منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعارض بين الأدلة العقلية

اشترك في النشرة البريدية

المقدمة

الحمد لله على شرعه وتيسيره ، وصلى الله على محمد صفوته من خلقه وخليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه وانتفع بقيله ، وبعد :

فبالعقل كرم الله تعالى الإنسان وفضله على سائر المخلوقات ، وبالعقل سخّر له ما في السماوات وما في الأرض وجعله سيد هذه الأرض والخليفة فيها ، والإسلام رفع قيمة العقل البشري واحترمه وأعلى من شأنه، بل جعل التعقل والتفكير والتدبر فريضة إسلامية، يلزم كل مسلم أن يؤديها حقها، وجعل الإسلام العقل مناط التكليف، فبالعقل تدرك الأشياء على وجهها ، ويوصل إلى الحق والعدل، لذلك فلا غرابة أن نجد آيات القرآن الكريم تثني على أصحاب العقول والألباب ، وتوبخ أولئك الذي لم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والهداية حتى هلكوا ، ولا غرابة أيضا أن نجد القرآن الكريم يكثر من استثارة العقل ليؤدي دوره الذي خلقه الله له ، ولذلك نجد عبارات (لعلكم تعقلون) و (لقومٍ يتفكرون) و (لقومٍ يفقهون) ونحوها تتكرر عشرات المرات في سياق آيات القرآن العزيز .

لقد أبرز الإسلام بمبادئه ونصوصه المتظاهرة أبعاد تكريمه للعقل واهتمامه به في مواضع عدة ، لعل من أهمها  ما نحن بصدده  من إسناده استنباط الأحكام الشرعية فيما لا يوجد فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع إلى العقل .

ولهذا كان القصد من هذا البحث بيان المنهج الفقهي في الاستدلال بالعقل في الأحكام الشرعية على اختلاف أنواعها، وإظهار ما للفقه الإسلامي من دور في إعمال للأدلة العقلية في كثير من أبواب الشريعة، الأمر الذي حثّ عليه الشرع ببيان الإطار الصحيح المنضبط، والموازنة العادلة بين العقل والشرع

المزيد من المشاركات
1 من 38

يقول الإمام الغزالي: ” أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل؛ فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرَّف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد ”  ([1]) .

وتبرز أهمية دراسة موضوع الأدلة العقلية عند الفقهاء من خلال النقاط التالية :

1- أن بيان ومعرفة الأدلة العقلية وضبط أصول الاستدلال الشرعية واجب شرعي، حماية للدليل العقلي الصحيح المعتبر ، وحفظاً له من الاختلاط بالأدلة الزائفة ، وفي هذا وذاك صيانة للفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة للتشريع، ومن الجمود المترتب على دعوى إغلاق باب الاجتهاد

2 –  أن في بيان أصول الاستدلال العقلي عند الفقهاء تيسيراً لعملية الاجتهاد ، لإعطاء الحوادث المستجدة والنوازل ما يناسبها من الأحكام الشرعية .

3- أن دراسة الأدلة العقلية التي يعتمد عليها الفقهاء وبيانها ولو على وجه الإجمال ، يدل على ما كان عليه الفقهاء من ضبط للفتوى، والتزام لشروط المفتي، وآدابه.

4- أن دراسة منهج الفقهاء في الاستدلال بالأدلة العقلية مفيد لمعرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين الفقهاء ، والتماس الأعذار لهم في ذلك ، كما أنه مفيد في الاطلاع على قواعد الحوار والمناظرة عند المتقدمين، وضبط ذلك بالرجوع إلى الأدلة الصحيحة المعتبرة.

وفي البحث تمهيد ، وخمسة مباحث هي :

المبحث الأول :  القياس .

المبحث الثاني :  الاستحسان.

المبحث الثالث : المصالح المرسلة .

المبحث الرابع : سد الذرائع.

المبحث الخامس : الاستصحاب .

وسوف أتناول هذه الأدلة العقلية الخمسة ببيان مدى حجيتها ، ومدى اعتبارها عند فقهاء المذاهب الأربعة، بذكر تطبيقات الفقهاء واستعمالهم لها على وجه الإجمال ، قاصداً بذلك بيان أصول الأدلة العقلية عند الفقهاء

التمهيد : ويشمل :

أولا – تعريف التعارض

لغةً :

التعارض لغةً : مصدر ” تعارض ” [2] مِن ” المعارضة ” ، وهي المقابلة على سبيل الممانعة والمواقعة ، ومنه ” اعترض فلان فلاناً ” أيْ وقع فيه .. ويقال ” لفلان ابن يعارضه ” : أي يقابله بالدفع والمنع . ويقال ” عارض الكتابَ معارضةً وعراضاً ” : قابلَه بكتاب آخَر [3]

ومما تقدّم يكون التعارض لغةً : التقابل والتمانع والمواقعة .

ثانيا – تعريف التعارض اصطلاحاً :

عرّف الأصوليون التعارض بتعريفات عدة ، اذكر منها ما يلي :

التعريف الأول : تقابل دليليْن على سبيل الممانعة .

وهو تعريف الزركشي رحمه الله تعالى ، واختاره الفتوحي

والشوكاني [4] رحمهما الله تعالى [5] .

التعريف الثاني : تقابل الحُجّتيْن المتساويتيْن على وجْه يوجِب كُلَّ واحد منهما ضدّ ما توجِبه الأخرى : كالحِلّ والحرمة ، والنفي والإثبات .

وهو تعريف السرخسي  رحمه الله تعالى [6] .

التعريف الثالث : تقابل الحُجّتيْن على السواء لا مزيّة لأحدهما في حُكْمَيْن متضادّيْن .

وهو تعريف البزدوي  رحمه الله تعالى [7] .

التعريف الرابع : تقابل دليليْن على وجْه يمنع كُلّ واحد منهما مقتضى صاحبه.

وهو تعريف الإسنوي رحمه الله تعالى [8] .

التعريف الخامس : تدافع الحُجّتيْن .

وهو تعريف ابن عبد الشكور [9] رحمه الله تعالى [10].

التعريف السادس : اقتضاء كُلّ مِن الدليليْن عدم مقتضى الآخَر .

وهو تعريف ابن الهمام [11] رحمه الله تعالى [12] .

ثانيا: تعريف العقل ، ومحله ، وأثر ذلك في المسائل الفقهية .

1 –  العقل في اللغة :

يذكر أهل اللغة أن للعقل ِعدة معان، وهي متقاربة، وفي بعضها تداخل، فقالوا : العقل هو الحجر والنهي، ضد الحمق، والعاقل: هو الجامع لأمره ورأيه، وقيل : الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، قالوا : وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه، والعقل- أيضاً – التثبت في الأمور، ويأتي العقل – أيضاً-  بمعنى الفهم، يقال : ( عَقَلَ الّشْيء يَعْقِلهُ عَقْلاً ) إذا فهمه ، وبمعنى الْمَلْجَأُ ، يقال: ( فُلان مَعْقِلُُ لقومه ) أي : هو مَلْجَأ لهم . ومن الألفاظ المرادفة في اللغة للعقل : اللب ، والحِجْر، والنُهى، والحلم، والحجى ([13]) .

2 – العقل في الاصطلاح :

اختلفت اصطلاحات العلماء في تحديد معنى العقل وماهيته، نظراً لكونه اسماً مشتركاً يُطلق على عدد من المعاني ، قال الغزالي : ” وكذلك إذا قيل : ماحَدُّ العقل؟  فلا تطمع في أن تحدَّهُ بحدٍ واحد ، فإنه هَوَس ، لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معانٍ ، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية ، ويطلق على الغريزة التي يتهيّأ بها الإنسان لدَرْك العلوم النظرية ، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة حتى إنَّ مَنْ لم تحنّكه التجارب بهذا الاعتبار لا يُسمَّى عاقلاً ، ويطلق على مَنْ له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه ، وهو عبارة عن الهدوء فيقال : ” فلان عاقل ” أي فيه هدوء ، وقد يطلق على مَنْ جَمَعَ العمل إلى العلم حتى إنَّ المفسد وإن كان في غايةٍ من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلاً… ، فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود ” ([14]) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” العقل قد يراد به القوة الغريزية في الإنسان التي بها يفعل وقد يراد به نفس أن يعقل ويعي ويعلم، فالأول قول الإمام أحمد وغيره من السلف : العقل غريزة والحكمة فطنة. والثاني قول طوائف من أصحابنا وغيرهم : العقل ضرب من العلوم الضرورية، وكلاهما صحيح فإن العقل في القلب مثل البصر في العين يراد به الإدراك تارة ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الإدراك. فإن كل واحد من علم العبد وإدراكه، ومن علمه وحركته حول ، ولكل منهما قوة ولا قوة إلا بالله ” ([15]) .

ولعل في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يفيد : أن العقل في حقيقته : غريزة أودعها الله هذا المخلوق (الإنسان) للتمييز والإدراك ، وله قوة استنتاج وحفظ وذاكرة ، وكل ذلك منحة الله لمن يشاء من عباده .

3 – محل العقل :

هذه مسألة فيها خلاف مشهور بين أهل العلم قديماً وحديثاً ، فذهب جماعة أن العقل في القلب، وقال آخرون : هو في الدماغ، وقيل : في الرأس ، وقيل غير ذلك .

ولا أرى طائلاً من التفصيل في هذه المسألة وحشو البحث بكثرة الأدلة والمناقشات حول هذه القضية ، ذلك أن الخطب في هذه المسألة يسير، والفائدة المرجوة من النتيجة العلمية فيها قليلة ، لذا سأكتفي بذكر القول المختار في محل العقل مع ذكر بعض الأدلة لهذا القول:

فالمختار في محل العقل أنه في القلب ، وله اتصال بالدماغ .

وإنما كان هذا القول هو المختار لما يلي :

أولاً : أن هذا القول جامع بين الدليل الشرعي والدليل الحسي ، فإن الدليل الشرعي -الكتاب والسنة- دل على أن محل العقل والتحكم في تصرفات الإنسان هو القلب،قال الله تعالى: ) أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ( [الحج : 46]، فتأمل قوله سبحانه ) قلوب يعقلون بها ( ، حيث جعل القلوب آلة العقل ، ثم أكد أن المراد به القلب الحقيقي الموجود في الصدور بقوله: ) ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ( فدل هذا على أن القلب هو الذي يبصر المعاني ويميز بينها ويعقلها .

وأما الدليل الحسي فقد قام الدليل على أن للدماغ تأثيراً كبيراً في إحساس الإنسان وتصوراته وأنه إذا اختل الدماغ اختل التصور والإحساس  .

ثانياً : أن هذا القول فيه جمع بين نصوص الوحي وما يقال في العلم الحديث ، من جهة أن القلب في حقيقته كالمولد للطاقة، والدماغ كالشمعة يضئ ويكشف الحقائق ولو احترقت لم نستفد من المولد شيئاً ، فالمخ هو جهاز التصور والإدراك، فهو يتصور الأشياء ويدركها ثم يبعث بها إلى القلب والقلب يتصرف ويتحكم، كما نقول في حاسة السمع والبصر تدرك المسموع والمرئي وتبعث بها إلى القلب فيحكم ويتصرف، ويؤيد هذا أن الله تعالى نفى العقل عن الكفار مع أن لهم تصوراً وإدراكاً ، لكن لفساد تصرفهم صاروا كمفقودي العقل .

فعلى هذا يكون محل تصور المعاني والمعقولات الدماغ، أما الذي يحكم البدن ويتصرف فيه فهو القلب، ومعلوم أنه إذا اختل محل التصور لم يمكن العقل، لأن محل التصور هو الجسر الذي يعبر منه إلى القلب فإذا اختل لم يصل إلى القلب شيء فيختل العقل ([16])  .

4- الثمرة الفقهية لهذا الخلاف :

يتفرع على الخلاف في محل العقل الخلاف في مقدار الواجب في الجناية على الرأس إذا ذهب بسببها العقل، فالذين قالوا : العقل في القلب ، قالوا الواجب دية العقل وأرش الجناية ، والذين قالوا العقل في الرأس قالوا الواجب دية العقل فقط ، لأن المنفعة تابعة للعضو .

