فخاخ التطبيع باسم المصالح والسلام
بقلم: بشرى بوطيب
بينما غزة لاتزال تحت سطوة الإبادة المعلنة أمام صمت العالم العربي والغربي، يستمر قطعان الاحتلال وجماعات اليمين المتطرف الصهيوني في تهويد وتدنيس المسجد الأقصى بكل الأشكال. لقد فرض المقتحمون على الأقصى الاشتراك في التعبد والصلوات، وأصبح قبلة المستوطنين لإقامة عباداتهم التلموذية.
في الوقت الذي يئن فيه الأقصى من إفساد الصهاينة فيه، والأسرى المنكل بهم في الزنازين، تتسارع خطى التطبيع مع أنظمة عربية شعوبها ترفضه جملة وتفصيلا. هذه المرة وفي ظل المستجدات الدولية الراهنة للقضية الفلسطينية يعقد المغرب في شتنبر 2026م صفقات دبلوماسية بغرض توثيق العلاقات وتبادل السفارات. نتساءل:
هل هو عمى دولي عما يقترفه الاحتلال في حق غزة و الإنسانية؟
أم هو عمى سياسي عما يشكله التطبيع من خطر على مستقبل القضية المقدسية،
ومكتسبات المقاومة وغزة في طوفان الأقصى؟
أم هو عمى إنساني عما تؤول إليه مصائر الشعوب
إذا ما فتح النظام المغربي أو العربي عامة أحضانه لجاهلية الصهيونية وقسوتها،
وإجرامها في الأرض والفطرة والإنسان والثروات؟
1-خيانة الأمانة
منطق القرآن صريح في إقرار أن الاستكبار والكفر لا يتحد أبدا مع رحمة الإسلام دين الحق والعدل. لقد كان الوحي دقيقا في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في علاقاته الدعوية لليهود والنصارى. تتلقى النبوة أمر الوعيد والزجر حول الخضوع لمهادنة أهل الكتاب رغم علمه صلى الله عليه وسلم خبث كفرهما ونوايا خصامهم للقرآن والنبوة. يقول الله تعالى: ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”(1) . الوحي مرشد النبوة، والنبوة منهاج التنفيذ والبلاغ بين البشر، لذلك بين الوحي مآلات أمر الاستكانة للعدو المتربص خاصة اليهود وهو: “الموافقة لهم فيما هم عليه”(2) من باطل وظلم وعدوان، بل أنكى من ذلك استدراج للنبوة وللأمة أن ” تتبع ملتهم فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم” (3). قد علم الله عز وجل أن نبيه المعصوم يعي حقيقتهم، ولن يتبع جهالاتهم وملتهم، ولكن القرآن يخاطب الأمة الإسلامية من بعد انصرام زمن النبوة، خاصة وهي غثاء وهنة يحكمها الاستبداد ويستعبدها الاستكبار الصهيوني الصليبي.
بعدما كشف طوفان الأقصى المبارك هشاشة الكيان المحتل وأرغم أنف الدولة الآمنة بسياج دولي أمريكي، فضحت مخططات مشروع الصهيونية للعلن. دهاقنة الصهيونية يفرضون علمانية على من والاهم، وطبع معهم ضمن اتفاقيات. لا عجب أن تستعمل علاقات التطبيع مسميات ملغومة مسمومة من قبيل: تعزيزالتعاون، توثيق، الارتقاء بالعلاقات، تعميق، تبادل. هي فخاخ سياسية ودبلوماسية تعتم حقيقة مشروع الصهيونية التخريبي المهلك للحرث والنسل والإنسان.
لنعد لكلمة التطبيع نفسها لا تنفك عن نفس المسار الأسود الحالك الذي ترسمه العلاقات في الواقع فكلمة “طَبَّعَ” تحمل معاني الانقياد والمطاوعة من طرف الأضعف جانبا فنقول” طبع المهر” بمعنى روضه حتى انقاد له. وطبع الشيء، دنسه، والثوب اتسخ. وطَبِعَ الولد أصابه الدنس في جسمه وأخلاقه.
