منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نماذج من المصالح المعتبرة في اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه

نماذج من المصالح المعتبرة في اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه - الدكتور الطيب رحماني

0

نماذج من المصالح المعتبرة

في اجتهادات عمر بن الخطاب

رضي الله عنه

 

الطيب رحماني

 

كان الصحابة رضي الله عنهم يتلقون القرآن بنية التنفيذ ويقرِنون العلم بالعمل، فلا يكاد الواحد منهم يحفظ النص حتى يجد أثره في سلوكه، فكان نظرهم الفقهي في الغالب موافقا لروح الشريعة ومقاصدها، وعملهم مكللا ناجحا، وأثرهم نبراسا يدل التائه ويرشد الحيران.

وقد تجلى هذا في سير الخلفاء الرشدين أكثر من غيرهم بحكم مباشرتهم لشؤون العامة وتحملهم أعباء الحكم، فكان كل منهم يحرص على أن يمضي أحكام الشريعة ممتثلا ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية مستعينا في ذلك بمشاورة إخوانه من المهاجرين والأنصار أو مجتهدا لرأيه…والشواهد البارزة في هذا السبيل النير نجدها في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونقتصر في هذه الأسطر على ثلاثة قرارات اتخذها رضي الله عنه عمادها امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه وروحها النظر إلى مقاصد الشريعة لجلب المصالح ودرء المفاسد:

القرار الأول: إيقاف حد السرقة عام الرمادة: في السنة الثانية عشرة أصاب الناس قحط شديد جدب وجدب أعقبه جوع[1]، فاشتدت الحاجة إلى الطعام، وأشرفت نفوس على الهلاك من الجوع، وكان الخليفة عمر مُتهمّما بما أصاب المدينة، يرسل إلى ولاته في مختلف الأمصار يستحثُّهم على نجدة المسلمين، ضارعا إلى الله منكسرا بين يديه في صلاة الاستسقاء، منشغلا بتنزيل أحكام الشريعة باثا قيم التواصي والتآزر والتراحم بين المسلمين.

في هذه الظروف اجتهد عمر رضي الله عنه وأوقف حد السرقة ما دام السارق إنما يسرق مضطرا، والمصلحة المعتبرة تقتضي حفظ نفوس بشرية يوشك أن يفتك بها الجوع، ولم يكن هذا الاجتهاد رد فعل عفوي عاطفي بدافع الهوى كما يزعم بعض المغرضين، بل كان نابعا من فحوى نصوص القرآن والسنة،  متناغما مع مقاصد الشريعة ومن أهمها التيسير على الناس وعدم مؤاخذة المضطر منهم، فالاضطرار شبهة تدرأ الحد، ومن سرق ليرد جوعا أو عطشا مهلكا فلا حد عليه[2]، وإنما بادر عمر إلى اتخاذ القرار وإجراء هذا الحكم لتدبير مرحلة المجاعة، وهو ما أكده فقهاء الأمة وعلماؤها وصاغوه قاعدة وجعلوه ضابطا من ضوابط حد السرقة، فكان النظر العمري رائدا ومرشدا في هذا الباب.

القرار الثاني: ترك السواد غير مقسوم ووضع الخراج عليه: روى ابن الجوزي عن إبراهيم التميمي قال: لما افتتح المسلمون السواد[3] قالوا لعمر اقسمه بينا فأبى فقالوا إنا فتحناه عنوة، فقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ فأخاف أن تفاسدوا بينكم في المياه، وأخاف أن تقتتلوا، فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الضرائب والجزية، وعلى أرضهم الخراج ولم يقسمها بينهم”[4]