قال الزركشي : ” ومما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا ؟ مالو أُوضح (الموضحة الشجة التي تصل إلى العظم)رجل فذهب عقله، فعند الشافعي ومالك: يلزمه دية وأرش الموضحة ، لأنه أتلف عليه منفعةً ليست في عضو الشجة تبعاً لها، وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط ، لأنه إنما شجَّ رأسه، وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج ، ودخل أرش الشجة في الدية “([17]) .

ثالثا : منزلة الأدلة العقلية في التشريع الإسلامي، ومكانتها عند الفقهاء.

يذكر علماء الأصول أن الأدلة الشرعية نوعان ([18]):

الأول : الأدلة النقليَّة: وهي: الكِتابُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وشرعُ من قبلَنَا ، وسمِّيتْ (نقليَّةً) لأنَّها راجعةٌ إلى النَّقلِ ليسَ للعقلِ شيءٌ في إثباتهَا.

الثاني : الأدلة العقليَّة :وهي – عند أكثرهم – : القِياسُ، ولاستحسان، والمصلحَةُ المُرسلَة، وسد الذرائع، والاستصحابُ، وسمِّيتْ (عقليَّةً) لأنَّ مردَّها إلى النَّظرِ والرَّأيِ وإنْ لم تستقلَّ بها العُقُولُ.

وهذه الأدلة العقلية غير القياس، محل خلاف عند الأصوليين من جهة التنظير؛ لأن الواقع العملي يشهد بأن سائر العلماء والأئمة كان لهم نصيب من العمل بواحد من هذه الأدلة المتقدمة – كما سيأتي بيان ذلك – .

ومما يؤيد ذلك قول السُّبْكِيُّ :” اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَشْخِيصِهِ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الِاسْتِصْحَابُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ” ([19]) .

والواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله ص هو الأصل لجميع الأدلة، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، إذ هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال، وهو طريق السعادة والنجاة، فهو الحق الذي يجب اتباعه ، وما سواه من كلام الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل([20]).

يقول ابن تيمية : ” ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد ، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف مِنَّة عليهم أن أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبين لهم الصراط المستقيم ، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم ، بل أشر حالاً منها ، فمن قَبِلَ رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية ، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية ”  ([21]).

وكما أنه لا يجوز أن يحتج في السمعيات بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، فكذلك لا يجوز الاستدلال بالعقليات من سائر أنواع الأدلة حتى يثبت صحة هذا الدليل وصراحته ، ودلالته على المقصود ، حتى لا يقع في شرع الله تعالى ما ليس منه .

وينبغي أن يعلم أن العقل الصريح موافق ولا بد للنقل الصحيح ؛ بل العقل والنقل أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه، وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً ، فالكتاب المنزل والعقل المدرك؛ حجة الله على خلقه([22]).

ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا قال أحد منهم: قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلاً عن أن يقول: فيجب تقديم العقل على النقل([23]).

هذا وقد ذكر ابن تيمية أن العلوم ثلاثة أقسام :

1 – منها ما لا يعلم إلا بالأدلة العقلية، وذلك كثبوت النبوة وصدق الخبر، وأحسن هذه الأدلة ما بينه القرآن وأرشد إليه.

2 – ومنها ما لا يعلم إلا بالأدلة السمعية، وذلك كتفاصيل الأمور الإلهية وتفاصيل العبادات، وذلك إنما يكون بطريق خبر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- المجرد، والواجب على العقل والحالة كذلك التسليم لما جاء به السمع، حتى لا يبقى العقل حائرا .

3 – ومنها ما يعلم بالسمع والعقل، وذلك مثل كون رؤية الله ممكنة أو ممتنعة([24]) .

وبهذا يعلم أن العقل موظَّف للعمل بالنصوص الشرعية، ومُسْتَثْمَر في فهم مقاصدها ومعرفة دلالاتها ، وهذا من شأنه أن يحرر العقل من أسر التقليد وغل العادات حتى يكون في مستوى المكانة التي وضعه فيها الإسلام الحنيف .

ومنهج السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في تعاملهم مع العقل منهج يقوم على الوسطية والاعتدال ، فقد عرفوا ما أعطاه الله تبارك وتعالى للعقل من مساحة يتحرك خلالها ليؤدي وظيفته التي أرادها الله عز وجل منه وهي فَهْمُ مراده سبحانه من النصوص الشرعية حتى يوجه صاحبه للعمل بها دونما زيغ أو شطط .

وجعلوا ذلك العقل في الوقت نفسه تابعاً للنقل لا يعارضه في حكم ، ولا يستقل عنه بتصور ، بل يستنير بنوره ويهتدي بهداه .

ولو أن من شط بعقله سلك هذا المنهج الوسطي المعتدل لسعد بهذا العقل ولما شقي به أبداً ، فإن كل من قاده عقله إلى طريق الشقاء إنما كان ذلك نتيجة الغلو في تعظيم العقل ووضعه في المقام الذي لا يناسب حجمه ، أو نتيجة تعطيل ذلك العقل دون استثمار لطاقاته واعتبار لقدراته اتكالاً على تقليد أعمى ، أو وقوفاً عند عادة من العادات حُتّم عليه اتباعها وحُرَّم عليه اجتنابها ([25]).

 

المبحث الأول : القياس :

وفيه مطلبان :

المطلب الأول : تعريف القياس ، ومدى حجيته .

المطلب الثاني : أنواع الاستدلال بالقياس وتطبيقاته . 

المطلب الأول: تعريف القياس وحجيته :

أولاً : تعريف القياس وحجيته :

أ- التعريف

القياس لغـة([26]): التقدير، ومنه قولهم: قست الثوب بالذراع، إذا قدرته به.

وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: “حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما”([27]).

ب- حجية القياس ومنزلته في الشريعة :

اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على إثبات القياس والاحتجاج به من حيث الجملة([28])، بل إن أكثر علماء الأصول يذكرون القياس ضمن الأدلة المتفق عليها ([29]).

ولم يخالف في حجية القياس في مسائل الأحكام الفقهية العملية من أهل السنة إلا الظاهرية ومن تبعهم تبعاً للإمام داود بن علي المعروف بالظاهري.

قال أبو عمر ابن عبد البر: « لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة – وهم أهل الفقه والحديث – في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغداديومن قال بقوله فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا…..»([30]).

والحقيقة أن خلاف من خالف في حجية القياس إنما هو مكابرة ، ودفع للواقع ، فإنه ليس يخلو كتاب من كتب الفقه الإسلامية المعتبرة للدليل من العمل بالقياس ، لذلك  قال ابن عبد البر: “وأما القياس على الأصل والحكم للشيء بنظيره فهذا مما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وُجد له القياس الصحيح منصوصًا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام”([31]).

وينبغي أن يعلم أن عموم السلف الذين أخذوا بالقياس واحتجوا به جعلوا ذلك وفق ضوابط أهمها عدم وجود دليل أقوى من القياس، كالنصوص القاطعة ؛ لأن وجود النص يسقط القياس، فلا بد أولاً من البحث عن النص قبل استعمال القياس حتى لا يُصار إلى القياس إلا عند عدم النص .

قال الشافعي: “ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز”([32]).

كما أن هناك ضوابط أخرى للقياس حتى يكون في نفسه قياساً صحيحاً ، ولذا فينبغي أن لا يصدر القياس في الشريعة ولا يستعمل في الاستدلال على الأحكام إلا من أهل العلم وأرباب الفقه ، ممن أدرك الأقيسة الصحيحة والفاسدة ، و عرف شروط القياس المعتبرة عند العلماء .

أما استعمال القياس وبناء القول أو الفتوى عليه مع الجهل بقواعد الشريعة وضوابط أصول القياس الصحيح فهذا مذموم عند السلف وهو قياس باطل ورأي فاسد، لا يصدر إلا ممن قلّ نصيبه من العلم والإيمان ([33]).

ذلك أن القياس الصحيح المعتبر في الشريعة هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، قال تعالى: ]اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ[ [الشورى: 17]، وقال سبحانه: ]لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ[ [الحديد: 25].

قال ابن تيمية: “وكذلك القياس الصحيح حق، فإن الله بعث رسله بالعدل، وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل وما يُعرف به العدل” ([34]).

وقال ابن القيم: “فالصحيح [يعني من القياس] هو الميزان الذي أنزله مع كتابه”([35]).

ولهذا قال أهل العلم : إن حقيقة القِياسِ إبانةٌ عن الحكمِ الشَّرعيِّ الَّذي دلَّ عليه النَّصُّ وإظهارٌ له من قِبَلِ المجتهدِ بضربٍ من التَّشبيهِ لغير المنصوصِ بالمنصوصِ، وليس هو إثبات حُكمٍ شرعيٍّ من غير أصلٍ، بل الحُكمُ موجودٌ إلاَّ أنه ليس بظاهرِ، فيكشفُ عنهُ المجتهدُ بطريقِ القياسِ، لذا فإنَّه مسلكٌ اجتهاديٌّ في حدودِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بضوابطِ معيَّنةٍ  ([36]).

ومن أجل هذا فإنه لا يمكن أن يقع بين النصوص والقياس شيء من التعارض أو التناقض، بل يجب موافقة القياس الصحيح لنصوص الشريعة؛ إذ ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس؛ فإن الشريعة جاءت بالجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والقياس من قبيل الجمع بين المتماثلين فيكون موافقًا للشريعة([37]).

ولابن تيمية رسالة نفيسة في بيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا([38])، كما عقد ابن القيم في ذلك فصلاً في كتابه القيم “إعلام الموقعين”، فقال: “فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس……”([39]).

ومما قاله شيخ الإسلام رداً على من ادعى وقوع اختلاف بين الخبر والقياس : “…وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد ، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس: علمنا قطعًا أنه قياس فاسد…..فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده”([40]).

المطلب الثاني : أنواع الاستدلال بالقياس ، وتطبيقاته . 

أولاً : ما يجري فيه القياس من الأحكام الشرعية :

ذكر ابن تيمية أن غالب الأحكام الشرعية التي تثبت بالنص يمكن إثباتها بالقياس، لأنه ليس في هذه الشريعة شيء يخالف القياس ، قال ابن تيمية: “ومن كان متبحرًا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة”([41]).

ولم يزل علماء الأمة من لدن الصحابة الكرام إلى يومنا هذا يستدلون بالقياس ، ويتخذونه مورداً من موارد الأدلة ، وأصلاً من أصول الاستدلال ، لذلك نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الحكم بالقياس في وقائع كثيرة تصل بمجموعها إلى حد التواتر([42]).

فمن ذلك قياس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام([43]).

ومع اتفاق عامة الفقهاء على العمل بالقياس إلا أن القياس في قوته ليس على درجة واحدة، بل منه ما هو قياس قوي ظاهر ، وهذا يسميه العلماء بالقياس الجلي ومنه ما هو ضعيف وهذا يسميه العلماء بالقياس الخفي([44]).

والقياس الجلي: هو ما قُطع فيه بنفي الفارق المؤثر، أو كانت العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه منصوصًا أو مجمعًا عليها، وهذا النوع من القياس لا يُحتاج فيه إلى التعرض لبيان العلة الجامعة، لذلك سُمي بالجلي، وذلك مثل قياس إحراق مال اليتيم وإغراقه على أكله في الحرمة الثابتة في قوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[ [النساء: 10].

وهذا النوع من القياس متفق عليه، وهو أقوى أنواع القياس لكونه مقطوعًا به ، بل حتى نفاة القياس يقولون به ، وإن كانوا لا يسمونه قياساً ، يقول الإمام الشوكاني : ” اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً وإن كان منصوصا على علته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ويقرب لديك ما بعدوه لأن الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظياً وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً ” ([45]) .

أما القياس الخفي: فهو ما لم يُقطع فيه بنفي الفارق، ولم تكن علته منصوصًا أو مجمعًا عليها، وذلك مثل قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص ، فهذا النوع لا بد فيه من التعرض لبيان العلة وبيان وجودها في الفرع، ولذا يمكن أن يحصل الاختلاف في العمل بهذا القياس فيأخذ به بعض العلماء ويتركه آخرون .

