منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 أرضي لماذا أخرج منها؟ 

 أرضي لماذا أخرج منها؟ /أشرف شعبان أبو أحمد

0

 أرضي لماذا أخرج منها؟ 

بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد


على امتداد التاريخ، وفي أرجاء العالم المترامية، ظل انتقال البشر من مكان إلى آخر ظاهرة مستمرة، تتفاوت أسبابها وتتعدد صورها، فبينما تيسرت الهجرة من بعض الدول وإليها، عانت دول ومجتمعات أخرى من العزلة، وفرضت قيودا متفاوتة الشدة والمدة على الدخول إليها والخروج منها، ومع ذلك لم تنجح هذه القيود في منع حركة الانتقال منعا كاملا، وإن ضيقت مساراتها أو قلصت معدلاتها، سواء أكان ذلك داخل الدولة الواحدة، كالانتقال من الريف إلى الحضر أو من الشمال إلى الجنوب والعكس، أم تجاوز حدود الدول والقارات، وحركة انتقال البشر وتنقلهم، وتنوع مساراتها، تشبه هجرة الطيور في السماء والأسماك في البحار والمحيطات، وإن اختلفت دوافع انتقالهم وتباينت ظروفهم.

ومن أهم الأسباب التي تدفع البشر إلى مغادرة أوطانهم، السعي في طلب الرزق وتحسين سبل المعيشة، فقد جعل الله الأرض مهيأة للناس، وأمرهم بالسير في أرجائها والسعي في طلب الرزق والأكل مما رزقهم الله، قال تعالى ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) الملك 15 وقال عز وجل ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) المزمل 20 وقال سبحانه ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) الجمعة 10 وفي هذه الآيات بيان لمشروعية السعي في الأرض وابتغاء فضل الله، وهو سعي قد يقتضي انتقال الإنسان من موطنه إلى مكان آخر، إذا لزمه الأمر وضاقت به سبل العيش في بلده، أو وجد في غيره فرصا أفضل للعمل وتحسين مستوى معيشته، وفي ذلك قال عز وجل ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) النساء 100 فقد يجد الإنسان خارج موطنه من أسباب الرزق ما لم يجده فيه، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال ( من خرج يسعى على ولده صغار فهو في سبيل الله وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله ) رواه الطبراني.  والحياة لا تقوم على انتظار الرزق فحسب، بل تحتاج إلى السعي والأخذ بالأسباب، ومن لم يجد في موطنه ما يكفيه من أسباب المعيشة، فله أن يسعى في غيره بحثا عما يحتاج إليه، ما دام ذلك في إطار المشروع، جاء في خطاب الله تعالى لبني إسرائيل، حين طلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه ليخرج لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها،  قال تعالى ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) البقرة 61 وقد حمل المفسرون لفظ “مصرا” على أقوال، منها البلد المعروف ومنها أي مصر من الأمصار، وفي الآية، على كل حال، توجيههم إلى موضع يجدون فيه ما طلبوه من أنواع الطعام، وهو ما يلفت النظر إلى ارتباط تحصيل بعض الحاجات بالسعي إلى الأماكن التي تتوافر فيها أسبابها.

ومن الأسباب التي تدفع الإنسان إلى مغادرة وطنه طلب العلم والمعرفة، فقد رحل كثير من العلماء بين الأمصار، قاطعين المسافات ومتحملين مشاق السفر، تتبعا لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وتحققا من رواياتها، ورغبة في الاستزادة من علم غيرهم، والاستفادة من معارفهم وخبراتهم. ومن أمثلة ذلك جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، الذي رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد، كما طاف الإمام البخاري بالبلدان في رحلات علمية، لجمع الحديث عن المحدثين، ورحل الإمام أحمد بن حنبل إلى عدد من الأمصار، منها الكوفة والبصرة والحجاز واليمن، في طلب الحديث وتلقي العلم. ومن دوافع السفر كذلك زيارة الأماكن التي خلفت فيها الأمم السابقة آثارا وشواهد على أحوالها ومصائرها، تأملا فيما حل بها، واعتبارا بعواقب أعمالها، وهو ما دعا إليه القرآن الكريم في مواضع عدة. قال تعالى ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ) النمل 69 وقال تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) محمد 10  وتتعدد دوافع السفر في حياة الناس، فمنهم من يسافر لأداء فريضة الحج أو العمرة، ومنهم من تدفعه الحاجة إلى العلاج، أو الرغبة في زيارة الأهل والأصدقاء، أو الزواج وتكوين أسرة خارج محيطه العائلي والاجتماعي المعتاد. وقد يكون السفر لممارسة التجارة، أو إقامة المشروعات، أو إبرام الصفقات، أو المشاركة في الأعمال التطوعية والإغاثية، أو حضور المؤتمرات والبعثات الرسمية، ويسافر آخرون للمشاركة في البطولات الرياضية والمهرجانات والمسابقات والفعاليات الفنية والثقافية، فضلًا عن دوافع أخرى تفرضها ظروف الحياة ومتطلباتها.

