

عندما يتعالى صياح أبي العبد وقت الظهيرة نعرف أنّ أم العبد قد طبخت طبخة جديدة أو أنها أدخلت مكونّاً غير مألوف على طبختها.
في صباحيات النسوان تتبادل النساء الخبرات وآخر صيحات المطابخ، وأم العبد من النساء اللواتي تستهويهن تجريب وصفات جديدة، ولكن المشكلة أنّ زوجها لا يتقبّل أي تغيير.
حال تذوقه أول لقمة واكتشافه للطعم الجديد يضرب الطبق بالملعقة، وينظر إلى زوجته التي تبدأ بسرد الوصفة التي جربتها أم فلان وأم علان والتي طيّرت عقل أهلها وجنّنت ضيوفها، السير التي لا تقنع أبي العبد أبداً فيتأفف ثم يحوقل ويحتسب مكرّرا مبدأه في الحياة، كلْ على ذوقك والبس على ذوق الناس، وينتهي به الأمر إلى تناول حبّات من الزيتون مع كأس شاي.
بالنسبة لي أحب تجريب الوصفات الجديدة والنكهات الغريبة، ربما لأن تغيير المذاق هو الشيء الوحيد الذي نملك تغييره في الحياة.
في القراءة أيضا أتقبل الترشيحات، لا مانع من الإطلاع على ألوان مغايرة لذائقتي الأدبية.
بعض الترشيحات تصيبني بخيبة أمل وبعضها تكون مُرضية إلى درجة كبيرة.
قرأت تقديما لإحدى الروايات وأغرتني عبارة “السرد محبوك باحترافية عالية، لا يمكنك أن تحذف أي كلمة من الرواية.” وبينما كنتُ أدفّش العبارات شعرتُ بأني لو حذفتُ الرواية كلّها لن يتغير المعنى!
معقول لهذه الدرجة تتباين الذائقات ؟
وعلى مبدأ ” إذا ذاع صيتك افرش ونام” فإنّ بعض الأعمال تأخذ قيمتها من شهرة كاتبها أو وصوله إلى العالميّة وانتشاره، فتصبح أقرب إلى القداسة التي لا يجرؤ أحد على انتقادها .
رواية ” أولاد حارتنا ” مثلاً ربما يكون رأيي بها صادماً، بغض النظر عن كاتبها الذي يُعتبر انتقاده لدى البعض مسألة أمن قومي.
أثناء قراءتي لها شعرت حرفيّاً وكأني دخلت مكبّ نفايات، من كثرة تكرار كلمات البعوض والقمل والقاذورات والجوزة والحشيش، لا يمكنني بأي شكل تجاهل التناص الفج والممسوخ مع قصص الأنبياء ومحاولة الكاتب المستميتة للتقليل من شأنهم وتشويه سيرهم مما جعلني أتجاوز صفحاتها على عجل.
ترشيح أخر لرواية ” تغريبة القافر ” كان مرضياً إلى حد كبير. على عظم المسافة في الصيت والسمعة بين اسم ” نجيب محفوظ ” و ” زهران القاسمي”، إلّا أنّ ” تغريبة القافر” كانت بحق واحة الريّان بعد قفار ” أولاد حارتنا.
أشياء كثيرة في الحياة غير القراءة والأكل واللباس نقوم بها بناء على اقتراحات وترشيحات من حولنا، خصوصا بعد انتشار الميديا وهوس الظهور والكلام، مع ذلك بالنسبة لي قررت تغيير المثل المذكور بداية، ليصبح :
” كلْ على ذوقك والبس على ذوقك وأبدي رأيك فيما تقرأ على ذوقك أيضاً ولا تسأل عن الناس.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.