فهذا القرار الذي اتخذه عمر رضي الله عنه ترجيح لمصلحة عامة على مصلحة خاصة، إذ عارض تقسيم الغنائم بالإبقاء على الأرض بحوزة أصحابها وفرض عليهم الجزية والخراج، أي أنه استثمر في أموال الفيء وجعلها مخزونا احتياطيا تستفيد منه الأمة في ما يستقبل من أيامها وذلك رأفة ورحمة بفقراء المسلمين، ثم إنه درأ مفاسد عدة منها الافتتان بهذه الأرض تنازعا واقتتالا…ثم إن عمر لم يتجاوز حكم الفيء الذي عهده الصحابة من السنة النبوية إذ قال: لولا آخر المسلمين ما افتتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر[5]. فهذا الإجراء إنما هو أخذ بمصلحة الفقراء والمساكين من المسلمين وانسجام مع القرآن الكريم الذي جعل الفيء لله ورسوله فيكون حيث أمر الشارع أن يكون:” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ”[6]

كما “أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإِسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل المَوات ، والفيء ، واللقطات ، والركاز ، أو كان جزءاً معيناً مثل : الزكاة ، والكفارات ، وتخميس المغانم ، والخراج ، والمواريث ، وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل مثل : القراض والمغارسة ، والمساقاة ، وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل : الفيء والرّكاز ، وما ألقاه البحر…”[7]

القرار الثالث: جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: أورد ابن الجوزي الرواية الآتية: “قال عروة أخبرني عبد الرحمان بن القاري وكان من عمال عمر أن عمر رضي الله عنه خرج في رمضان وهو معه فطاف في المسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال: “والله إني لأظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل” ثم عزم أن يجمعهم على قارئ واحد فأمر أبيّ بن كعب أن يقوم بهم رمضان، فخرج والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال: “نعمت البدعة هذه…”[8].

هنا تتجلى مراعاة عمر رضي الله عنه لمقصد الوحدة وهي مصلحة معتبرة عظيمة نص عليها الشارع وأمر المسلمين بتحريها والمحافظة عليها لزوما حتى يستمر كيانهم ويهابهم عدوهم، قال تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا”[9]

فالاجتماع على إمام واحد في الصلاة – ولو كانت تطوعا ـ حري أن يبث في صدور المسلمين شعور الفخر بالانتماء لهذا الجسد الواحد، والاعتزاز بذلك والاهتبال به، بينما تعمل الفرقة في صلاتهم على تشتيت صفهم وجعلهم مزعا مختلفة…

وقد ثمّن الصحابة هذا القرار، وعملوا به، وأثنوا على صنيع عمر، عن مجاهد أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه خرج ذات ليلة من رمضان فسمع تهافت الناس بقراءة القرآن في المساجد، فقال: “نور الله على عمر قبره كما نور مساجدنا”[10]

إن النظر في سير الصحابة وخصوصا الخلفاء الراشدين بمرآة علم المقاصد يكشف للباحث جوانب نيرة من اجتهاداتهم التجديدية وفق ما ينفع المسلمين، ويقدم حججا دامغة على أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، قائم على جلب المصالح ودفع المفاسد، ويبطل زيف أقوال المغرضين. وأهل هذا الدين من الحكام والعلماء والدعاة الصادقون لا تعوزهم الوسائل ولا تستهويه الغايات ما داموا يأخذون بأصول دينهم، ويتمسكون بها، ويجتهدون في تنزيل فحواها في تناغم مع الواقع، وتأليف بين فقه التأويل وفقه التنزيل، وضراعة إلى الله تعالى ملتمسين المشورة من أهلها عالمين عاملين.

 

 

[1] تاريخ ابن خلدون، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1421هـ/2000، ج2، ص 553

[2] أحكام السرقة في الشرع الإسلامي، محمد جبرالألفي، مجلة الشريعة والقانون، كلية الشريعة والقانون، الإمارات العربية المتحدة، 1414ه/1993م، ص 274.

[3] السواد هي أرض شاسعة من العراق وسماها العرب سوادا لما يغطيها من أشجار النخيل

[4] مناقب أمير المؤمنين، ص92.

[5] نفسه، 93.

[6] الأنفال، 1

[7] التحرير والتنويرمن التفسير، الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، ج 28، ص 85

[8] مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو الفرج بن الجوزي، ت زينب إبراهيم القاروط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص64

[9] آل عمران، 103

[10] مناقب أمير المؤمنين، ص65.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.