وعلى خلاف الرحلة التي يختارها الإنسان طلبا للرزق أو العلم أو غيرهما من المصالح، قد يجد نفسه مضطرا إلى مغادرة موطنه حفاظا على حياته، حين يتهدده القتل أو يحدق به خطر لا يستطيع دفعه، وقد عرض القرآن الكريم لهذا المعنى في قصة موسى عليه السلام، حين جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى محذرا إياه من تدبير الملأ لقتله، فقال تعالى في سورة القصص آية 20 ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ) فاستجاب موسى عليه السلام للتحذير وخرج من المدينة خائفا يترقب، قال تعالى ( فخرج منها خائفا يترقب ) القصص 21 ولم يكن خروجه استسلاما للخوف، وإنما كان أخذا بالأسباب، وسعيا للنجاة من خطر يهدد حياته، وحفظا للنفس التي جعل الله لها حرمة، وقد يخرج الناس من ديارهم حذر الموت وخشية أن تدركهم أسبابه، كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) البقرة 243 غير أن هذا الفرار لا يمنع قدر الله ولا يرد الموت إذا جاء الأجل، مع مشروعية الأخذ بالأسباب.

وقد لا يكون الخطر الذي يهدد الإنسان خطرا مباشرا على حياته فحسب، بل قد يكون ظلما مستحكما تضيق معه سبل النجاة، ويصبح الخروج من الأرض مطلبا يتضرع المستضعفون إلى الله أن يحققه لهم،  قال تعالى ( الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) النساء 75 فهؤلاء لا يطلبون الخروج طلبا للراحة أو رغبة في تغيير المكان، وإنما طلبوه نجاة من الظلم، والبحث عن الحماية والنصرة. ومن الشواهد على ذلك قصة موسى عليه السلام مع فرعون، فقد طلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويكف عن استعبادهم، فقال له ( فأرسل معي بني إسرائيل ) الأعراف 105 غير أن فرعون لم يستجب لطلبه، بل أصر على استعباد بني إسرائيل والحيلولة بينهم وبين الخروج، حتى أمر الله موسى أن يخرج بهم ليلا، فقال سبحانه ( فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ) الدخان 23 وخرج موسى ومن معه، فتبعهم فرعون وجنوده سعيا إلى إدراكهم وإعادتهم، حتى بلغوا البحر، فأوحى الله إلى موسى أن يضرب البحر بعصاه فانفلق، فمر موسى ومن معه ونجاهم الله، وأغرق فرعون وجنوده، قال تعالى ( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين ) الشعراء 63 -66 فكان إصرار الظالم على ملاحقتهم سببا في هلاكه وهلاك جنوده، وكان خروج موسى ومن معه سبيلا إلى النجاة.

ومن الأسباب التي قد تجعل مغادرة الوطن ضرورة، عجز المؤمن عن إقامة دينه، أو تعرضه للاضطهاد والفتنة، أو التضييق عليه في عبادته، قال سبحانه ( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) العنكبوت 56 فالآية تذكر المؤمنين بسعة أرض الله، وأن ضيق موطن لا يعني انغلاق أبواب النجاة، إذا استطاع الإنسان أن ينتقل إلى مكان يتمكن فيه من عبادة ربه وحفظ دينه، وفي هذا السياق، قال تعالى ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) النساء 97 فالآية تتناول من عجزوا عن إقامة دينهم، وكانوا قادرين على الهجرة، ومع ذلك بقوا في موضعهم. ثم استثنى الله من ذلك من لا يستطيعون الهجرة حقيقة، فقال سبحانه ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) النساء 98  ثم فتح الله للمهاجرين باب الرجاء، ووعدهم بالسعة والخير، وبين عظيم أجرهم، فقال تعالى في سورة النساء آية 100 ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) ومن الشواهد على الهجرة حفاظا على الدين قصة أصحاب الكهف، الذين آثروا مفارقة قومهم حفاظا على توحيدهم وإيمانهم، فقال تعالى ( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) الكهف 10 وقال سبحانه ( وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) الكهف 16 وتدل الآيات على أن من عجز عن إظهار دينه، ولم يستطع تغيير الواقع الذي يهدد إيمانه، فقد يكون اعتزال أهل الباطل، ومفارقة مواطن الفتنة سبيلا لحفظ دينه، والثقة بأن الله ينشر رحمته على من يلجأ إليه، ويهيئ له من أمره مرفقا ورشدا. وتتجلى هذه المعاني كذلك في هجرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي دعا قومه إلى توحيد الله، فلما أصروا على الشرك وهدده أبوه بالرجم، وأمره باعتزاله والابتعاد عنه، أعلن مفارقته لهم، كما قال تعالى ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ) مريم 46 أي ابتعد عني زمنا طويلا، وكان جواب سيدنا إبراهيم ( واعتزلكم وما تدعون من دون الله ) مريم 48 ثم قال سبحانه ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) مريم 49 وقد أعلن عن هجرته ورحيله طلبا لهداية ربه، فقال تعالى ( إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ) العنكبوت 26 وقال أيضا ( وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) الصافات 99.

