منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ومن الرجال نساء

بقلم نصير موغا

0

يكون الرجال رجالا بما حازوه من كمال وشدة كما جاء في لسان العرب؛ “قال ابن سيده: وقد يكون الرجل صفة يعني بذلك الشدة والكمال؛ قال وعلى ذلك أجاز سيبويه الجر في قولهم مررت برجلٍ. رجلٍ أبوه. والأكثر الرفع، وقال في موضع آخر: إذا قلت هذا الرجل فقد يجوز أن تعني كماله وأن تريد كل رجل تكلم ومشى على رجلين، فهو رجل… وقال غيره: وفي معنى تقول هذا رجل كامل وهذا رجل فوق الغلام وتقول هذا رجل أي راجل”[1]، فرجلٌ إذن من حاز صفات الكمال والشدة والرجاحة في العقل والرأي، لقول عمر بن عبد العزيز لما سئل عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قال؛ ” كانَتْ رَجُلَةَ الرَّأْيِ”[2]، و”اِمْرَأَةٌ رَجُلَةٌ”: تَشَبَّهَتْ بِالرِّجالِ في الرَّأْيِ والْمَعْرِفَةِ. وقال المناوي: “ويقال الرجلة للمرأة، ومن هنا تبين صحة استعمالها نقلا، وهو أيضا على مقتضى القياس؛ لأن رجلا في الأصل صفة على وزن فعل، فقياس مؤنثه رجلة، كيقظ ويقظة. ولم ينقل إلينا فيها لغة تخالف هذا القياس. والله أعلم بالصواب”[3].

وفي قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (التحريم: 11-12) ضرب الله لنا مثلا للذين آمنوا؛ امرأتان! ولم يقل سبحانه اللواتي آمنّ، إذ لا رجل ضُرب مثلا معهم، خلاف القواعد اللغوية، فجعلهن مثالا وقدوة للذين آمنوا من الرجال والنساء إلى يوم القيامة. {وكانت من القانتين} قال القرطبي في تفسيره: “وإنما لم يقل من القانتات، لأنه أراد وكانت من القوم القانتين، ويجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله”[4].

وفي معرض هذا التحفيز والاستنهاض لعموم المسلمين للحاق بركب الكاملين من الرجال والنساء ما كان يقوم به النبي صلى الله عيه وسلم من مهام تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة والتزكية، فكان لا يترك فرصة إلا ذكر بها المومنين بطلب الكمال، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ، وإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ علَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سَائِرِ الطَّعَامِ”[5]. وتذِكيرا بأفضليتهن في الجنة استنهاضا لهممِ نساء أخريات لما يلحقن بهن. الحديث بإسناد صحيح عند الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله ابن عباس: أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ خطَّ أربعةَ خطوطٍ ثمَّ قالَ: أتدرونَ لمَ خططتُ هذِهِ الخطوطَ قالوا: لا قالَ: أفضلُ نساءِ الجنَّةِ أربعٌ مريمُ بنتُ عمرانَ وخديجةُ بنتُ خوَيْلدٍ وفاطمةُ ابنةُ محمَّدٍ وآسيةُ ابنةُ مُزاحمٍ.

ولله ذر الشيخ فريد الدين العطار النيسبوري في معرض دفاعه عن رابعة العدوية رحمها الله وقد عدها من الرجال في كتابه تذكرة الأولياء -وسآتي لحجاجه في هذه المسألة – بعد حين، ففي معرض تعليقه على الآية الكريمة قال: “أقول: مصداق هذا الكلام أن مريم عليها السلام لما اشتغلت بأعمال الرجال من القنوت -أي العبادة- لا جرم أدرجها الله سبحانه في زمرة الرجال، ووصفها بصفتهم. حيث قال الله في وصفها {وكانت من القانتين}، أي من العابدين المطيعين، أي كانت مريم عليها السلام من الرجال المطيعين لله العابدين. ولم يقل (وكانت من القانتات) مع أن هذا أنسب بظاهر حالها. والله أعلم”[6].

وقد عقد الشيخ فريد الدين العطار في كتابه هذا ذكرا لرابعة العدوية الوحيدة من بين أكثر من تسعين من رجالات الدين والصلاح والولاية. فصلا في عشرين صفحة ذكرا لمناقبها وزهدها وصلاحها. وحجتنا في قوله: “فإن قيل لما ذكرتها بين المشايخ الرجال؟ قلنا: لأنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم، ولكنه ينظر إلى نياتكم وقلوبكم”[7]، وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” يحشر الناس على نياتهم”[8].