ثانياً : ما لا يجري فيه القياس :

مع اتفاق عامة الفقهاء على الأخذ بمبدأ القياس واعتباره دليلاً تثبت به الأحكام ، إلا أنهم اختلفوا في إجراء القياس في بعض المسائل في أبواب الفقه أو غيره من مسائل الدين ، ولعلي أذكر هنا تلك المسائل وتطبيقاتها، من غير إغراق في الأقوال والأدلة والترجيحات؛ لأن محل ذلك غير هذا البحث :

1- القياس في التوحيد والعقائد([46]):

اتفق علماء الإسلام من أهل السنة والجماعة على أن القياس لا يجري في التوحيد إن أدى إلى البدعة والإلحاد، وتشبيه الخالق بالمخلوق، وتعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله.

وقد تقدم النقل عن ابن عبد البر في قوله : « لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة – وهم أهل الفقه والحديث – في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي ، ومن قال بقوله فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا…..»([47]).

وعد ابن القيم([48]) من أنواع الرأي المذموم باتفاق سلف الأمة الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال .

2 – ما لا يعقل معناه من الأحكام ( التعبديات ) :

الأحكام التعبدية لا يقاس عليها ; لأن القياس فرع معرفة العلة , والفرض : أن التعبدي لم تعرف علته , فيمتنع القياس عليه , ولا يتعدى حكمه موضعه , سواء أكان مستثنى من قاعدة عامة ولا يعقل معنى الاستثناء , كتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة, وتخصيص أبي بردة بالتضحية بعناق , أم لم يكن كذلك, بل كان حكما مبتدأ , كتقدير أعداد الركعات, ووجوب شهر رمضان , ومقادير الحدود والكفارات وأجناسها- التي لم يعقل لها معنى – , وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى , فلا يقاس عليها غيرها ([49])  .

3 –  القياس في الحدود والكفارات والتقديرات ([50]) .

اختلف أهل العلم في جريان القياس في هذه الأبواب على قولين في الجملة :

الأول : المنع من إجراء القياس فيها ، وهو قول الحنفية، واحتجوا : بأن الحدود والكفارات والتقديرات مشتملة على تقديرات لا تعقل ، كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف، فإن العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد، والقياس فرع تعقل المعنى في حكمة الأصل وما كان يعقل منها كقطع يد السارق لكونها قد جنت بالسرقة فقطعت فإن الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب المنع من إثباته بالقياس وهكذا اختلاف تقديرات الكفارات فإنه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الركعات .

والثاني : الجواز ، وهو قول أكثر الفقهاء ، بحجة : أن أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب ، ويخص المسألة ما جاء عن الصحابة حين اجتهدوا في حد شارب الخمر، فقال علي رضي الله عنه : ” أراه ثمانين، لأنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون” ، وهذا قياس في الحدود ، ثم لم ينكر عليه فكان إجماعاً .

هذا وقد بيّن الإمام الشافعي مناقضة الحنفية لأصلهم هذا في هذا الباب ، وأنهم استعملوا القياس فيه، ومما قاله في ذلك : ” أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى عدوها إلى الاستحسان فأوجبوا الرجم بشهود الزوايا بالاستحسان مع مخالفته للعقل وأما الكفارات فقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، وقتل الصيد ناسيا على قتله عامداً …..

وأما المقدرات فقد قاس الحنفية فيها حتى ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو والبئر يعني أنهم فرقوا في سقوط الدواب إذا ماتت في الآبار فقالوا في الدجاجة ينزح كذا وكذا وذكروا دلاء معينة وفي الفأرة أقل من ذلك وليس هذا التقدير عن نص ولا إجماع فيكون قياسا ” ([51]) .

وهذه بعض التطبيقات الفقهية على هذا الخلاف السابق ([52])  :

1 –   الخلاف في إيجاب قطع النباش قياسا على السارق بجامع أخذ مال الغير خفية .

2 – لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ منهم ربع دينار فصاعدا , قياسا على السنة في السارق .

3- إيجاب الكفارة على قاتل النفس عمدا بالقياس على المخطىء .

4 – القياس في الرخص ([53]).

اختلف أهل العلم في جريان القياس في الرخص على قولين :

الأول : المنع ، وهو مذهب الحنفية ، بحجة : أن الرخص منح من الله تعالى، فلا يتعدى بها عن مواردها.

الثاني :الجواز وهو قول الجمهور ، لأن الرخص وإن كانت منحاً من الله تعالى ، فإن كلما تتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ، ولا يختص هذا بالرخص بل يعمم الشرائع بأسرها، فكان ينبغي أن لا يجري القياس في شيء من أحكامها .

وهذه بعض التطبيقات الفقهية على هذا الخلاف السابق ([54])  :

1 – جواز التداوي بغير أبوال الإبل من النجاسات، فقيل بالجواز ، ما عدا الخمر الصرف، وقيل بالمنع على أن الأمر بشرب تلك الأبوال رخصة لأجل التداوي .

2 – إذا صلى صلاة في شدة الخوف، فمشى في أثنائها، أو استدبر القبلة للحاجة إليها لم تبطل صلاته؛ لورود النص بذلك،  فلو ضرب ضربات متوالية أو ركب وحصل من ركوبه فعل كثير، فقيل : تبطل؛ لأن النص ورد في هذين، فلا يقاس عليهما غيرهما، لأن الأصل في العمل الكثير هو البطلان، وقيل : بل لا تبطل ، قياساً على ما ورد .

3 – ومنها قياس سائر الأعذار على المرض في جواز اشتراطه في الإحرام بالحج لأجل التحلل ، فاختلف في باقي الأعذار كنفاد النفقة وموت البعير وضلال الطريق .

4 – ومنها جواز صوم أيام التشريق للمتمتع فهل يتعدى إلى كل صوم له سبب أم لا لأن الرخصة وردت في المتمتع خاصة ، فيه خلاف .

5- القياس في اللغات  ([55]) :

اتفق الفقهاء وأهل العربية على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام، لأنها غير معقولة المعاني، ولا هي دائرة بدوران وصف في محالها، والقياس فروعهما فهي كالحكم تعبدي لا يعقل معناه .

واختلفوا في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودا وعدما ، كما إذا ثبتت تسمية محل باسم لمعنى مشترك بينه وبين غيره ، فهل يسمى ذلك الغير بذلك الاسم لوجود المعنى المقتضي للتسمية ؟ .

ومن الأمثلة والتطبيقات الفقهية على هذا الخلاف :

  • – الخمر ، فإنه اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائر مع الإسكار وجودا وعدما,فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار .
  • إطلاق اسم السارق النباش بواسطة مشاركته للسارق من الإخفاء في أخذا المال على سبيل الخفية .
  • – إطلاق اسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج .

وفائدة الخلاف في هذه المسائل : هو الخلاف في صحة الاستدلال بالنصوص الواردة في الخمر والسرقة والزنى على شارب النبيذ والنباش واللائط ، أو عدم صحتها . 6 – القياس في الأسباب ([56])

اختلفوا في ذلك فذهب كثير من أهل الأصول إلى أنه لا يجري فيها، وذهب جماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يجري فيها .

ومعنى القياس في الأسباب أن يجعل الشارع وصفاً سبباً لحكم فيقاس عليه وصف آخر فيحكم بكونه سبباً .

ومن الأمثلة على ذلك :

1 –  قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد بجامع كونه إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا ، فجعل اللواط سببا وإن كان لا يسمى زنا .

2 –  قياس المثقل على المحدد في كونه سبباً للقصاص.

المبحث الثاني : الاستحسان

وفيه مطلبان :

المطلب الأول : المقصود بالاستحسان ، وموقف العلماء منه .

المطلب الثاني : الاستدلال بالاستحسان، وتطبيقاته عند الفقهاء .

المطلب الأول : المقصود بالاستحسان ، وموقف العلماء منه .

أولاً : المقصود بالاستحسان :

الاستحسان لغةً: عدُّ الشَّيءِ حسنًا ، والحسن ضد القبح ([57]) .

وأمَّا اصطلاحًا: فقد اختلف العلماء في المراد بمصطلح الاستحسان ، وذكروا له أكثر من ستة معانٍ ، بعضها صحيح ، وبعضها باطل ([58]) .

ويعرف كثير من الأصوليين الاستحسان بأنه : العدول بحكم المسألة عن نظائرها، لدليل شرعي خاص([59]).

وقيل : الاستحسان: ترجيح دليل على دليل، أو هو العمل بالدليل الأقوى أو الأحسن([60]).

قال ابن تيمية: “ولفظ الاستحسان يؤيد هذا؛ فإنه اختيار الأحسن” ([61]).

وبهذا يتبين أنه ليس المقصود من الاستحسان ما يذكره بعضهم من أنه : “ما يستحسنه المجتهد بعقله”([62])؛ يعني: بهواه وعقله المجرد دون استناد إلى شيء من أدلة الشريعة المعتبرة.

ثانياً : موقف العلماء منه :

ذكر جماعة من علماء الأصول أن لفظة ( الاستحسان ) قد جرت لعدد من الأئمة في كتبهم فجرت لإياس بن معاوية , ولمالك بن أنس في كتابه , وللشافعي في مواضع ([63]) .

وقد سبق أن مصطلح الاستحسان يراد به عند العلماء عدة معان فهو بلا شك من الألفاظ المجملة، فلا يصح لذلك إطلاق الحكم عليه بالصحة أو البطلان هكذا .

وعلى هذا أيضاً يجب القول بأن من أثبت الاستحسان من أهل العلم وأخذ به كأبي حنيفة ومن تبعه إنما أراد به المعاني الصحيحة قطعًا، وذلك صيانة لمقام الأئمة والفقهاء والمفتين .

لذلك قال الزركشي في البحر المحيط : ” واعلم أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع, وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة ” ([64]) .

أما من أنكر الاستحسان من أهل العلم كالشافعي ومن تبعه فإنما أراد المعنى الباطل له قطعًا، ولهذا قال الشافعي : ” القول بالاستحسان باطل , فإنه لا ينبئ عن انتحال مذهب بحجة شرعية, وما اقتضته الحجة الشرعية هو الدين سواء استحسنه نفسه أم لا “، وقال أيضاً : “من استحسن فقد شرع” ، وقال أيضاً في الرسالة : ” الاستحسان تلذذ , ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم , ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب , وأن يخرج كل واحد لنفسه شرعاً ”  ([65]).

وبهذا يتبين أن الشافعي إنما ينكر الاستحسان الذي لا يعتمد على شيء من الأدلة الشرعية، وفي ذلك يقول الشافعي: ” لا أعلم أحدًا من أهل العلم رخص لأحد من أهل العقول والآداب في أن يفتي ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالمًا بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل”([66]).

ومن أجل ذلك يقول ابن القيم : “الشافعي يبالغ في رد الاستحسان، وقد قال به في مسائل: أحدها: أنه استحسن في المتعة في حق الغني أن يكون خادمًا، وفي حق الفقير مقنعة ، وفي حق المتوسط ثلاثين درهمًا”([67]).

وبذلك يتبين أن الشافعي إنما أنكر الاستحسان بمعنى القول بدون علم بالهوى والتشهي، أما إن كان الاستحسان بمعنى يوافق الكتاب والسنة، فإن الشافعي نفسه يقول به على النحو الذي يذكره ابن القيم.

لذلك فإن العمل بالاستحسان بالمعنى الصحيح أمر متفق على صحته، إذ لا نزاع في وجوب العمل بالدليل الراجح، وإنما الخلاف في تسمية ذلك استحسانًا.

فالتحقيق أن الخلاف في حجية الاستحسان لفظي; لأن الاستحسان إن كان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل , ولا يقول به أحد , وإن كان هو العدول عن دليل إلى دليل أقوى منه, فهذا مما لا ينكره أحد ([68]).

المطلب الثاني : الاستدلال بالاستحسان وتطبيقاته عند الفقهاء .