ولم تقتصر صور الخروج من الديار على من اختياره بإرادته، أو اضطر إليه فرارا من اضطهاد سلطة أو مجتمع، بل قد يقع الإقصاء داخل الأسرة الواحدة، حتى بين أبناء نبي من أنبياء الله، حين تدفع الغيرة بعضهم إلى إبعاد أخ لهم، لا بسبب منصب أو جاه أو مال اختص به، وإنما بسبب محبة أبيهم له، وقد حدث ذلك مع نبي الله يوسف عليه السلام، حين رأى إخوته أن محبة أبيهم له تحول بينهم وبين الاستئثار باهتمامه، فتآمروا على إبعاده عن أبيه، قال تعالى ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ) يوسف 9 ثم قال قائل منهم كما جاء في سورة يوسف آية 10 ( لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ) وهكذا تحول التنافس على محبة الأب إلى مؤامرة لإقصاء يوسف عليه السلام وإبعاده عن أسرته، فكان إلقاؤه في الجب بداية رحلة أبعدته عن أهله ودياره، وأصبح مثالا لما قد يجر إليه الإقصاء حين تتحكم الغيرة في النفوس.

وقد يكون الخروج في بعض أحواله وسيلة لمناصرة أهل الباطل والوقوف إلى جانبهم، ولو بالوعود التي لا يتبعها تنفيذ، ومن ذلك ما أخبر به القرآن الكريم عن المنافقين الذين وعدوا بني النضير من أهل الكتاب بالخروج معهم ونصرتهم إذا أخرجوا من ديارهم، فقال تعالى ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ) ثم كشف الله كذبهم فقال ( والله يشهد إنهم لكاذبون ) الحشر 11 لم تكن تلك الوعود إلا صورة من مواقف المنافقين التي كشف القرآن حقيقتها، فقد أقسموا أغلظ الأيمان على طاعتهم واستعدادهم للخروج إذا أمروا، قال تعالى ( واقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن ) النور 53 لكن الواقع كشف أن أقوالهم لم تكن دليلا على صدق مواقفهم، وأن الوعود التي يطلقونها لا تصمد دائما أمام الاختبار، بل إن خروجهم مع المؤمنين لم يكن ليعود عليهم ولا على جماعة المؤمنين بخير، وإنما كان من شأنه أن يزيد صفوف المؤمنين اضطرابا وأن يثير الفتنة بينهم، فقال سبحانه  ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) التوبة 47 ولذلك جاء الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، بشأن الذين تخلفوا عن إحدى الغزوات ثم طلبوا الخروج معه، أن يقول لهم ( فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) التوبة 83. وكشف القرآن كذلك تعلل المنافقين بالتخلف عن الخروج بحجة بعد المسافة ومشقة السفر، قال تعالى ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ) التوبة 42 هكذا جاء ذكر الخروج في هذه الآيات، في سياق التمييز بين الصادق فيما يقول والقائم على قوله حتى ينفذه، والمدعي الاستعداد للفعل، المكتفي بإطلاق الوعود، متخذا من أقواله ستارا لموقف آخر، وعند التنفيذ تتكشف حقيقة المواقف ويتميز كل طرف عن الآخر.

وأخيرا يبقى سؤال ” أرضي، لماذا أخرج منها؟” صرخة مدوية في سماء عالمنا العربي والإسلامي، لعلها تجد آذانا صاغية لدى من يتحمل مسئولية ما آل إليه حالنا، فردا كان أم سلطة، ألم يحق لي أن أجد في وطني سبل العيش الكريم من عمل وعلم وعلاج؟، ألم يحق لي أن أكون أسرة، وأن أعيش بكرامة وفي أمن وأمان، مطمئنا على حياتي وحريتي وأسرتي وممتلكاتي؟، ألم يحق لي أن أمارس شعائر ديني، وأن التزم بأحكامه في معاملاتي وعلاقاتي؟، ألم يحق لي أن أشارك في تقرير مصير وطني، وأن أبدي رأيا دون رهبة أو خشية من سلطة أو سلطان؟، ألم يحق لي أرى الظالم والمستبد والطاغي وكل من ارتكب جرائم أو اعتدى على حقوق الآخرين، يحاسب على ما اقترف، وينال جزاءه العادل وفقا للقانون؟، ألم يحق لي أن أرى العدالة والمساواة بين أبناء الوطن في كافة الواجبات والحقوق، دون تمييز أو محاباة؟ لقد عانينا كثيرا وطال بنا الانتظار، فما الذي ينقص وطني حتى لا أجد فيه من ما يحق لي، فأضطر إلى مغادرته؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.