منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القِيَم في حياتنا

0

قبل الشروع في التعريف بالقيم، ومصادرها، وأهميتها، وقياسها؛ يمكننا القول بأن لِلْكون قِيَما ثلاث يَتأسَّس عليها ويَستمدُّ منها ديمومتَه وانضباطه، ورغم وضوحها كالشمس في رائعة النهار، ولزومها كالماء والهواء، وحاجتنا إليها حاجة العين للدمع والأَصمّ للسّمْع؛ إلّا أنَّها –ويا للعجب- صارت عزيزة المنال في طول الحياة وعرْضها!! الاعتقادُ بالحقّ، والخَيْريَّةُ في السلوك، والجَمالُ في المشاعر..تلك هي القِيَم الثلاث التي وافقَت الفطرة، وحام حولها الفلاسفة، واحتفى بها الحكماء، ودنْدن في تضاعيف ساحِها المُفكِّرون، وألمح إليها ألبرت أينشتاين بقوله: “لولا الرّحمة والجمال والعدْل في هذه الدنيا ما كان لها معنى”. وهي أيضا التي مِن أجْلها أَنْزل الله ملائكتَه بالوحْي، واصطفى أنبياءَه بالرسالة، وفاضَل بين البشَر في معادهم يوم الدين. وعنها قيل: حياة بلا قِيم هي حياة بلا قيمة.

وبُعيْد اكتساب منظومتها مِن مَعِين مدوّنة الوحْي، وعبر القُدوة والتّعلُّم؛ حُقّ لها أن تتولّى موقعَ الدفَّة التي تقود مركبَ السّلوك؛ فتعصم الفردَ من الزّلَل لتمنحه الأمان النّفسي والأُسَريّ، وتصُبّ الإسمنت في صلْب المجتمع ليزداد تماسكا وتكاتفا، كما تُنشئ أرضيَّة للتعايش والتفاهم بين ربوع مليارات العالم السّبعْ وقارّاته السّتْ وجِهاته الأربعْ لتُضفِي على لوحة الكون ألوان الوئام وإكليل السلام؛ خاصَّة إذا علمنا أنَّ المهارات المهنية تُسهم في النجاح بنسبة ( 7% ) فقط بينما قِيَم الشخص وأخلاقه هي المسئولة عن ( 93%) مِنه، وأنَّ ما لا يقل عن (80%) مِن القِيم هي مِن المُشترَكات بيْن جميع الأُمم على حدّ تعبير المفكّر (عبد الكريم بكّار)..وهو هنا يشير إلى تصنيفٍ للقيم: بعضها مطلَقة تؤدّي وظائفها في سائر جوانب الحياة وتشترك فيها عموم البشرية، وأخرى نسبيّة تؤدّي وظائفها في جوانب محدّدة من الحياة وتأخذ صبغة الخصوصية من فرد إلى فرد وشعب دون شعب.

وإذْ نُذكِّر بأنَّ القِيَمَ في اللغة جَمْعُ قِيمة، وأنَّ القِيمةَ هي “الخصْلة الحميدة والخلَّة الشريفة التي تحضّ الإنسانَ على الاتّصاف بها”، وأنّها في الاصطلاح تعني تلك الأفكار التي صمدتْ للنقْد فلاقتْ إجماعا إنسانيًّا على مرِّ العصور ووافقَت الفطرة وعزَّزتْها الرّسالات السماويّة وأكَّدَتْها التجاربُ الحياتيّة فصارت القرص الصلب في الحاسوب البشري؛ فإنَّنا لسنا بحاجة إلى التوكيد على كونها أبعد من تلك القيم الثلاث التي تُعدّ بعض أُمّاتها، إذ تمتدّ مظلّتها وتتّسع لتشمل شُعَبًا للإيمان يبلغ عددُها بضع وستون أو بضع وسبعون؛ فتَتصدّرُها كلمةُ التوحيد ويَتذيّلها إماطةُ الأذى عن الطريق كما ورد في الحديث الشريف. ومرجعنا في ذلك أنّ المعيار الذي نحتكِم إليه في تفسير ماهيّة القيَم ينطلق مِن التصوّر الإسلامي البحْت، بعيدا عن التصوّرات الفلسفيّة المُختلَّة أو المقاييس الغربيّة الوافِدة التي قد تُأَوِّل الحقَّ والخيرَ والجمالَ بخلاف ما نعتقده وعلى نقيض ما ندين به. وهو ما عناه صاحبُ الظلال (سيد قطب) حين قال: ” لا جَرَمَ أنَّ أصْدق الحديث عن منظومة القِيم هو ما كان منسوبا إلى الإسلام، لأنّه الدين الخالص ذو الأصول المحفوظة”.

هذا ويُجمِع أساتذةُ الحضارات الذين أَشبعوها دراسة، مِن أمثال (ابن خلدون) و(ديورانت) و(توينبي)؛ على أنّ منظومة القيَم هي عمود الوسط في خيْمة الحضارة وكأنّها روحُ جسدها ودماءُ عروقها ونور أبصارها، وأنَّ سقوط الأمم يرجِع أساسا إلى انهيار المنظومة القِيَميَّة وتَدَاعِي القوّة الأخلاقيّة، وأنَّ الحضارةَ لا تموت قتْلا وإنَّما تموت انتحارا على حدّ وصف (أرنولد توينبي).