يكاد يتفق الفقهاء على الأخذ بمصطلح الاستحسان ، لكن كل يقصد بهذا المصطلح معنى قد لا يعتبره الآخر ، ولعلي أذكر هنا أمثلة لاستعمال مصطلح الاستحسان في المذاهب الأربعة :

1 – فمن ذلك عند الحنفية قولهم : الغرة – دية الجنين – واجبة استحساناً , والقياس أن لا شيء على الضارب، لأنه يحتمل أن يكون حيا وقت الضرب ويحتمل أنه لم يكن بأن لم تخلق فيه الحياة بعد فلا يجب الضمان بالشك , ولهذا لا يجب في جنين البهيمة شيء إلا نقصان البهيمة , كذا هذا , إلا أنهم تركوا القياس بالسنة – التي أوجبت الغرة – ([69]).

وجاء في المبسوط:” وإن شرط أن يرهنه المبتاع هذا بعينه: ففي القياس العقد فاسد، لما بينا أنه شرط عقد في عقد،وفي الاستحسان يجوز هذا العقد؛لأن المقصود بالرهن الاستيفاء،فإن موجبه ثبوت يد الاستيفاء،وشرط استيفاء الثمن ملائم للعقد،ثم الرهن بالثمن للتوثق بالثمن، فاشتراط ما يتوثق به كاشتراط صفة الجودة في الثمن” ([70]) .

2 – وفي مذهب المالكية : قال في منح الجليل : ” من الاستحسان مراعاة الخلاف , وهو أصل في المذهب، منه قولهم في النكاح المختلف فيه فسخه طلاق , وفيه الإرث , وهذا المعنى أكثر من أن ينحصر ”   ([71]).

3 – أما عند الشافعية ، فمن ذلك استحسان الشافعي التحليف على المصحف ، واستحسانه في المتعة ثلاثين درهماً، ونحو ذلك،  وأصحاب الشافعي يقولون : إن ذلك ليس من الاستحسان المختلف فيه إن تحقق ، وإنما قال ذلك لمآخذ فقهية مبينة في محالها ([72]).

4 – وفي مذهب الحنابلة : قال ابن مفلح : أطلق أحمد القول به (الاستحسان) في مواضع، قال في رواية الميموني: أستحسن أن يتيمم لكل صلاة، والقياس: أنه بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماء.

وقال في رواية بكر بن محمد , فيمن غصب أرضا فزرعها, الزرع لرب الأرض, وعليه النفقة, وليس هذا بشيء يوافق القياس, ولكن أستحسن أن يدفع إليه النفقة  ([73]) .

ويمثل له الحنابلة – أيضاً – بجواز دخول الحمام من غير تقدير أجرة، والقياس أن تكون الأجرة مقدرة ([74]).

هذا وقد ذكر بعض الفقهاء أن الاستحسان ينقسم بحسب تنوع الدليل الذي يثبت به إلى أربعة أنواع:

أولاً – استحسان الأثر أو السنة : وهو أن يرد في السنة النبوية حكم لمسألة ما مخالف للقاعدة المعروفة في الشرع في أمثالها ; لحكمة يراعيها الشارع , كبيع السلم , جوزته السنة نظراً للحاجة , على خلاف الأصل في بيع ما ليس عند الإنسان وهو المنع .

ثانياً – استحسان الإجماع : وهو أن ينعقد الإجماع في أمر على خلاف مقتضى القاعدة, كما في صحة عقد الاستصناع، وهوَ: شراءُ ما يُصنعُ وقفًا للطَّلبِ, فهو في الأصل أيضا بيع معدوم لا يجوز , وإنما جوز بالإجماع استحسانا للحاجة العامة إليه .

ثالثاً – استحسان الضرورة : وهو أن يخالف المجتهد حكم القاعدة نظراً إلى ضرورة موجبة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة , وذلك عندما يكون اطراد الحكم القياسي مؤدياً إلى حرج في بعض المسائل , كتطهير الآبار والحياض ; لأن القياس ألا تطهر إلا بجريان الماء عليها , وفيه حرج شديد .

رابعاً – الاستحسان القياسي : وهو أن يعدل عن حكم القياس الظاهر المتبادر إلى حكم مخالف بقياس آخر هو أدق وأخفى من القياس الأول , لكنه أقوى حجة وأسد نظراً . فهو على الحقيقة قياس سمي استحساناً أي قياساً مستحسناً للفرق بينهما . وذلك كالحكم على سؤر سباع الطير , فالقياس نجاسة سؤرها قياسا على نجاسة سؤر سباع البهائم كالأسد والنمر; لأن السؤر معتبر باللحم, ولحمها نجس، والاستحسان طهارة سؤرها قياساً على طهارة سؤر الآدمي, فإن ما يتصل بالماء من كل منهما طاهر، وإنما رجح القياس الثاني لضعف المؤثر في الحكم في القياس الأول , وهو مخالطة اللعاب النجس للماء في سؤر سباع البهائم , فإنه منتف في سباع الطير إذ تشرب بمنقارها , وهو عظم طاهر جاف لا لعاب فيه , فانتفت علة النجاسة فكان سؤرها طاهراً كسؤر الآدمي , لكنه مكروه ; لأنها لا تحترز عن الميتة فكانت كالدجاجة المخلاة ([75]).

 

المبحث الثالث : المصالح المرسلة .

وفيه مطلبان :

المطلب الأول : أقسام المصالح باعتبار قوتها ، واعتبار الشرع لها.

المطلب الثاني : الاحتجاج بالمصلحة المرسلة ، وتطبيقاتها عند الفقهاء :

المطلب الأول : أقسام المصالح باعتبار قوتها ، واعتبار الشرع لها.

أولاً : مراتب المصلحة باعتبار قوتها:

تنقسم المصلحة باعتبار قوتها إلى ثلاث مراتب ([76]):

المرتبة الأولى : ( وهي أعلى المراتب ) : المصلحة الضرورية، وتسمى درء المفاسد، وهي: ما كانت المصلحة فيها في محل الضرورة بحيث يترتب على تفويت هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها، وشُرعَ لهَا حفظُ (الضَّروريَّاتِ) الخمسِ، التي تدور حولها جميع التكاليف الشرعية بالحفظ والصيانة، وهي :

1- مصلحة حفظ الدين ، ومثالها : قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته , فإن هذا يفوت على الخلق دينهم.

2- مصلحة حفظ النفس ، ومثالها : قضاء الشرع بإيجاب القصاص .

3- مصلحة حفظ العقل، ومثالها : إيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف.

4- مصلحة حفظ النسب (العرض)،ومثالها: إيجاب حد الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب.

5- مصلحة حفظ المال، ومثالها : إيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها .

يقول الغزالي : ” وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق , ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر .

أما ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا : المماثلة مرعية في استيفاء القصاص; لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل , وكقولنا : القليل من الخمر إنما حرم ; لأنه يدعو إلى الكثير , فيقاس عليه النبيذ فهذا دون الأول , ولذلك اختلفت فيه الشرائع، أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة ; لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد ”  ([77]).

الرتبة الثانية : المصلحة الحاجية، وتسمى جلب المصالح، وهي: ما كانت المصلحة فيها في محل الحاجة لا الضرورة فيحصل بتحقيق هذه المصلحة التسهيل وتحصيل المنافع، ورفع الحرج، ولا يترتب على فواتها فواتُ شيء من الضروريات، وذلك كالإجارة والمساقاة.

الرتبة الثالثة: المصلحة التحسينية، وتسمى التتميمات، وهي: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات ، والجري على مكارم الأخلاق ، وذلك كتحريم النجاسات.

ثانياً: أقسام المصلحة باعتبار شهادة الشرع لها:

تنقسم المصلحة – بمراتبها الثلاث المتقدمة – بالإضافة إلى شهادة الشرع بالاعتبار أو الإلغاء إلى ثلاثة أقسام([78]):

مصلحة معتبرة شرعًا، ومصلحة ملغاة شرعًا، ومصلحة مسكوت عنها.

أ- أما المصلحة المعتبرة شرعًا: فهي المصلحة الشرعية التي جاءت الأدلة الشرعية بطلبها فشرعَ الأحكامَ من أجلهَا، وقاعدَةُ الشَّرعِ العامَّةِ فيها هي: رُجحانُ جانبِ المصلحةِ فيها على المفسدَة ، والعمل بهذه المصلحة حجة , ويرجع حاصلها إلى القياس , وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع, ومثاله : حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر; لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف, فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة.

ب- وأما المصلحة الملغاة شرعًا: وهيَ مُقابلَةٌ لـ(المصلحة المعتبرَة)، فهذه وإنْ سُمِّيتْ مصلحةً بحسب ما يراه العبد – بنظره القاصر – إلاَّ أنَّ الشَّارعَ وهو أعلمُ ألغَى اعتبارِهَا؛ لغلبَةِ المفسدَةِ، إذ القاعدةُ الشَّرعيَّةُ العامَّةُ فيه هي: رُجحانُ جانبِ المفسدَةِ على جانبِ المصلحَة، كما في منفعة الخمرِ والميسرِ، وهذا النَّوعُ من المصالحِ لا يختلفُ أهلُ العلمِ على أنَّهُ لا يجوزُ بناءُ الأحكامِ عليهِ.

ويمثل له الفقهاء – أيضاً – قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان : إن عليك صوم شهرين متتابعين فلما أنكر عليه حيث لم يأمر بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال : لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته , فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به , فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال . ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم , وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي  ([79]) .

جـ- وأما المصلحة المسكوت عنها(المرسلة): وهي الَّتي سكتَ عنْهَا الشَّرعُ فلمْ يتعرَّض لها باعتبارٍ ولا إلغاءٍ، وليسَ لها نظيرٌ وردَ بهِ النَّصُّ لتُقاس عليهِ، لكنها لم تخل عن دليل عام كلي يدل عليها، فهي إذن لا تستند إلى دليل خاص معين، بل تستند إلى مقاصد الشريعة وعموماتها، وهذه تسمى بالمصلحة المرسلة، وإنما قيل لها مرسلة لإرسالها؛ أي: إطلاقها عن دليل خاص يقيد ذلك الوصف بالاعتبار أو بالإهدار.

ثالثاً : تعريف المصلحة المرسلة([80]) :

المصلحة ضد المفسدة، وهي: جلب المنفعة أو دفع المضرة ([81]) .

وعرفها ابن تيمية بقوله: أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه([82]) .

وللأصُوليِّين والفُقهاء ألقابٌ أخرى للمصلحة المُرسلَة منها: الاستِصلاح، والاستدلال، واستحسانُ الضَّروةِ، وقياسُ المناسبة، والمناسب المرسل ([83]) ، يقول ابن تيمية : ” الفقهاء يسمونها المصالح المرسلة، ومنهم من يسميها الرأي، وبعضهم يقرب إليها الاستحسان ” ([84]) .

وبهذا يتبين أنه ليس المقصود من المصلحة المقصود الأصلي لمعناها والذي هو عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة, فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم , لكن المقصود بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع

ولذلك قال ابن تيمية : ” بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين .

وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي، وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي . فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر .

المطلب الثاني : الاحتجاج بالمصلحة المرسلة ، وتطبيقاتها عند الفقهاء 

أولاً : حجية المصالح المرسلة ([85]):

اتفق الفقهاء على أن العبادَاتُ لا يجري فيها العملُ بالمصلحَةِ المُرسلَةِ، لأنَّ مبنى العباداتِ على النَّصِّ، فالأصلُ فيها التَّوقيفُ، والقولُ فيها بالمصلحةِ المرسلَةِ قولٌ بجوازِ الإحداثِ في الدِّينِ، وهو باطلٌ بالنَّصِّ والإجماعِ.

