منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 أبو العتاهية، من التكسب إلى الزهد:

محمد فاضيلي

0
اشترك في النشرة البريدية

إسماعيل بن القاسم المكنى بأبي العتاهية كما لقبه بذلك الخليفة العباسي المهدي، والتعته نوع من الجنون، ولد سنة 130ه بالأنباط ثم قدم به أبوه للكوفة ليقضي طفولته صانعا وبائعا للأواني الخزفية، قبل أن تتبلور وتتطور ملكته الشعرية بمخالطته لأدباء وعلماء ومتكلمي عصره، ومصاحبته إبراهيم الموصلي المغني المشهور، الذي اصطحبه معه إلى قصر الخليفة في بغداد، وهناك ستنفتح له أبواب المجد والشهرة بمدحه الخلفاء والوزراء وعلية القوم، وتذكر مصادر التاريخ أن أبا العتاهية قد أغرم بجارية للمهدي تسمى عتبة، لكنها أعرضته عنه، ورفضت الزواج منه، رغم توسط الخليفة هارون الرشيد له.

شكل هذا الرفض انقلابا جذريا في حياته، فقد لبس الصوف وتزهد وبقي على حاله حتى توفي سنة 210ه في عهد المأمون.

شعره:

نال شعر أبي العتاهية من عناية الرواة واهتمامهم بجمعه ما لم ينله أي شاعر من معاصريه، وذلك لسهولته ووضوحه وشعبيته، وابتعاده عن الغريب، ومسايرته طبيعة العصر وأذواق الناس فضلا عن نزعته الزهدية، وقد قضى أكثر من عشرين عاما في بلاط الخلفاء المهدي والهادي والرشيد يمدحهم ويتكسب من جزيل عطاياهم، كما قضاها في التغزل بمعشوقته عتبة، قبل أن يتزهد ويدعو إلى الزهد والحكمة ومحاسن الأخلاق والاستعداد للموت.

وقد كان أبو العتاهية شاعرا مطبوعا، جال في مختلف فنون الشعر وأبوابه، مدح فأوفى، وهجا فأوجع، ورثى فأبكى، وتغزل بمن كان يهوى، ووصف مجالس اللهو والشراب، واستعطف الحكام، ثم ضرب الحكم والأمثال، ورغب في الآخرة، وحث على الاستعداد للموت…

المزيد من المشاركات
1 من 18

وكان يغلب على شعره النزعة الخطابية والتقريرية كما تلمح في الصيغ الإنشائية والجمل المكررة والمواقف التاريخية التي هي مناط العبرة والاعتبار، وكثيرا ما تمرد على أوزان الشعر المعروفة وخالف بحور العروض واحتكم إلى ذوقه الفني الخالص، وعندما عوتب على ذلك قال:”أنا أكبر من العروض”

نماذج من شعره:

مدح المهدي بقوه:

أتته الخلافة منقادة….إليه تجر أذيالها

ولم تك تصلح إلا له…..ولم يك يصلح إلا لها

ولو رماها أحد غيره…لزلزلت الأرض زلزاها

وقال في مدح هارون الرشيد:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 30

وهارون ماء المزن يشفى به الصدى…إذا ما الصدى بالريق غصت حناجره

وأوسط بيت في قريش لبيته….وآل عز في قريش وآخره

إذا نكب الإسلام يوما بنكبة…فهارون من بين البرية تائره

ورغم مدحه للحكام فلم يأل جهدا في تقديم النصح لهم.

فقد بعث رسالة للمهدي يشكو إليه أحوال البلاد قائلا:

مَن مبلغٌ عني الإما
مَ نصائحًا متواليهْ
أني أرى الأسعار أسـعا
رَ الرعية غاليه
وأرى المكاسب نزْرة
وأرى الضرورة فاشيه
وأرى هموم الدهر را
ئحة تمرّ وغــــــــاديــه
وأرى المراضع فيه عن
أولادها متجافيــــــه
وأرى اليتامى والأرا
ملَ في البيوت الخاليه
مِن بين راجٍ لم يزل
يسمو إليك وراجيه
يشكون مجهدة بأصوا
ت ضعاف عــــــــالـيه
يرجون رِفدَك كي يرَوا
مما لقُوه العــــــافـيه
مَن يُرتجى للناس غيرَ
ك للعيون الباكيـه
مِن مُصبياتٍ جوَّعٍ
تمسي وتصبح طـــــاويه
مَن يُرتجى لدفاع كرْ
ب مُلمَّة هي مـــــــــاهيه
مَن للبطون الجائعا
ت وللجسوم العـــــــاريه
مَن لارتياع المسلميـ
ن إذا سمعنا الـــــواعيه

ودخل على الرشيد فخاطبه قائلا:
لَا تأمن الْمَوْت فِي طرف وَلَا نفس… وَإِن تسترت بالحجاب والحرس
وَاعْلَم بِأَن سِهَام الْمَوْت قاصدة… لكل مدرع منا ومترس
مَا بَال دينك ترْضى أَن تدنسه… وثوبك الدَّهْر مغسول من الدنس ترجو النجَاة وَلم تسلك مسالكها… إِن السَّفِينَة لَا تجْرِي على اليبس

ومما قال في معشوقته عتبة:

أحمد قال لي ولم يدْرِ ما بي….. أتُحب الغداة عُتبة حقا

فتنفّسْتُ ثم قلتُ نعم، حبّاً….جرى في العروق عِرْقاً فعِرقا

ومن شعر زهده:

يا عجبا كلنا يحيد عن ال…حين وكل حينه لاق

كأن حيا قد قام ناد به…والتفت الساق بالساق

واستل منه حياته ملك ال…موت حفيا وقيل من واق

وقوله:

يا من بنى القصر في الدنيا وشيده…أسست قصرك حيث السيل والغرق

مالي أراك وما تنفك من طمع…يمتد منك إليه الطرف والعنق

لا تغفلن فإن الدار فانية….وشربها غصص أو صفوها ونق

والموت حوض كريه أنت وارده…فانظر لنفسك قبل الموت يا مذق

فلو عقلت لأعددت الجهاز لها….بعد الرحيل ما دام لي رمق

وقال:

إلهي لا تعذبني فإني….مقر بالذي كان مني

وما لي حيلة إلا رجائي…لعفوك إن عفوت وحسن ظني

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.