منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خارطة طريق للتعامل مع المرأة

خواطر في زمن الكورونا (6) د. ابتسام زاروق

0
اشترك في النشرة البريدية

كيف يجب التعامل مع المرأة/ الزوجة/ الأم في فترة الحجر الصحي؟ سؤال يبدو أنه ليس من الأولويات، فنحن نبحث أولا عن معرفة كيفية التعامل مع الأبناء، وكيفية مراعاة نفسية المراهق في الحجر الصحي وهو المطالب بالدراسة عن بعد في ظروف نفسية صعبة خاصة إن كان مطالبا باجتياز امتحانات إشهاديه، ويمكن أن يكون همنا معرفة الطرق المفضية لتوفير الجو الملائم للزوج/ الأب ليتمكن من العمل في المنزل. كل هذه الأسئلة التي نطرحها نتوجه فيها إلى الزوجة/الأم فهي التي يجب أن تتمكن من مفاتيح التعامل الصحيح مع الأبناء والزوج في هذه الفترة الحرجة، وهي التي يتوجب عليها مراعاة نفسية الجميع، وتفهم الجميع. ولكن من يراعي نفسية الزوجة/الأم؟ من يفكر في السبل الأمثل للتعامل معها؟ من يحمل عنها همومها التي أثقلتها دائما وأبدا، وزادت في فترة الحجر الصحي التي أصبحت فيها رحى الحياة بكل أنشطتها تدور في فلك المنزل الذي من المفروض أن تهتم هي وحدها به وبمن فيه فتلك بالنسبة للجميع “مسؤوليتها الأولى والأهم”.

هي أسئلة تطرح لتدق على الأذان الغافلة لعلها تعي أهمية السؤال ومحورية الموضوع وتسعى إلى البحث عن إجابة. لن يدعي هذا المقال بأنه يقدم كل الإجابات، ولكنه محاولة من امرأة/زوجة/أم  تسعى لتقديم خارطة طريق تصلح للتعامل مع المرأة/الزوجة/الأم في كل الأوقات عموما وفي فترة الحجر الصحي خصوصا.

العنصر الأول لخارطة الطريق: التقدير والاحترام.

إن أكثر ما تبحث عنه المرأة هو التقدير والاحترام. تقديرها كذات واحترام عطائها كامرأة. ولكن وللأسف فإن أقل ما يمنحه الزوج والأبناء للزوجة/الأم هو التقدير والاحترام. فالزوجة إن كانت ربة بيت، فهي في عين زوجها “مجرد” ربة بيت، وما تقوم به من أعمال منزلية تستنزف طاقتها وعمرها هي “مجرد أعمال روتينية”، وبالنسبة للأبناء فالأشغال المنزلية “مسؤولية الأم وحدها” وهم قد يتكرمون عليها بمساعدتها في بعض الأحيان، رغم أن ذلك لا يدخل في إطار “مسؤوليتهم”. وإن كانت الزوجة ممن يعملون، فعملها دائما “أقل أهمية” من عمل الزوج، حتى وإن كانا يمارسان نفس العمل، فعمله دائما هو “الأهم”. فإن كانا مثلا طبيبين معا، فهو يرى أن تخصصه “أكثر أهمية” من تخصصها، وبالتالي عمله “أهم” من عملها، و”متعب أكثر” من عملها. وإن كانا مثلا يعملان معا في التعليم، فهو يرى أن “المستويات التي يدرسها أكثر أهمية” و”ساعات عمله أكثر من ساعات عملها”، وقس على هذا. هناك دائما نظرة دنيوية لعمل المرأة داخل البيت وخارجه، مهما كان ما تقدمه المرأة عظيما. تلك النظرة الدنيوية قد تغلف بمقدار ضئيل (كبير نوعا ما في بعض الأحيان) من التقدير والاحترام يعبر عنه الرجل/الزوج ليظهر لنفسه وللمجتمع أنه “رجل متحضر” يحترم المرأة ويقدر المرأة. وقد تغلف تلك النظرة الدنيوية بكل مظاهر الاحتقار والاستصغار، فيظهر الرجل لنفسه وللمجتمع بأنه “رجل قوي” يعرف كيف “يربي المرأة وينزلها منزلتها الدنيا”، فتتحول حينها المرأة إلى ضحية يمارس عليها شتى أصناف العنف والتعذيب بدعوى أنه “يجب تربيتها وتعليمها أصول الاحترام للرجل”. لذلك يكفي الاطلاع على تقارير المنظمات والجمعيات التي تعنى بشؤون المرأة لنكتشف أن الحجر الصحي في زمن الكورونا تحول في العالم كله إلى سجن للضحية مع الجلاد، وذلك عند نساء عديدات الله وحده أعلم بأعدادهن، فالقلة القليلة هي التي يصل صوتها للمنظمات الحقوقية، أما الأغلبية العظمى من النساء فهن يتجرعن مرارة العنف وانعدام الاحترام والتقدير في صمت قاتل.