أمَّا المعاملاتُ وما يُدْركُ وجهُهُ ومُناسبَتُهُ بالعقل فهي محلُّ خلاف بين الفقهاء في جواز استِعمالِ المصلحَةِ المرسلةِ في الاجتجاجِ بها وعدِّها من أدلَّةِ الأحكامِ على مذهبينِ:

الأوَّلُ: مذهبُ المالكيَّةِ : أنَّها حُجَّةٌ ومصدرٌ من مصادرِ التَّشريعِ، ومثلُهم الحنفيَّةُ، لكنَّهُم يُسمُّونها (استحسانَ الضَّرورةِ) كما قال بها بعضُ الشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ.

ووجهُ هذا المذهبِ: أنَّ الغايةَ العُظمَى من التَّشريعِ تحقيقُ مصالحِ العبادِ في الدَّارينِ، وجميعُ ما جاءَ من الأحكامِ في الكتابِ والسُّنَّةِ فهو لأجلِ ذلكَ، وجُزئيَّاتُ مصالحِ العبادِ لا تتناهَى، فما سكتَ عنهُ الكتابُ والسُّنَّةُ منها فالأصلُ أن تُراعى فيه قواعدُ الإسلامِ في جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ، فيُقنَّنُ فيه ما يُناسبُه، إذْ ليس في ذلكَ التَّقنينِ ما يُخالفُ شرعًا، ولم تزلْ الأمَّةُ منذُ عهدِ الصَّحابةِ تُفنِّنُ في مختلفِ أمورِ الحياةِ ما يكفُلُ لها حفظَ مصالحهَا، وإن لم يكن ذلكَ التَّقنينُ وردَتْ بخُصوصِه الشَّريعةُ.

والثَّاني: مذهبُ الشَّافعيَّةِ: أنها ليست بِحُجَّةٍ.

ووجهُ قولهِم: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصًا ولا قياسًا، والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله غالبًا، ويفتح البابِ ليقولَ من شاءَ ما شاءَ، ثم إن الشَّريعةَ قدْ راعتْ مصالحَ العبادِ في تشريعهَا، فلا يُتصوَّرُ أن تكونَ أغْفلتْ جانبًا فيه مصلحةٌ لهُمْ.

وجوابُ هذا: أنَّ الشَّريعةَ لم تنُصَّ على كلِّ فرعٍ من فُروعِ المصالحِ، وهذا موجودٌ في الواقعِ جزمًا فيما يستجِدُّ من الحوادثِ، ثمَّ إنَّ القولَ بالمصلحةِ ليسَ مُرسلاً من القيودِ والضَّوابطِ ليقولَ من شاءَ ما شاءَ، بل ذلك محكوم بضوابط ، والمثبتين للمصلحة المرسلة إنما يقولون بها وفق الضوابط الآتية ([86]) :

الأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لنص أو إجماع.

الثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة ، بأن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري كحفظ الدين و الأنفس والأموال ، أو لدفع حرج لازم في الدين تخفيفاً وتيسيراً.

الثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود، والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها، والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد، ويدخل في ذلك – أيضاً – التَّعبُّداتِ أو ما يجري مجراهَا مما لا يعقل معناه على وجه التفصيل،كالوُضوءِ والصَّلاةِ والصَّومِ، فإنَّ التَّعبدَّاتِ لا تُدركُ معانيها على وجهِ التَّفصيلِ، إذْ لا تُدركُ وجوهُ المصالحَ فيها بغيرِ دلالةِ الشَّرعِ.

الرابع: ألا تعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها، وألا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها .

فبهذه الشروط يجوز- بل يجب –  العمل بالمصالح المرسلة, على أنها ليست أصلا برأسه، بل من ظن أنها أصل فقد أخطأ; لأن المصلحة مردودة إلى حفظ مقاصد الشرع, ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع .

قال الغزالي : ” وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة ” ([87]).

وبذلك يتبين أن الخلاف في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة خلاف لفظي؛ لأن الجميع متفق على أن تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها أصل شرعي ثابت إلا أن الخلاف وقع في تسمية العمل بهذا الأصل والالتفات إلى تحقيقه – فيما لم يرد باعتباره أو إلغائه دليل خاص – مصلحة مرسلة([88]) ، فبعضهم يسمي ذلك مصلحة مرسلة، وبعضهم يسمي ذلك قياسًا أو عمومًا، أو اجتهادًا، أو عملاً بمقاصد الشريعة ، أو غير ذلك .

قال الزركشي : ” وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إلَّا ذَلِكَ ”   ([89]).

ونقل الشنقيطي عن القرافي قوله: يحكى أن المصالح المرسلة من خصائص مذهب مالك، وليس كذلك بل اشترك فيها جميع المذاهب فإنهم يعللون ويفرقون في صور النقوض وغيرها، ولا يطالبون أنفسهم بأصل يشهد لذلك الفارق بالاعتبار بل يعتمدون على مجرد المصلحة، ثم إن الشافعية يدعون أنهم أبعد الناس عنها وهم قد أخذوا منها بأوفر نصيب حتى تجاوزوا فيها، هذا إمام الحرمين قيم مذهبهم ضمن بعض كتبه أمورا من المصالح لم يوجد لها في الشرع أصل يشهد لخصوصها، وكذا فعل الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية فإنه توسع في ذلك توسعاً كثيراً لم يوجد للمالكية منه إلا اليسير…”، وذكر بعض أمثلة مما ذكروه ثم قال: “فلو قيل : إن الشافعية هم أهل المصالح المرسلة دون غيرهم لكان ذلك هو الصواب”  ([90]).

وقال الشيخ الشنقيطي: “فالحاصل أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية ، وأن جميع المذاهب يتعلق أهلها بالمصالح المرسلة، وإن زعموا التباعد منها، ومن تتبع وقائع الصحابة وفروع المذاهب علم صحة ذلك ،ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ وغاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال”([91]).

 

ثانياً : بعض التطبيقات الفقهية للمصالح المرسلة :

الواقعُ العمليُّ يُؤكّدُ أنَّ جميع فُقهاء المذاهبِ أخذُوا بالمصلحة المرسلةِ في كثيرٍ من الفُروعِ، وهذه بعض الأمثلة التي عمل فيها الفقهاء من السلف فمن بعدهم بالمصلحة المرسلة :

أولاً : أمثلة من العمل بالمصلحة المرسلة في عصر الصحابة :

عمل الصحابة -رضي الله عنهم- بالمصالح المرسلة في وقائع كثيرة مشتهرة([92]).

1ـ نقط المصحف، وشكله، وكتابته، لأجل حفظه في الأوليين من التصحيف، وفي الثالث من الذهاب والنسيان ، ومثله حرق عثمان رضي الله عنه للمصاحف وجمع الناس على مصحف واحد خوف الاختلاف،وقد اتَّفق عليه الصَّحابةُ ولا نصَّ عليهِ، إنَّما اقتضَتْهُ مصلحةُ حفظِ الدِّينِ.

2ـ جلدُ شاربِ الخمرِ ثمانينَ جلدةً تعزيرًا، اتَّفق عليه الصَّحابةُ في عهدِ عُمرَ لأنَّهُم رأوْا أنَّ الشَّريعةَ لم تأتِ فيه بحدِّ مُقدَّرٍ،ومصلحةُ دَرءِ المفسَدَةِ اقتضَتْ ذلكَ، وهذا في حفظِ ضروريِّ وهو العقلِ.

3 – ومن أمثلة المصالح المرسلة : هدم عثمان رضي الله عنه وغيره الدور المجاورة للمسجد عند ضيق المسجد لأجل مصلحة توسعته.

4 – ومن ذلك :  زيادة عثمان رضي الله عنه لأحد الأذانين في الجمعة لكثرة الناس .

5 – ومن المصالح المرسلة : اشتراء عمر رضي الله عنه دار صفوان بن أمية واتخاذها سجنا لمعاقبة أهل الجرائم، فالسجن من العقوبات التعزيرية التي تقتضيها المصلحة .

6 –  قالوا: ومن أمثلة ذلك : تدوين الدواوين، لأن أول من دونها في الإسلام عمر رضي الله عنه ولم يتقدم فيه ولا في شيء مما ذكر قبله، ولا في نظيره أمر من الشارع، فكتابة عمر أسماء الجند في ديوان يعرف به الجند وتميز به أهل كل ناحية ويعرف به من تخلف ممن لم يتخلف وموافقة جميع الصحابة على ذلك من غير نكير لمجرد المصلحة المرسلة .

7 – ويمثل الفقهاء للمصلحة المرسلة في باب السياسة : بتولية أبي بكر لعمر؛ لأنه لا مستند له فيها إلا المصلحة المرسلة على التحقيق، وقول بعضهم إنه من القياس خلاف الظاهر، يعنون قياس العهد على العقد ، قالوا: ومن ذلك ترك عمر الخلافة شورى بين ستة لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض .

ثانياً : أمثلة للاستدلال بالمصلحة المرسلة عند الفقهاء :

9 – قول الشافعية (كما في البحر المحيط 7/275 ) : في الغاصب تكثر تصرفاته في المال المغصوب أن لمالكه إجازة تصرفاته إذ يعتبر اتباع مصلحة ، مع أن الملك شرط لصحة العقد والإجازة عند بطلانه من الفضولي , ولكن إذا كثرت التصرفات وظهر العسر اقتضت المصلحة ذلك  .

10 – ذكر فقهاء الحنابلة ” أن للسلطان سلوك السياسة في عقوبة المتهم، ولا يقف ذلك على ما نطق به الشرع، وذلك لدفع المفسد ، فإن هذا من باب المصالح المرسلة ”

ثالثا :  أمثلة الاستدلال بالمصالح المرسلة في العصر الحاضر :

11 –  قرار المجمع الفقهي بشأن حوادث السير الذي جاء فيه: بالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة ، قرر ما يلي:

أ- إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعاً ، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة ، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.

ب- مما تقتضيه المصلحة أيضاً سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها ، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحسبة المقررة ([93]).

12 – من أمثلة الاستدلال بالمصالح المرسلة، القول بمالية حقوق التأليف، حيث يحقق ذلك مصلحة عامة، وهي: استمرار مسيرة البحث العلمي وتشجيع العلماء والباحثين، وصيانة مؤلفاتهم وحقوقهم فيها من العبث ([94]).

13 – لو تعسَّر على أهلِ بلدٍ وجودُ الحلالِ الطَّيِّب في الأموالِ أو المكاسِبِ، وانتشرَ وجودُ الحرامِ، ومسَّتِ الحاجَةُ إلى الزِّيادَة على سدِّ الرَّمقِ في الطَّعامِ والشَّرابِ والمَلبسِ والمسكَنِ، جازَ سدُّ تلك الحاجَةِ فيما يزيدُ على الضَّرورةِ ولا يصلُ إلى التَّنعُّمِ والتَّرفُّهِ، وإباحتُه عندَ الفُقهاءِ بمُقتضَى المصلحةِ رفعًا لحرجٍ لازمٍ، وهوَ أصلٌ جاءتْ به الشَّريعةُ من حيثُ الجملَةُ، فليسَ هو بهذا الاعتبارِ مصلحةً مُلغاةً، لرُجحانِ جانبِ المصلحَةِ على المفسدةِ، وهذا المثالُ صحيحٌ مُتصوَّرٌ في الرِّبا ونحوِهِ، لكنَّهُ ممتنِعٌ فيما كانَ أذًى للغيرِ محضًا أو غالبًا كالغضبِ والسَّرقةِ ([95]).

المبحث الرابع : سد الذرائع .

وفيه مطلبان :

المطلب الأول : المقصود بسد الذرائع ، والاحتجاج بها .

المطلب الثاني : شواهد وتطبيقات الفقهاء لمبدأ سد الذرائع.

المطلب الأول : المقصود بسد الذرائع ، والاحتجاج بها .

أولاً : المقصود بسد الذرائع :

الذرائع جمع ذريعة ، والذريعة : هي الوسيلة والسبب إلى الشيء، وأصلها عند العرب: الناقة التي يستتر بها رامي الصيد حتى يصل إلى صيده ([96]) .

قال ابن تيمية: “والذريعة: ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل:الذريعة: الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل المحرم” ([97]).

وقال الشاطبي: “حقيقة الذريعة:التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة” ([98]) .