نخلص إلى أن التطبيع ينزع عن الشيء صفته النقية، وعن الإنسان سمته الفطرية. كما أنه يستعبد من ينقاد له وينبطح ويسلبه حريته. السعي للتطبيع من الدول العربية الإسلامية يخطبون ود إسرائيل لأجل المصالح هو تدنيس للشعوب وتخريب لمعاشهم ودنياهم وآخرتهم.
2-الولاء لله والحق منجية.
أن أعقد علاقات صداقة وتعاون مع عدو لا تخطئه عين ولا ينكره عقل هي الرضا بتعريض النفس والغير لخطر تبين فتكه. وهل هناك أخطر من الكيان مدللة الدولة الصهيونية الكبرى ذات المشروع العدائي للإنسان والإنسانية. أظهرت للعالم من خلال سنوات الإبادة في غزة وحشية منقطعة النظير. ولاتزال عدسات الإعلام الدولي تنقل هذه الإبادة الجماعية للفلسطينيين في أكناف بيت المقدس، فكيف يمحى الإجرام ويجمل ويصبغ بجرة قلم في أوراق المطبعين؟
إن أصل التطبيع ولاء المستعبَدِ للمستكبر فينحل الغالب عميله الخانع بنحلته وملته وفكره وثقافته. بعد الوهن الذي أصاب الأمة وداء الأمم الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر المسلمين منه، صار اتباع المتغلب القوي بعد ضعف الدين بين المسلمين سنة جارية عبر حقب الزمان. هو “جرثومة المرض وأصله اتباعهم في القول والعمل، في منهجية الفكر وتصور الحياة، في حبهم للدنيا وجهلهم بالله وباليوم الآخر، في لصوقهم بالأرض وتشجيعهم للسلوك الدوابي” (4). تطبيع الدولة العربية المسلمة اليوم يتجاوز سلم الاتباع والولاء الكامل. إن رضيت الشعوب فهو العودة القاصمة للظهر للاستعمار الجديد في الألفية الثالثة. احتلال شامل للأرض والإنسان.
تحالف الاستكبار الأوربي والأمريكي الصهيوني هو تاريخ قديم يعيد زمن انصهار النصرانية في اليهودية في القرون الأولى، وتحالف الصليبية والصهيونية في بداية القرن العشرين. حقيقتها روح جاهلية وما تدعو إليه من تقسيم وتفتيت للبقية الكامنة في الجسم العربي المسلم، وحروب وإبادة للإنسان هو إفساد. روح تتوارى خلف كل عنف جهنمي، وخلف كل كراهة للإنسانية، وخلف كل قساوة قلب مدمرة وتآمر دنيء مفلسف، حقيقة شهد بها الله خالق كل شيء في كتابه، وشهدت بها سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وجماعته المباركة، وتشهد بها نصوص اليهود أنفسهم”(5) .
لقد أرادها سدنة الاستعمار منذ القرن 19 الميلادي علمانية ابتدعوها لتحاصر رحمة الإسلام، ورفق الإسلام، وتحارب أخلاق النبوة. لكنهم نسوا أنهم يبارزون دين الوحي والغيب وسلامة الفطرة. أمر سبحانه أن تكون الولاية له وحده لا للطاغوت. الولاء نصرة لله، ولدين الحق، ولقضايا الحق. هي المنجية من عتمة فتن الزمان وأهوال يوم الميعاد يخبر البشرية جمعاء أن ” الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات” (6). وهو القائل لنبيه وأمته من بعد أن احتوشته أطماع النصارى وأحقاد اليهود: ” قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير” (7). فلا نصير سواه يذب عن هذا الكون إن اتخذ البشر الطاغوت المادي والبشري إلها يعبد من دون الله عز وجل، فقد بدت البغضاء من مخططات عتاة الاستكبار وما تخفي صدورهم أنكى وأكبر.
[1] البقرة 120 [2] تفسير ابن كثير ج1/281 [3] نفسه 1/282 [4] سنة الله عبد السلام ياسين، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 2005. ص43/44 [5] سنة الله، ص210 [6] البقرة 275 [7] البقرة 120