العنصر الثاني لخارطة الطريق: الاعتراف بالجميل.

المزيد من المشاركات
1 من 9

إن المطلع على أحكام الشريعة الاسلامية يدرك أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل اهتمام المرأة بشؤون منزلها فرضا عليها، ولم يوجب عليها الانفاق مع زوجها، بل وحتى إرضاع أطفالها ليس من الأمور الواجبة عليها شرعا. وبالتالي فهي مجرد أعراف اجتماعية تلك التي جعلت الاهتمام بالمنزل وأمور الأبناء ” واجب المرأة الأول ومسؤوليتها وحدها فقط”. نفسها تلك الأعراف هي التي تدعو الرجل/الزوج المتحضر والأبناء المتخلقين إلى “التكرم والتفضل” على الزوجة/الأم بمشاركتها “أعباءها هي” وتحمل بعض المسؤوليات المنزلية.

إن ما تحتاجه المرأة حقا مهما كانت وضعيتها ابنة أو زوجة أو أما أو أختا هو الاعتراف بالجميل: تقدير ما تقدمه لكل من يحيطون بها، لأن المرأة غالبا هي تلك الشمعة التي تذوب لتنير حياة الأخرين. فما يحبط المرأة ويحبسها في دائرة انعدام الاحترام لذاتها هي تلك الألفاظ التي تربط كل ما تقوم به بحرف “ع” في لغتنا الدارجة، فيعبر الرجل وتعبر هي نفسها في أغلب الأحيان لتقول أنا “ع” ربة بيت، أنا “ع” عاملة، أنا “ع” أم. في استعمال ذاك الحرف “ع” المحط بقيمة المرأة من طرف المرأة نفسها، تسليم منها بالمكانة الدنيوية التي يضعها فيها المجتمع والأعراف البالية. فالمرأة ليست “مجرد” ربة البيت، وإنما هي “التربو” الذي لا يستقيم الحال في المنزل بدونه. وهي ليست “مجرد” عاملة، وإنما ذاك “المعيل” الذي يسعى لإعانة الأسرة ماديا أو على الأقل عدم الاثقال عليها بمصاريفه الخاصة.  وهي ليست مجرد “أم”، وإنما ذلك “الراعي” الذي يفني عمره في سبيل إسعاد رعيته. هي حقا تلك المرأة التي تلعب العديد من الأدوار وتتحمل كل المسؤوليات ولا تنتظر في المقابل سوى نظرة اعتراف بالجميل، أو على الأكثر كلمات شكر وامتنان. فساعات الوقوف في المطبخ قد يندثر تعبها في جزء من الثانية أمام كلمات شكر الزوج والأبناء اعترافا وامتنانا، وقد يتضاعف ألمها جسديا ونفسيا أمام كلمات جحود تصف بأنها لم تقم بشيء يذكر “فتحضير الوجبات على الأقل ثلاث مرات يوميا واجبها الذي يجب أن تؤديه وهي صامتة”.

العنصر الثالث لخارطة الطريق: التغافل.

على التغافل أن يكون سمة التعامل الرئيسة بيننا، لأنه الأساس الذي يسمح بالرقي بالعلاقات الإنسانية مهما كان نوعها. وبالنسبة للمرأة وجب على الرجل التغافل عن أخطائها، كما يجب على المرأة التغافل عن أخطاء الرجل، لتستمر عجلة العلاقات بالدوران، دون أن يعلوها الصدأ في كل دورة، وحتى لا تأتي لحظة ويجعل الصدأ العجلة تتوقف عن الدوران نهائيا.