وبهذا تكون الذريعة تأخذ حكم المقصود ، فإن كان المقصود الذي أفضت إليه الذريعة حراماً كانت الذريعة حراماً ، وإن كان واجباً أو مندوباً فالذريعة مثله ، كما في قاعدة : « الوسائل لها أحكام المقاصد » .

لكن غلب ذكر الذريعة في عرف الفقهاء على ما يتوصل به من المباح إلى المحرم (كما ذكر ابن تيمية ) ، أو من المصلحة إلى المفسدة ( كما ذكر الشاطبي ) .

وأصل سد الذرائع تابع ومؤكد لأصل المصالح، ولهذا يذكره كثير من العلماء تابعاً لأصل المصالح المرسلة؛ لأنه يمنع من الأسباب والوسائل المفضية إلى المفاسد .

وليس المعتبر في سد الذرائع النية السيئة من الفاعل ، بل مجرد كون الفعل يفضي إلى ما حرمه الشرع، لذا فقد قسم بعضهم الأفعال المباحة التي تفضي إلى المفاسد إلى ثلاثة أنواع ([99]) :

1 – ما يكون إفضاؤه إلى المفسدة نادراً وقليلاً ، فهذا تُرَجَّحُ مصلحته ، ويبقى له حكم الأصل ، وهو الإباحة .

مثالُهُ: زِراعَةُ العِنبِ، فلا يمنعُ منها تذرُّعًا بأنَّ من النَّاسِ من يعصرُ منها الخمرُ، وتعليمُ الرَّجلِ النِّساءَ عند الحاجَةِ، فلا يُمنعُ منهُ تذرُّعًا بالفِتْنَةِ المُفضيَّةِ إلى الزِّنا، وكذا خُروجِهنَّ من بيوتهنَّ لمصالحهنَّ وشُهودُهُنَّ المساجِدَ ودورَ العِلمِ.

فتُقاسُ المصالحُ والمفاسدُ، فإنْ كانَ جانبُ المصلحةِ راجِحًا وهوَ الأصلُ في المباحاتِ فلا تُمنعُ بدعوى (سدِّ الذَّرائعِ) لمجرَّدِ ظنِّ المفسدَةِ أو لوُرودِهَا لكنَّها ضعيفةٌ في مُقابلَةِ المصلحةِ.

2 – ما يكون إفضاؤه إلى المفسدة كثيراً وغالباً ، فهذا ترجح مفسدته ، ويُمنع منه سداً للذريعة ، وحسماً لمادة الفساد .

مثالُهُ: بيعُ السِّلاحِ وقتَ وقوعِ الفتنةِ بين المسلمينَ بِقتالِ بعضِهمْ بعضًا، وإجارةُ العقارِ لمن عُلمَ أنَّه يتَّخِذُهُ لمعصيةِ الله.

ويُلاحظُ في هذا أنَّ (سدَّ الذَّريعة) إلى المفسدَةِ عارضٌ حيثُ يكُونُ المُباحُ موصلاً إلى المحظورِ، وإلاَّ فإنَّ بيعَ السِّلاحِ وإجارةَ العقارِ لا يمْتنعانِ في ظرفٍ عاديٍّ.

3 – ما يحتال به المكلف ليستبيح به المحرم ، وظاهر تلك الحيلة الإباحة في الأصل ، وهذا النوع كالذي قبله، فيمنع منه سداً للذريعة .

مثالُهُ: الاحتيالُ على الرِّبا بِبيعِ العِينةِ، وهوَ: أن يبيعَ من رَجُلٍ سلعةً بثمنٍ معلومٍ إلى أجلٍ مُسمَّى، ثُمَّ يشتريهَا منهُ بأقلَّ من الثَّمنِ الَّذي باعهَا بهِ، فالبيعُ مُباحٌ في الأصلِ، لكنَّ هذا الصُّورةَ ما قُصدَ بها البيعُ، إنَّما قُصدَ بها المالُ، فهيَ وسيلةٌ إلى الزِّيادةِ الرِّبويَّةِ، فتُمنعُ (سَدَّ للذّرائعِ).

ثانياً : حجيَّة أصل سد الذَّرائع ([100]) :

اختلفَ الفُقهاء في اعتبارِ هذا أصلاً ودليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ على مذهبينِ:

1ـ الحنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والظَّاهريَّةُ: ليسَ دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ، والمُباحُ عندَهُم باقٍ على إباحتِهِ بِحُكمِ الشَّرعِ، وإذا مُنعَ منهُ فإنَّما يُمنعُ منهُ بدليلِ الشَّرعِ.

2ـ المالكيَّةُ والحنابلةُ: يعتبرونه دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ .

واستدلُّوا بأنَّهُم رأو الشَّارعَ راعاهُ في التَّشريعِ، فهو يُحرِّم الزِّنا ويُحرِّمُ ما قاد إليهِ، فحرَّم النَّظر بشهوةٍ واللَّمسَ كذلكَ والخلوَةَ بالأجنبيَّةِ، ويُحرِّمُ الخمرَ ويُحرِّمُ كلَّ ما لهُ صلةٌ بها، فحرَّمَ عصرَهَا وبيعَها وشراءهَا وحمْلَهَا وسقْيَهَا والجُلوسَ على مائدَةٍ تدورُ عليها كما حرَّم شُربهَا، وما هذه إلاَّ سائلُ إليهاَ، ولا يُتصوَّرُ أن يُحرِّمَ الشَّارعُ شيئًا ثمَّ يأذنَ بأسبابِه ووسائلِهِ.

والحقيقة أنه ليسَ لهذا الخلاف تأثيرٌ كبيرٌ في الواقعِ العمليِّ، فإنَّ كثيرًا من الأحكامِ متَّحدَةُ النتائجِ بين الفريقينِ، إلاَّ أنَّ الفريقَ الأوَّل يستدلُّ لها بدليلٍ آخر غيرِ (سدِّ الذَّرائِعِ)، والثَّاني يستدلُّ لها بـ(سدِّ الذَّرائعِ).

قال القرافي : ” فليس سد الذرائع خاصا بمالك رحمه الله بل قال بها هو أكثر من غيره وأصل سدها مجمع عليه ” ([101]) .

وقد نقل الزركشي عن الْقُرْطُبِيُّ قوله : ” وَسَدُّ الذَّرَائِعِ ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ تَأْصِيلًا ، وَعَمِلُوا عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ فُرُوعِهِمْ تَفْصِيلًا ” ([102]) .

وقال الشاطبي بعد أن ذكر أن الإمام مالك احتج بها في أكثر أبواب الفقه ، وذكر خلافا بين الإمامين مالك والشافعي ، قال : ” فقد ظهر أن قاعدة سد الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة” ([103]) .

وقال ابن بدران:”سد الذرائع هو مذهب مالك وأصحابنا” ([104]) . يعنى الحنابلة

وقد قال بها ابن تيمية، وذكر لها ثلاثين شاهدا من الشريعة يدل عليها ([105]) .

وتوسع ابن القيم فذكر تسعة وتسعين دليلا عليها، وختم كلامه بقوله:”ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء الله الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهى، والأمر نوعان:أحدهما:مقصود لنفسه، والثاني:وسيلة إلى المقصود، والنهى نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه،والثاني:ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين” ([106]).

ومما قاله ابن تيمية في ذلك:” وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر لعلم الشارع ما جلبت عليه النفوس وبما يخفى على الناس من خفي هداها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة, فمن تحذلق على الشارع واعتقد في بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا وتلك العلة مقصودة فيه فاستباحه بهذا التأويل فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربه وهو إن نجا من الكفر لم ينج غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقه في الدين وعدم بصيرة “([107])

وقال ابن القيم : ” لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات، وهى مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرَّم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء”([108]).

المطلب الثاني : الشواهد الشرعية والتطبيقات الفقهية لمبدأ سد الذرائع.

أولاً : الشواهد والأدلة الشرعية لأصل سد الذرائع :

دل القرآن والسنة والإجماع على وجوب سد الذرائع :

1 -فمن أدلة القرآن الكريم : قوله تعالى: ) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ( [ الأنعام آية: 108] قال القرطبي:” في هذه الآية ضرب من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع”  ([109])

ونقل القاسمي عن بعض العلماء قوله في الآية:”إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله، أو رسوله، أو القرآن لم يجز أن يُسَبُّوا ولا دينهم، قال:وهى أصل في قاعدة سد الذرائع”([110]) .

2 – ومن الأدلة من السنة النبوية: حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه”([111]).

قال النووى – رحمه الله – في شرحه للحديث:”فيه دليل على أن من تسبب في شيئ جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء، وإنما جعل هذا عقوقاً لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالد تأذيا ليس بالهين، وفيه قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهى عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك0 والله أعلم” ([112]) .

وقال ابن حجر:”قال ابن بطال:هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم ” ([113]) .

3- ومن الإجماع: أجماع الصحابة على بعض المسائل التي استدلوا لها باصل سد الذرائع، ومن ذلك :

1 – أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت، حيث يتهم بقصد حرمانها من الميراث بلا تردد، وإن لم يقصد الحرمان، لأن الطلاق ذريعة وأما حيث لا يتهم ففيه خلاف معروف([114]) ، وقد رجح ابن قدامة توريثها ، ونقل فعل عثمان – رضي الله عنه – وقال:” واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا” ([115]) .

2- إجماع الصحابة – رضي الله عنهم – وعامة الفقهاء على قتل الجماعة بالواحد، وإن كان قياس القصاص يمنع ذلك، لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، قال ابن قدامة:” ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدى إلى إسقاط حكمة الردع والزجر” ([116]) .

ثانياً : تطبيقات الفقهاء لأصل سد الذرائع :

تقدم أن جميع فقهاء المذاهب يأخذون بهذا الأصل في الواقع العملي والفتوى ، وإن أنكره بعضهم تأصيلاً، ولعلي أنقل بعض المسائل المختلفة عند فقهاء المذاهب الأربعة ليتبين أن هذا الأصل قد اتفقت عليه كلمة جميع الفقهاء ، فمن ذلك :

أ –  في الفقه الحنفي :

1 – المنع من إدخال الميت في المسجد حسما للذريعة ؛ لأن الناس كانوا يسترسلون في ذلك حتى يخرجوا من إدخال كل ميت المسجد ويؤدي بهم ذلك إلى إذهاب حرمته وتعريضه لما لا يليق به ، وحسم الذرائع فيما لا يكون من اللوازم أصل في الدين ([117]) .

2 – لزوم اجتناب المرأة الزينة الدهن المطيب لأن هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها وهي ممنوعة عن النكاح فتجتنبها كي لا تصير ذريعة إلى الوقوع في المحرم ([118]) .

ب – وفي الفقه الشافعي :

1 – القصاص من الجماعة إذا قتلوا الواحد ، وأن ذلك شرع لحقن الدماء فلو لم يجب عند الاشتراك لاتخذ ذريعة إلى سفكها ([119]) .

2 – الحكم – في القضاء – على الغائب وعلى المتعذر والمكتتم أي المتغلب والمتوار؛ لئلا يتخذ التغلب والتواري ذريعة لإبطال الحقوق ([120]) .

ج – وفي المذهب المالكي :

1 – القول بتضمين الصناع ; لأنهم يؤثرون في السلع بصنعتهم فتتغير السلع فلا يعرفها ربها إذا بيعت فيضمنون سدا لذريعة الأخذ ([121]).

2 – منع أن يبيع في الأسواق العبيد ومن في معناهم ممن لا تجب عليهم الجمعة كما يمنع من ذلك من تجب عليه الجمعة سدا للذريعة ([122]) .

د – وفي المذهب الحنبلي :

1 – المأذون له أن يتصدق بمال هل له أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة ؟ المذهب: أنه لا يجوز؛ لسد الذريعة؛ لأن محاباة النفس لا يؤمن ([123]) .

