منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إلى الأب المجاهد المجتهد، المسؤول الصامد

عبد القادر صبري

0

إلى الأب المجاهد المجتهد، المسؤول الصامد

بقلم: عبد القادر صبري

إليك أيها الأب الفاضل…

حللتَ أهلًا ونزلتَ سهلًا، طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأتَ مقعدك في الجنة إن صدقتَ النية، وأحسنتَ القوامة، وأديتَ الأمانة التي حمّلك الله إياها. قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:6].  وقال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته…»

أيها الأب الكريم…

يا من تقف على ثغر عظيم وجليل، ثغر التربية والحماية والقيادة… لقد شرّفك الله بأمانة عظيمة، وخصّك بمهمة جليلة، إنها مهمة صناعة الرجال ليكونوا صُنّاعًا للحياة. فأودع الله في عقلك حكمة، وفي قلبك رحمة، وفي كيانك مسؤولية، لا يدركها إلا من استشعر ثقل الأمانة وعظمة التكليف. أنت قائد في بيتك، راعٍ ومسؤول عن أهلك، ومُربٍّ وقدوة لأبنائك. تبني النفوس، وتنير العقول، وتغرس القيم، وتخفف الآلام، وتزرع الأمل. فبصلاحك يصلح البيت، وبفسادك يضيع الطريق، وينهار البناء، وتُدمَّر الأجيال.

أيها الأب الفاضل…

إن حضورك في بيتك ليس حضورًا عابرًا، بل أنت حجر الزاوية في التربية والتوجيه. أنت السند، وأنت الميزان والبوصلة، وأنت الزارع لمعاني الرجولة الحقة: صدقًا، وأمانةً، وشجاعةً، وغيرةً على دين الله ورسوله… فكن لهم صاحبًا ساحبًا إلى الخير. قال الله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فازرع فيهم الحب قبل الطاعة، والقدوة قبل النصيحة، والحوار والشورى قبل الامتثال للأمر. كن قريبًا منهم، استمتع بتربيتهم، واستمع إليهم، وأنصت لهم، وشاركهم همومهم وآلامهم وآمالهم، ووجّههم بالحكمة والموعظة الحسنة.

وامنحهم مساحة للاجتهاد والتعبير، وأنت تراقب من برجك العالي، برج الحكمة، فإن أخطأوا فشجّعهم، وإن أصابوا فكافئهم. يقول الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: «… حتى نساعده على الاستقامة وفق شرع الله والاستنارة بوحي الله، فيكون قدرًا من أقدار التغيير بعد توفيق من الله وبركاته. نعتمد الشجاعة والتجربة، نتعلم من الخطأ ونحاول ونثابر ونسدد ونقارب، ونستعين بالله وعلى الله قصد السبيل» ([1]).

واجعل بيتك محرابًا للإيمان، تُقام فيه الصلاة، ويُذكر فيه الله جل وعلا، ويُصلَّى فيه على الحبيب المصطفى ﷺ، ويُتلى فيه القرآن، وتُعاش فيه القيم.

فمي هذا البيت يُصنع الرجال. يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله:

«من البيت الإسلامي تنطلق القومة، إن كان البيت يسكنه مؤمنون، وكانت قلوب المؤمنين يسكنها حب الله والخوف من الله والرجاء فيه…» ([2]) فمن البيت الإسلامي تنبعث النهضة، ومنه يتشكل مستقبل الأمة حتى تكون خير أمة أُخرجت للناس. ولا تنشغل، أيها الأب القوّام، بدنيا زائلة عن أبنائك، ولا تتركهم لتيارات هدّامة جارفة، فإننا نعيش زمنًا شديد الفتن، لا يثبت فيه إلا من تربى على أساس قوي متين. قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت». واعلم أن الكلمة الطيبة صدقة، فأولى الناس بها أهل بيتك، ثم الأقرب فالأقرب. وربّ كلمة صلاحٍ تقولها اليوم تصبح خلقًا راسخًا في ابنك غدًا، وربّ موقف منك يترك أثرًا لا يُمحى. رسّخ في قلوبهم حب الله، وحب رسوله ﷺ، وحب آل بيته الأطهار، وحب المؤمنين، واربطهم بصحبة صالحة تذكّرهم إذا نَسُوا، وتجيبهم إذا سألوا، وتثبّتهم إذا ضعفوا، فتلك من أسباب صناعة الرجال. واعلم أن الإهمال والكسل والتواكل لا تورث إلا الضعف والهوان.

واربطهم بالله، وعلّمهم أن غايتهم ليست دنيا فانية، بل رضوان الله والفوز في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17]. ولا تنسَ الدعاء… الدعاء في أول الطريق، والدعاء في وسطه، والدعاء في آخره، فهو مُخّ العبادة. فدعوة الأب مستجابة، ليس بينها وبين الله حجاب، فاجعل لأبنائك نصيبًا منها في السر والعلن، وفي جوف الليل والناس نيام، بركعات مخصصة لهم ولأجلهم، لعلها تصادف وقت نزول رب السماوات إلى السماء الدنيا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له. فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر». واعلم أن أعظم استثمار لك هو ولد صالح يدعو لك بعد موتك، كما قال ﷺ:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث… أو ولد صالح يدعو له».

فكيف إن كان جيلًا كاملًا من الصالحين؟! فشمّر عن ساعد الجد، واصبر، وجاهد، وربِّ، واحتسب… والله خيرٌ حافظًا.

لأن البناء ليس شعارات تُرفع، بل عمل وصبر واتباع ومتابعة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله:

«البناء من أساس وعلى أساس؛ عملية شاقة، عملية ميدانية، عملية متابعة الماء من نبعه لكيلا يتكدر، عملية تركيب العناصر لكيلا تختلط خلطة عشوائيًا، عملية تعهد النفوس والأجسام، عملية معالجة الواقع بصبر» ([3]).

فالسلام عليك أيها الراعي المساند.

والسلام عليك أيها المربي القائد.

والسلام عليك أيها القدوة الصامد…  وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


([1])– ياسين، عبد السلام: تنوير المؤمنات، ج2، ص256.

([2])– ياسين، عبد السلام: تنوير المؤمنات، ج2، ص217.

([3])–  ياسين، عبد السلام: تنوير المؤمنات، ج2، ص204

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.