كما يُضيف علماءُ الاجتماع: “تفاخرَت الأُممُ في الحَرْف الأوّل مِن أبْجديّة تكوينِها بالقوّة الجسديّة، فإذا تجاوزَتْه تفاخرَتْ بالعِلْم، وإذا نالَتْ منه تفاخرَتْ بالأخلاق”، بما يعني أنَّ الأخلاق والقيَم هي النُّسخة الأَحدث واللبنة الأَقوى في سلسلة البناء الحضاري، وأنّ العلاقة بين القِيم والواقع –كلّ الواقع- علاقة امتزاج سائلة لا سبيل فيها للفصل التعسّفي الذي يدلّس به البعض؛ فلا سياسة بدون قيم، ولا اقتصاد بغير قيم، ولا بحثا علميا بلا قِيم، والمادّة -على قول مولانا الشيخ محمد متولي الشعراوي- بدون قيمة تكون شرسة هوجاء رعناء.

وبهذا المنظور؛ سقطَت الدولةُ العباسية قبل أن تجتاحها جحافلُ التتار، وتداعتْ حضارةُ الأندلس قبل أنْ يتداعى عليها الأسبان، وقضَت الدولةُ العثمانية قبل أنْ تمنحها أوروبا شهادة الوفاة..فما كان الترَف والبذَخ، و المؤامرات والدسائس، والغفْلة والبَلادة التي ذاع صيتُها وفاحتْ رائحتها؛ سوى صرخات دولة تتألّم وحشْرجات حضارة تحتضر واسْتغاثات أُمّة على وشك الرحيل.

أمّا في فنّ الإدارة، ومع مطلع الألفيّة الثالثة؛ فقد تَبنّى سدنتُها اتجاها حديثا يُطلِقون عليه (الإدارة بالقيم)، وهو ما يَعني أَنْسنة الإدارة؛  فيَصبّ في اتجاه إعلاء شأن قِيم الشفافية والجودة واحترام الوقت وخدمة العملاء، لتكون تلك الاتجاهات حاكِما للمنافَسة ودافعا للإنجاز ومفتاحا لتحقيق الأهداف والطموحات وحارسا لأخلاقيّات بيئة العمل، وذلك باعتبارها-أي القيم- لبّ الثقافة الإنسانيّة التي تلائِم احتياجات أطراف العمل الثلاثة وهي العامل والزبون والمالِك.

وفي إطار البحث عن منظار نستطلع به القيم فيمن حولنا؛ نعلم جميعا أنّ للوزن ميزانا يَختبر البدانة والنحافة، وللطُّول مقياسا يحدّد الطّول والقِصَر، وللصحّة فحْصا يُميِّز السقيم والسليم، وللدراسة اختبارا يَفصل بين النّجاح والرّسوب، فهل يا تُرى ثمّة مقياس أو فحص أو اختبار يكشف بجلاء ما تحُوزه ذواتُنا مِن تلك القِيَم كمًّا وكيْفًا؟

ولأنّ كلَّ ما في الحياة يُقيَّم بالقياس إلى غيره، وقيمة الأشياء تكمن في مقدار ما تَخدم به الإنسان، وقيمة الإنسان في مقدار استخدامه تلك الأشياء لعمارة الأرض وبناء الحضارة وأداء أمانة الاستخلاف… فإنَّ السُّلوكَ وحدَه هو مرآةُ القِيم وميزانُها، وهو فحْصها ومقياسها؛ بمعنى أنّ شهادة الجار في السكَن والبائع في السّوق والرفيق في السّفر والزميل في الدراسة والصَّديق في العمل والرّفيق في المسجد، هي معيارٌ موثوق وشهادة مُعتمَدة، إنْ كانتْ خيْرا فخيْرا وإن كانت شرًّا فشرّا.. وفي هذا يُوجِز الإمام (أبو حامد الغزالي) -رحمه الله- في الإحياء فيقول: “إذا أثْنى على الرَّجل جيرانُه في الحضَر، وأصحابُه في السّفَر، ومُعامِلُوه في الأسواق، فلا تشكُّوا في صلاحِه”.

ونزوعا إلى الافتراض الذي نضمّد به جروح الواقع ونستشرف شمس المستقبل؛ أقول: لو سُئلتُ عن أعظم اختراع يُمكن أن تفيد منه البشريّة؟ لأجبتُ بلا تردّد: مِرآةٌ يطالعها الشخص؛ فتتخطَّى جمالَ الشّكل وأناقة الثّوب ومَلاحة القدّ ونضارة الوجه، وتَنفذ إلى لُبّ العقل ومكنون النفس وجوهر الروح؛ فتكشف حقيقة المعتقَد وصدْق النوايا وسلامة الشعور، ومِن ثَمَّ يبدأ مشوار التغيير ويَدور مقود التوجيه…فهل هذا يكون؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.