2 – المسألة المعروفة بـ ” مد عجوة ” و مضمونها ملخصا : إذا باع ربويا بجنسه ومعه من غير جنسه من الطرفين أو أحدهما كمد عجوة ودرهم بمد عجوة أو مد عجوة ودرهم بمدي عجوة بدرهمين ففيه روايتان أشهرهما بطلان العقد، وله مأخذان :أحدهما : أن ذلك ممنوع سدا لذريعة الربا، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح واقع كبيع مائة درهم في كيس بمائتين جعلا للمائة في مقابلة الكيس وقد لا يساوي درهما فمنع ذلك وإن كانا مقصودين حسما لهذه المادة , وفي كلام أحمد إيماء إلى هذا المأخذ ([124]) .

 

المبحث الخامس : الاستصحاب.

وفي هذا المبحث مطلبان :

المطلب الأول: تعريف الاستصحاب ، وأنواعه .

المطلب الثاني: حجية الاستصحاب، وتطبيقاته عند الفقهاء .

المطلب الأول: تعريف الاستصحاب ، وأنواعه .

أولاً : تعريف الاستصحاب :

الاستصحاب لغة: طلب الصحبة، وهي الملازمة([125]).

وفي اصطلاح الأصوليين: “استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًا”([126]).

والملاحظ من خلال هذا التعريف أن الاستصحاب: إما أن يكون استدامة إثبات أمر، أو استدامة نفي أمر، فهو استدامة على كلا الحالين ، فـ(الاستصحابُ) بعبارةٍ أُخرى: بقاءُ ما كانَ على ما كانَ عليهِ حتَّى يثبتَ ما يُغيِّرُه.

ويُسمَّى الاستصحاب (دليل العقلِ)، وهوَ معنَى مستقرٌّ في تصرُّفاتِ جميعِ النَّاسِ، فإنَّهُم إذا علمُوا وجودَ أمرٍ بنَوا أحكامَهُم فيما يتَّصلُ بذلكَ الأمرِ على أنَّهُ موجودٌ حتَّى يقومَ بُرهانٌ على ضدِّ ذلكَ، وإذا علموا عدَمَ شيءٍ كانَ عدمُه هو الأصلَ حتَّى يثبُتَ وجودُهُ.

ثانياً : أنواع الاستصحاب وحكم كل نوع ([127]):

يذكر جماعة من الفقهاء والأصوليون أن للاستصحاب أنواعا متعددة هي :

النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل العقل، أو استصحاب العدم الأصلي، وذلك مثل نفي وجوب صلاة سادسة ، ومثل : ما لو ادَّعى إنسانٌ أنَّ شخصًا اعتدَى عليهِ، فالأصلُ أنَّ الشَّخصَ المُدَّعى عليه بريءٌ من ذلكَ الادِّعاءِ، حتَّى يُبرهِنَ المدَّعي على صحَّةِ دعواهُ ، وفي (الصَّحيحينِ) من حديثِ عبدالله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهمَا:أنَّ النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قالَ: (( لَوْ يُعطَى النَّاسُ بِدعواهُم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رجالٍ وأموالَهُمْ )) ([128]).

وهذا النوع لا خلاف في اعتباره ، بل جعله البعض من الأدلة المتفق عليها([129]).

النوع الثاني: استصحاب دليل الشرع، وهذا النوع له فرعان:

الأول: استصحاب عموم النص حتى يرد تخصيص.

الثاني: استصحاب العمل بالنص حتى يرد ناسخ.

والاتفاق واقع على صحة العمل بهذا النوع، إذ الأصل عمومُ النص وبقاء العمل به، لكن وقع نزاع في تسمية ذلك استصحابًا([130]).

النوع الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته واستمراره لوجود سببه حتى يثبت خلافه، كاستمرار المُلْك بعد ثبوته – وذلك لحصول سببه وهو البيع مثلاً – حتى يثبت الناقل والمزيل لهذا الدوام والاستمرار من بيع، أو هبة، أو تنازل.

وذكر بعضهم أن هذا النوع من الاستصحاب لا نزاع في صحته([131]).

قال ابن القيم ” ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين ”  ([132])، ويمثل لهذا باستصحاب الطهارة بناءً على ما مضى من الوضوء، كمن كان على طهارة موقنا بها، فطرأ عليه شك في تلك الطهارة، فذلك الشك عند الجمهور غير ناقض للطهارة السابقة، لأن: ” اليقين لا يُزال بالشك “، وقد ذهب المالكية إلى أن ذلك الشك العارض ناقض، وأخذوا باستصحاب أمر آخر، وهو: استصحاب ما كان قبل الطهارة، فيقولون: ” الأصل أن الإنسان غير متوضئ، وقد توضأ ولكن وضوءه الآن مشكوك فيه، فلا ينقل عن الأصل المقطوع به وهو: عدم الطهارة ” ([133]).

النوع الرابع: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، وذلك إذا انعقد الإجماع على حكم في حال، وحصل الخلاف في حال آخر، فيُستصحب حال الإجماع لحال الخلاف، وهذا هو أضعف أنواع الاستصحاب، ولم يقل به إلا قليل من الفقهاء، لأن الإجماع إنما انعقد في حال، والخلاف حصل في حال آخر مناف له، فلا يمكن أن يُنقل الإجماع إلى الأمر الذي لم يُجمع عليه.

مثال ذلك: أن يقال – في الرجل الذي تيمم لعدم الماء ثم رآه بعد دخوله في الصلاة-: أجمع العلماء على صحة ابتداء الصلاة وذلك قبل رؤية الماء فيستصحب هذا الإجماع وينقل إلى موضع النزاع وهو رؤية الماء أثناء الصلاة، فيحكم بصحة صلاته في ابتدائها إجماعًا وفي استمرارها وبقائها استصحابًا لهذا الإجماع.

وهذا النوع من الاستصحاب محل خلاف بين العلماء:

فالأكثر على أنه ليس بحجة؛ لأنه يؤدي إلى تكافؤ الأدلة؛ إذ يصح لكل من الخصمين أن يستصحب الإجماع في محل النزاع على النحو الذي يوافق مذهبه.

ففي المثال المتقدم يقول أحدهما: أجمع العلماء على صحة صلاته قبل رؤية الماء فأنا أستصحب ذلك إلى ما بعد رؤية الماء أثناء الصلاة؛ فتكون صلاته صحيحة.

ويقول الآخر: أجمع العلماء على بطلان صلاته –لو صلى– وذلك عند رؤية الماء قبل الصلاة، فأنا أستصحب ذلك إلى أثناء الصلاة؛ فتكون صلاته باطلة([134]).

المطلب الثاني: حجية الاستصحاب، وتطبيقاته عند الفقهاء .

 أولاً : حجية الاستصحاب ([135]) :

سبق الحكم في الاستصحاب بأنواعه المتقدمة، وقد ذكر أهل العلم : أن الاستصحاب لا يثبت حكماً جديداً ، وإنما يدل على استمرار الحكم السابق الثابت بدليله المعتبر ، لذلك لم يعده كثير من الأصوليين دليلاً مستقلاً تستفاد منه الأحكام، لكنهم عدوه طريقا من طرق إعمال الأدلة، وجُمهُورُ العُلماءِ على إعمالِ أصلِ (الاستِصحابِ) عندَ فقْدِ الدَّليلِ الخاصِّ في المسألةِ، فهوَ آخرُ ما يَلْجأُ إليهِ الفقيهُ في استِفادَةِ الحُكمِ الشَّرعيِّ ، إذ لا يُلجأ إليه إلا عند انتفاء جميع الأدلة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وغير ذلك مما يصح الاستدلال به ، فإذا انتفت هذه الأدلة ولم توجد صح عند ذلك الأخذ بالاستصحاب، ولذلك قال ابن تيمية: “فالاستصحاب في كثير من المواضع من أضعف الأدلة”([136]).

لذلك ذكر ابن تيمية وابن القيم وغيرهما : أنه عند العمل بالاستصحاب بناءً على انتفاء الدليل الناقل لا بد من الحذر من تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، أو الجزم بما يوجبه ، وذلك بتوسعة العمل بالاستصحاب مع وجود النص، فإن كثيرًا ممن توسعوا في الاستصحاب فهموا من النص حكمًا أثبتوه، ولم يبالوا بما وراءه من إشارة وإيماء وإلحاق، وحيث لم يفهموا منه نفوه وحملوا الاستصحاب وجزموا بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وعدمُ العلم ليس علمًا بالعدم، وهذا يتأتى غالبًا من نفاة القياس([137]).

ومما يبين ذلك قول ابن تيمية : ” وإذا ظهر أن لعدم تحريم العقود والشروط وصحتها أصلان : الأدلة الشرعية العامة والأدلة العقلية التي هي الاستصحاب وانتفاء المحرم، فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم، أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان أهل ذلك، فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك([138]).

هذا وقد قام على الاستصحاب جملة من القواعد الفقهية ، منها :

1- اليقين لا يزول بالشك .

2- الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه .

3 – الأصل في الأشياء الطهارة إلا ما دل الدليل على نجاسته .

4 – الأصل في العادات الإباحة إلا ما نهى عنه الشرع .

5 – الأصل براءة الذمة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك .

6 – الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمة حتى يتيقن البراءة والأداء .

ثانياً: تطبيقات الفقهاء لأصل الاستصحاب :

1 – في مذهب الحنفية : حكم المفقود أنه حي في حق نفسه حتى لا يقسم ماله بين ورثته, ميت في حق غيره حتى لا يرث هو إذا مات أحد من أقربائه ; لأن ثبوت حياته باستصحاب الحال فإنه علم حياته فيستصحب ذلك ما لم يظهر خلافه , واستصحاب الحال معتبر – عند الحنفية – في إبقاء ما كان على ما كان غير معتبر في إثبات ما لم يكن ثابتا  ([139]).

2- وفي مذهب المالكية : قالوا : بعدم وجوب دم الهدي على المكي القادم من سفر ، وهذا تعلق ببراءة الذمة واستصحاب حال العقل وطريق اشتغال الذمة بالشرع،ومقدار ما شغل الشرع منها ذمة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فبقي سائرهم على سائر الأصل ولعل مالكا قد تعلق بهذا الوجه وذهب إليه([140]).

3 – وفي مذهب الشافعية : قالوا : إذا كان في آخر رمضان فقال : ليلة الثلاثين منه: أصوم غدا من رمضان إن كان منه, وإلا فأنا مفطر, فكان منه أجزأه , لأن الأصل بقاء رمضان فأجزأه استصحابا للأصل ([141]).

  • – وقال ابن تيمية من الحنابلة : أن الاحتياط بمجرد الشك في أمور المياه، ليس مستحبًا ولا مشروعًا، بل ولا يستحب السؤال عن ذلك، بل المشروع أن يُبْنَي الأمر على الاستصحاب، فإن قام دليل على النجاسة نجسناه، وإلا فلا يستحب أن يجتنب استعماله بمجرد احتمال النجاسة، وأما إذا قامت أمارة ظاهرة، فذاك مقام آخر ([142])

 

الخاتمة :

أهم نتائج هذا البحث في النقاط التالية :

– اتفق علماء الأمة الإسلامية على أن من أدلة الشريعة المطهرة الأدلة العقلية، وحصل خلاف في بعض أنواع الأدلة العقلية، وهذا الخلاف في أكثره لا ينطبق على الواقع العملي التطبيقي.

– أشهر الأدلة العقلية عند الفقهاء القياس ، والاستحسان ، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والاستصحاب ، وهذه هي أصول الاستدلال العقلي عند الفقهاء .

–  تبين من خلال النظر في أصول الاستدلال التي يعمل بها علماء الأمة ، أن علماء الأمة الإسلامية قد قاموا في ميدان الفقه وأصوله بجهد رائع في إعمالهم للعقل ، وما زال ذلك الجهد يُعد تراثاً ثميناً لهذه الأمة حتى اليوم .

هذا ما تيسر جمعه وإعداده في هذا العرض المتواضع ، فإن كان حقاً فهو محض فضل الله ولطفه ،  وإن كان غير حق فهو من نفسي والشيطان ، والله ورسوله منه بريئان والحمد لله رب العالمين،

 

 

 

 

 

([1]) المستصفى (1/4).

