منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكتاب والسنة لا يفترقان

محمد بن عبدالله بن محمد حزام العبدلي

0

الكتاب والسنة لا يفترقان

بقلم: محمد بن عبدالله بن محمد حزام العبدلي

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم، القائل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)﴾ [سورة النجم:3-4]، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، القائل: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»، الذي قال الله سبحانه آمرًا للمؤمنين ومرشدًا لهم لما يجب عليهم تجاه ما جاء به تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر:7]، أما بعد:

فلما كان القرآن الكريم أصل الدين وأساس الشريعة، وكانت السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع، اعتنى أهل العلم ببيان العلاقة بينهما، وأكدوا أن السنة النبوية ليست منفصلة عن القرآن الكريم، ولا مستقلة عنه استقلال تعارض ومناقضة، بل هي مرتبطة به أشد الارتباط؛ إذ كلاهما وحي من عند الله تعالى، وقد جعل الله تعالى للسنة وظيفة عظيمة في بيان كتابه وتفسيره وتفصيل أحكامه، ولذلك أجمع أهل السنة والجماعة على وجوب التمسك بالكتاب والسنة معًا، وحذروا من سلوك من أراد الاكتفاء بأحدهما دون الآخر.

والمقصود بالعنوان: (الكتاب والسنة لا يفترقان) أن كليهما وحي من عند الله تعالى، وأن السنة مبينة للقرآن وموضحة له، وأنه لا يمكن أن يقع بينهما تعارض صحيح؛ لأن المصدر واحد، وهو الله تعالى، فما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه حق يصدق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، كما يشهد للقرآن ويشهد القرآن له، ولهذا كان السلف الصالح يردون المتشابه إلى المحكم، ويجمعون بين النصوص، ويعتقدون أن ما صح عن النبي صلى الله عليه و سلم لا يمكن أن يخالف كتاب الله تعالى، بل هو موافق له ومبين لمعانيه ومفصل لأحكامه.

فالسنة شارحة وموضحة ومبينة، ومفصلة للقرآن الكريم، إضافة إلى استقلالها ببيان بعض الأحكام والتشريع التي لا توجد في القرآن الكريم، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: “والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها.

الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.

الثالث: أن تكون مُوجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو مُحرِّمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تُعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي عليه الصلاة و السلام  تجبُ طاعتُه فيه، ولا تحلُّ معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله، ولو كان رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [سورة النساء:80]، وكيف يمكن أحدًا من أهل العلم أن لا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب اللَّه؛ فلا يقبل حديث: تحريم المرأة على عَمَّتها ولا على خالتها([1])، ولا حديث: التحريم بالرضاعة لكل ما يَحرُم من النَّسب([2])، ولا حديث: خِيار الشَّرط([3])، ولا أحاديث الشُفعة([4])، ولا حديث: الرهن في الحضر([5]) مع أنه زائد على ما في القرآن،…”.

وذكر أحكامًا كثيرة إلى أن قال V: “ولو تتبعنا هذا لطال جدًّا؛ فسنن رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم أجلُّ في صدورنا وأعظم وأفرضُ علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين…”([6]).

وختم المبحث هذا بقوله V:

“وأضعاف أضعاف ما ذكرنا، بل أحكام السُّنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثرَ منها لم تنقص عنها؛ فلو ساغ لنا ردُّ كل سنة كانت زائدة على نص القرآن لبطلت سنن رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم كلها إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبرَ به النبي صلى الله عليه و سلم بأنه سيقع ولا بُدّ من وقوع خبره”([7]).

ويتبين من كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله أن السنة بالنسبة للقرآن الكريم لا تخرج عن ثلاثة أوجه: الموافقة، والبيان، والاستقلال ببعض الأحكام التي أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه و سلم ببيانها وتشريعها.

ومن ثم فإن دعوى التعارض بين القرآن الكريم والسنة النبوية دعوى باطلة؛ إذ السنة وحي من عند الله تعالى، وهي تابعة للقرآن ومبينة له، ولا يمكن أن تأتي بما يناقضه أو يعارضه.