وفي هذه الأيام، حيث الحجر الصحي يفرض علينا ملازمة المنازل، يجب أن يغدو التغافل سلاحنا في التعامل مع الجميع. فالمرأة التي تشكل موضوع مقالنا هذا تعيش تحت ضغط شديد هذه الأيام قد يجعلها تنفجر في أية لحظة، وأمام هذه الانفجارات، السلاح الأمثل لإطفاء ثورة البركان هو التغافل. التغافل احتراما لذلك الجبل الذي يتحمل فوق طاقته، فالمرأة في هذه الأيام مطالبة بلعب دور الأستاذة مع أطفالها ومساعدتهم في عملية التعلم عن بعد، ومطالبة بلعب دور الأخصائي النفسي ومراعاة نفسية الأبناء ونفسية الزوج، ومطالبة بلعب دور عاملة التنظيف، ومطالبة بلعب دور الطاهية التي تعد ما لذ وطاب، ومطالبة إن كانت امرأة عاملة بمزاولة عملها في المنزل عن بعد مع ما يحتاجه ذلك من تركيز قد لا تسمح به ظروف المنزل الذي يضيق بسكانه، ومطالبة بلعب دور الطبيبة التي تهتم بتعقيم المنزل والمشتريات وتبعد بكل الطرق الفيروس عن محيطها وأسرتها، وقد تكون مطالبة بالخروج لاقتناء حاجيات المنزل وقد وقد…لذلك فإن جاءت فيها لحظة اهتز فيها الجبل أمام زلزال التعب، وأخرج البركان غاضبا بعض حممه على شكل صراخ هائج، وجب على من يسكنون الجبل ويستنزفون خيراته التغافل والهروب بعيدا حتى يعود الهدوء إلى الأجواء، فالمرأة في نهاية المطاف جبل من لحم ودم من حقه أن يثور في بعض الأحيان.

العنصر الرابع لخارطة الطريق: ترك مساحة خاصة للمرأة.

وسط كل المسؤوليات اللامتناهية الملقاة على عاتق المرأة/الزوجة/الأم، هناك لحظات تهرب فيها المرأة بحثا عن التقاط الأنفاس والتماسا لبعض من السكينة النفسية والروحية. لحظات لكل امرأة الحق في أن تحترم خصوصيتها خلالها، وأن لا تنتهك من طرف مطالب أبناء لا تنتهي، وأسئلة زوج لا تنفك عن إثارة الأعصاب من قبيل: أين هاتفي؟ ألم تري جواربي؟ أين وضعت شاحن حاسوبي؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

لحظات راحة المرأة غالبا ما تكون قصيرة المدى إذا قورنت بساعات العمل الطويلة التي تقضيها غارقة في إتمام مسؤولياتها…لذلك فللمرأة الحرية بأن تختار كيف تقضي لحظات راحتها…فهي من تعرف إن كانت ستجد راحتها في أحضان القران والذكر…أو أنها من النوع الذي ينسى هموم حياته بالانغماس في هموم حياة الاخرين الذين تتابع قصصهم عبر رواية أو عبر عمل سينمائي…أو أنها تدرك أن راحتها في مكالمة هاتفية مع صديقة عزيزة على قلبها…لذلك رجاءا في تلك اللحظات على الأبناء أو الزوج أو مهما كان أن يقول خيرا أو يصمت، لأن جملا من قبيل “أو لا تملين من الحديث عبر الهاتف”، “لا أفهم ماذا يعجبك في هذا المسلسل؟” “أو تريدين ختم القران في جلسة واحدة” تلك الجمل الغبية ليست سوى فيروسات تقتل كل إحساس بالسكينة والهدوء يتم البحث عنها في لحظات تسرق فعلا من الزمن.

العنصر الخامس لخارطة الطريق: التعبير عن الحب.

كل إنسان يحتاج للحب حاجته للماء والهواء والطعام فتلك تغذي الجسد، والحب يغذي الروح. غير أن المرأة لا تحتاج فقط لأن تحس بأنها محبوبة من طرف أسرتها، وإنما تحتاج لأن يتم التعبير عن هذا الحب. والتعبير عن الحب للمرأة يكون بالتعبير عن تقديرها واحترامها، والتعبير عن الشكر والعرفان بالجميل لكل ما تقدمه من تضحيات، والتغافل عن أخطائها، واحترام خصوصياتها، وفي النهاية إكرامها بكلمة طيبة لا تكلف قائلها درهما واحدا ولكنها قد تكون البلسم الذي يشفي جروح النفس التي لا تستطيع ملايين الدنيا شفاءها. فلنقل خيرا أو لنصمت.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.