[2] – يُرَاجَع القاموس الفقهي /247

[3] – يُرَاجَع : تهذيب اللغة 1/463  والصحاح 3/1087  وتاج العروس 5/51  والقاموس      المحيط 2/348  والكليات /850

[4]الشوكاني : هو مُحَمَّد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني اليماني رحمه الله تعالى مجتهِد فقيه مُحَدِّث أصوليّ قارئ مقرئ ، وُلِد بصنعاء سَنَة 1172 هـ ، تَفَقَّه على مذهب الإمام زيْد t  ثُمّ اسْتَقَلّ ولم يُقَلِّد وحارَب التقليد .. مِن مصنَّفاته : إرشاد الفحول ، نَيْل الأوطار ، تحفة الذاكرين . تُوُفِّي رحمه الله تعالى بصنعاء سَنَة 1250 هـ . الأعلام 3/953  والفتح المبين 3/144 ، 145.

[5] – يُرَاجَع : البحر المحيط 6/109  وشرح الكوكب المنير 4/606  وإرشاد الفحول /273

[6] – يُرَاجَع أصول السرخسي 2/12

[7] – أصول البزدوي مع كشف الأسرار 3/162

[8] – نهاية السول 2/207

[9]ابن عبد الشكور : هو محِبّ الله بن عبد الشكور البهاري الهندي الحنفي رحمه الله تعالى ، فقيه أصوليّ .. مِن مصنَّفاته : مُسَلَّم الثبوت ، سُلَّم العلوم في المنطق . تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 1119 هـ . الفتح المبين 3/122

[10] – مسلّم الثبوت 2/189

[11]ابن الهمام : هو مُحَمَّد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود الحنفي رحمه الله تعالى ، فقيه أصوليّ متكلِّم نحويّ ، وُلِد سَنَة 790 هـ .. مِن مصنَّفاته : التحرير ، فتْح القدير ، زاد الفقير في الفقه . تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 861 هـ ودُفِن بجوار ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى .

الفتح المبين 3/39

[12] – التحرير مع التيسير 3/136

([13]) لسان العرب (11/459) مادة (عقل)  .

([14]) المستصفى (1/23).

([15]) الاستقامة لشيخ الإسلام (2/161، 162).

([16])  أحكام الفصول (171 )، العدة (1/90-93 )، التمهيد (1/47-51 ) ، شرح الكوكب المنير (1/83-84 ) .

([17]) البحر المحيط (1/90).

([18])  تيسير علم أصول الفقه، للجديع  (1/57).

([19]) التقرير والتحبير (6/139).

([20])  مجموع الفتاوى (13/135، 136)، وشرح العقيدة الطحاوية (224، 225).

([21])  مجموع الفتاوى (9/246) .

([22]) الصواعق المرسلة (2/457، 458) ، ولذلك ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الموسوم ” درء تعارض العقل والنقل ” .

([23])  مجموع الفتاوى (13/28، 29، 30).

([24]) مجموع الفتاوى (13/137 – 139).

([25])  العقل عند الأصوليين للضويحي (1/37).

([26])  لسان العرب (6/187)، والمصباح المنير (521) .

([27]) روضة الناظر (2/227)، ومذكرة الشنقيطي (243).

([28])، وروضة الناظر (2/234)، ومجموع الفتاوى (11/341).

([29])ومجموع الفتاوى (20/401)، وشرح الكوكب المنير (2/5).

([30]) جامع بيان العلم وفضله (2/74).

([31]) جامع بيان العلم وفضله (2/77).

([32]) الرسالة (599، 600)، و إعلام الموقعين (1/32، 67).

([33]) روضة الناظر (2/241، 242)، وإعلام الموقعين (1/67) .

([34]) مجموع الفتاوى (10/176) .

([35]) إعلام الموقعين (1/133).

([36]) تيسير علم أصول الفقه (2/36).

([37]) مجموع الفتاوى (20/504، 505، 19/176).

([38]) مجموع الفتاوى (20/504 – 583).

([39]) إعلام الموقعين (2/3 – 70).

([40]) مجموع الفتاوى (20/505).

([41]) مجموع الفتاوى (19/289).

([42])  روضة الناظر (2/236)، وإعلام الموقعين (1/209 – 217).

([43])  روضة الناظر وشرحه نزهة الخاطر العاطر (2/238) .

([44]) روضة الناظر (2/254 – 257)، ومجموع الفتاوى (21/207).

([45]) إرشاد الفحول ( 3/14 ).

([46])، ومجموع الفتاوى (12/349، 350)، وإعلام الموقعين (1/68)

([47]) جامع بيان العلم وفضله (2/74).

([48])  إعلام الموقعين (1/68) .

([49]))،البحر المحيط ( 7/81 )، المستصفى (2/326- 328، 347) .

([50])التمهيد  ( 1/ 462)  الإبهاج  ( 3/29)،  إرشاد الفحول  ( 3/56 )

([51]) البحر المحيط 7/87 وما بعدها  .

([52])البحر المحيط 7/87 ، التمهيد ( 1/ 468) ، الإبهاج ( 3/55) .

([53])التمهيد ( 1/ 462  ، الإبهاج  ( 3/29)،  إرشاد الفحول  ( 3/56)

([54])البحر المحيط 7/87 ، التمهيد  ( 1/ 468 ،

([55]) البحر المحيط 7/83 ، التمهيد  ( 1/ 468) ،  الإبهاج  ( 3/55) .

([56]) البحر المحيط 7/86 ، التمهيد  ( 1/ 468) ،  .

([57])  لسان العرب  ( 13/114 ).

([58])  البحر المحيط  (8/100- 105).

([59])  روضة الناظر (1/407)، وقواعد الأصول (77)، وشرح الكوكب المنير (4/431).

([60])  معالم أصول الفقه (1/203).

([61]) قال ابن تيمية: ولفظ الاستحسان يؤيد هذا؛ فإنه اختيار الأحسن المسودة (454).

([62])  روضة الناظر (1/408)، وقواعد الأصول (77)، ومختصر ابن اللحام (162).

([63])   البحر المحيط  (8/98).

([64])  البحر المحيط (8/97).

([65]) الرسالة  (1/507) ،).

([66]) إبطال الاستحسان (37).

([67]) بدائع الفوائد (4/32).

([68]) الموسوعة الفقهية (3/218 ).

([69]) بدائع الصنائع ( 7/325 ).

([70]) المبسوط ( 13/19 ).

([71])  منح الجليل شرح مختصر خليل  ( 6/472).

([72]) حاشية العطار على جلال الدين المحلي ( 2/396 ).

([73])  شرح الكوكب المنير  ( 595).

([74]) مجموع الفتاوى (4/46)، روضة الناظر (1/409 ).

([75]) المبسوط (10/145)، التقرير والتحبير (3/222) الموسوعة الفقهية ( 3/219 ).

([76])  المستصفى (174)، روضة الناظر (1/412 – 414)، مذكرة الشنقيطي (169)، شرح الكوكب المنير (4/ 159- 166).

([77])  المستصفى (174).

([78])  روضة الناظر (1/412)، ومختصر ابن اللحام (162)، وشرح الكوكب المنير (4/433)، والمصالح المرسلة للشنقيطي (8، 15).

([79])  المستصفى (175) ، شرح الكوكب المنير (597).

([80])  روضة الناظر (1/413)، ومذكرة الشنقيطي (168، 169)، والمصالح المرسلة (15).

([81]) المصلحة:. مجمل اللغة (1/539) ، وروضة الناظر (1/412)..

([82])  مجموع الفتاوى (33/186) .

([83])  البحر المحيط  (8/83) .

([84])  مجموع الفتاوى (33/186) .

([85])  روضة الناظر (1/415)، وشرح الكوكب المنير (4/170)، والمصالح المرسلة للشنقيطي (21، 22)، تيسير علم أصول الفقه للجديع (2/54).

([86])  مجموع الفتاوى (11/343)، إغاثة اللهفان (1/330، 331)، المصالح المرسلة للشنقيطي (21) تيسير علم أصول الفقه للجديع (2/54).

([87])  المستصفى (174).

([88]) روضة الناظر (1/415)، ومجموع الفتاوى (11/343)، ومختصر ابن اللحام (163)، وشرح الكوكب المنير (4/433)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد (138)، والمصالح المرسلة للشنقيطي (10).

([89])  البحر المحيط (7/41).

([90])  المصالح المرسلة للشنقيطي (14).

([91]) المصالح المرسلة للشنقيطي (21)، و مذكرة الشنقيطي (170).

([92]) المصالح المرسلة للشنقيطي (11، 12)،.

([93]) مجلة مجمع الفقه الإسلامي (ع 8 ج 2 ص 171)،.

([94]) المعاملات المالية المعاصرة في الفكر الإسلامي (1/35) .

([95]) تيسير علم أصول الفقه للجديع (2/58).

([96]) لسان العرب (8/96)، القاموس المحيط (3/24).

([97]) مجوع الفتاوى (3/139) .

([98]) الموافقات (3/199).

([99]) الفروق للقرافي 2/32، تبصرة الحكام في أصول الأقضة ومناهج الأحكام (2/365)، تيسير علم أصول الفقه (2/58- 59) ،

 

([100]) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2/365)، البحر المحيط (2/89)، مجوع الفتاوى (3/139)، إعلام الموقعين (3/109) ، الموسوعة الفقهية 24/277.

([101]) الفروق للقرافي (2/33) .

([102]) البحر المحيط (7/358) .

([103]) الموافقات (3/199، 201).

([104]) المدخل إلى مذهب أحمد (138).

([105]) مجموع الفتاوى (3/138، 145).

([106]) إعلام الموقعين (3/171).

([107]) الفتاوى الكبرى (6/174).

([108])إعلام الموقعين (3/109).

([109]) الجامع لأحكام القرآن (4/2497).

([110]) محاسن التأويل (6/2436).

([111]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب 4 جـ10 /403،ومسلم كتاب الإيمان باب 38 ط/92 وأبو داود في كتاب الأدب باب 129 جـ5 /352.

([112]) شرح النووي على مسلم (2/88).

([113]) فتح البارى شرح صحيح البخاري (10/404).

([114]) مجموع الفتاوى (3/140).

([115]) المغني (6/330).

([116]) المغني (7/672).

([117]) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (1/320).

([118]) العناية شرح الهداية  (4/340).

([119]) أسنى المطالب (18/338).

([120]) شرح البهجة (5/266).

([121]) الفروق للقرافي (2/33)، التاج والإكليل (6/269).

([122]) مواهب الجليل (2/181).

([123]) قواعد ابن رجب (128).

([124]) قواعد ابن رجب (249)، الإنصاف (5/35).

([125])  القاموس المحيط (1/95).

([126])  إعلام الموقعين (1/339).

([127])  مجموع الفتاوى (11/342)، الفقيه والمتفقه (1/216)، وروضة الناظر (1/389، 390)، وشرح الكوكب المنير (4/404).

([128])  أخرجه البخاري ومسلم

([129])  روضة الناظر (1/176)، وقواعد الأصول (75، 76)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد (133).

([130])  روضة الناظر (1/391، 392)، وشرح الكوكب المنير (4/404).

([131])  روضة الناظر (1/392)، وإعلام الموقعين (1/339 – 341)، وشرح الكوكب المنير (4/405).

([132])  إعلام الموقعين (1/341).

([133])  إعلام الموقعين (1/341)، شرح الورقات لمحمد الددو (1/78).

([134])روضة الناظر (1/392، 393)،وإعلام الموقعين (1/341 – 344)، وشرح الكوكب المنير (4/407)، معالم في أصول الفقه (1/191)، خلاصة الأصول للفوزان (1/7 )، تيسير علم أصول الفقه (2/72).

([135]) روضة الناظر (1/392، 393)،وإعلام الموقعين (1/341– 344)، وشرح الكوكب المنير (4/407).

([136]) مجموع الفتاوى (13/112).

([137]) مجموع الفتاوى (23/16)، وإعلام الموقعين (1/339).

([138]) الفتاوى الكبرى (4/97).

([139]) المبسوط (11/35) .

([140]) المنتقى شرح الموطأ (2/234) .

([141]) المجموع (6/308) .

([142]) الفتاوى الكبرى (1/224) ، وانظر : كشاف القناع (1/46).

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.