المزيد من المشاركات
1 من 11

وقال صلى الله عليه وسلم: ” خذوا شطر دينكم عن الحميراء”[9]، يعني عائشة رضي الله عنها، فإذا جاز في الشرع أخذ شطر الدين -أي نصفه- من عائشة رضي الله عنها، فيجوز أيضا أن نستفيد بذكر بعض أعمال جارية من جواريها، فإذا كانت المرأة في طريق عبادة الله تعالى كالرجال لا يطلق عليها المرأة بل هي في الحقيقة رجل”[10].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”[11]، و “مَن” هنا تدخل فيها الإناث ولا تختص بالذكور، بل لا تختص بأحدهما إلا بدليل، ذلك في أصل وضعها في اللغة. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ (النساء: 124)، فـ”مَنْ” هنا جاءت للعموم وشملت الذُّكور والإناث ولولا ذلك لم يحسن التَّقسيم بعد ذلك بقوله سبحانه: {مِنْ ذَكَرٍ أَو أنثى}، ولا تخلوا كتب السير وطبقات العلماء وأكابر العلم والعمل من عباد الله الصالحين من نساء منارات هدى وغياث خلق وسيدات كاملين كانوا رحمة للعالمين.

يقول ابن العربي في الفتوحات المكية؛” اعلم أيدك الله أن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل والمرأة لم يكن للرجال على النساء درجة من حيث الإنسانية” [12]. وحتى في أعلى مراتب الولاية هم متساوون في قربهم من الله، قال: “كل ما يصح أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء كما كان لمن شاء الله من الرجال”[13]، وهذا مصداق لقوله عز وجل من سورة الأحزاب: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (الأحزاب: 35-36)

وفي كتابه “روح القدس في مناصحة النفس” يستنهض ابن عربي نفسه ويعيرها بمثال من سبقها من الرجال قال: “فهذا يا نفسي، قد قصصت حالة من تقدم، وحال من لقيته من رجال ونساء، وسكت لك عن كثير ممن لقيت، وما وجدت لك قدما معهم، ففي أي نمط تتميزين؟”[14]. وذكر ممن لقيهم من النساء فاطمة بنت ابن المثنى، وكانت كثيرة الثناء عليه تقول عنه: ” ولدي وقرة عيني، إذا دخل علي دخل بكله. وإذا قام قام بكله، وإذا قعد قعد بكله، لا يترك من نفسه خلفه شيئا، وهكذا ينبغي أن يكون الطريق.” قال عنها ” كانت رحمة للعالم”[15].

ومنهم من سلكت على المنهاج النبوي واستكملت الشروط وارتقت مدارج الإسلام والإيمان والإحسان وجمعت ما افترق من سنة رسول صلى الله عليه وسلم من عدل وإحسان، دارجة همها الجماعي في همها الفردي طلبا ورغبا في وجه مولاها ورجاء ما عنده من الزلفى والمقامات، يعم إحسانها الأقرب فالأقرب، متقنة صالح عملها بالأحسن.


[1] – ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب، دار صادر، بيروت، د.ت. مادة ك م ل

[2] – ابن الأثير، عز الدين. النهاية، وانظر: مشيخة ابن حذلم، 1/38

[3] – المناوي، محمد عبد الرؤوف. فيض القدير 1/ 39

[4] – القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن.

[5] البخاري، محمد بن إسماعيل. الجامع الصحيح.

[6] العطار، فريد الدين. تذكرة الأولياء، تحقيق محمد أديب الجادر، ص94

[7] الألباني، ناصر الدين. الصحيح الجامع، عن أبي هريرة. الرقم: 1862

[8] رواه الإمام أحمد (14373)، وأخرجه ابن ماجه (4230) واللفظ له.

[9] – ضعفه ابن القيم وقال السيوطي لم أقف عليه، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة. ما رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير.

[10] – العطار، فريد الدين. تذكرة الأولياء، تحقيق محمد أديب الجادر، ص94/95

[11] – أخرجه أبو داود (4833)، والترمذي (2378)، وأحمد (8398) واللفظ له. وقال محمد الناوي في تخريج أحاديث المصابيح: رجاله رجال الصحيحين إلا موسى بن وردان قال الذهبي صدوق.

[12] ابن العربي، محيي الدين. الفتوحات المكية، دار صابر بيروت، المجلد الثالث، الباب 324، ص: 87

[13] المرجع نفسه، والصفحة.

[14] ابن العربي، محيي الدين. روح القدس في مناصحة النفس، تحقيق حامد طاهر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص: 361

[15] المرجع نفسه، ص: 359/360

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.