وقال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله: “والبيان منه H على ضربين بيان المجمل في الكتاب كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها، وسجودها، وركوعها، وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة، وحدها ووقتها، وما الذي يؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج”([8]).

وكلام ابن عبدالبر رحمه الله يبرز جانبًا مهمًا من وظيفة السنة النبوية وهو: بيان المجمل الوارد في القرآن الكريم، فإن كثيرًا من العبادات العظيمة كالصلاة والزكاة والحج ورد أصل فرضها في القرآن الكريم، بينما تولت السنة النبوية بيان تفاصيلها وأحكامها العملية، مما يدل على شدة حاجة الأمة إلى السنة النبوية، وأن الاستغناء عنها استغناء عن جزء كبير من الشريعة.

وقال عمران بن حصين رحمه الله لرجل: “إنك امرؤ أحمق! أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا، لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة، والزكاة، ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرًا؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر ذلك”([9]).

ولهذا احتج الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالسنة النبوية في بيان معاني القرآن الكريم وأحكامه، وعدُّوا الاقتصار على ظاهر القرآن الكريم دون الرجوع إلى السنة النبوية خطأً في الفهم، ومسلكًا مخالفًا لما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابهرضي الله عنهم، إذ لا سبيل إلى معرفة كثير من الأحكام الشرعية إلا عن طريق السنة النبوية.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يبين طرق تفسير القرآن الكريم: “فما أحسن طرق التفسير؟

فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له؛ بل قد قال الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو مما فهمه من القرآن قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [سورة النساء:105].

وقال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل:44].

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)﴾ [سورة النحل:64]، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه))([10])، يعني السنة”([11]).

فهنا يؤكد شيخ الإسلام رحمه الله أن السنة هي المصدر الثاني لفهم كتاب الله تعالى، بل هي أول ما يُرجع إليه بعد القرآن الكريم في تفسيره وبيان معانيه؛ لأن الرسول صلى الله عليه و سلم هو المبلِّغ عن ربه عزوجل، والأعلم بمراد الله تعالى من كلامه، ولذلك كانت السنة النبوية أصح طرق تفسير القرآن بعد تفسير القرآن بالقرآن.

ومن خلال ما سبق يتبين أن الكتاب والسنة أصلان متلازمان لا يستغني أحدهما عن الآخر، فالقرآن الكريم أصل التشريع، والسنة النبوية شارحة له ومبينة لمعانيه ومفصلة لأحكامه، وكلاهما وحي من عند الله تعالى، ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بحجية السنة النبوية، ووجوب العمل بها، واعتقاد انتفاء التعارض بينها وبين كتاب الله تعالى، وأن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو حق يجب قبوله والانقياد له.

وإذا كان الكتاب والسنة لا يفترقان في مصدرهما، ولا في دلالتهما، ولا في وجوب العمل بهما، فإن من أصول أهل السنة والجماعة اعتقاد حجية السنة ووجوب اتباعها، وأنها قرينة القرآن وشقيقته في الاحتجاج والاستدلال، فلا يُقبل الإيمان بالقرآن مع رد السنة، كما لا يُقبل التمسك بالسنة مع الإعراض عن القرآن، بل الواجب هو التمسك بهما جميعًا؛ لأنهما الوحيان اللذان بعث الله بهما رسوله صلى الله عليه و سلم لهداية الخلق.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والفقه في دينه، وتعظيم سنة نبيه صلى الله عليه و سلم، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل الاتباع والاستقامة، وأن يرزقنا التمسك بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ظاهرًا وباطنًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


([1]) أخرجه البخاري (5108)، ومسلم (1408).

([2]) أخرجه البخاري (2645)، ومسلم (1447).

([3]) أخرجه البخاري (2107)، و(2109)، ومسلم (1531).

([4]) أحاديث الشفعة كثيرة جدًّا، منها: ما أخرجه البخاري (2213)، و(2257)، و(6977)، ومسلم (1608).

([5]) منها: أخرجه البخاري (2068)، و(2508)، ومسلم (1603).

([6]) ينظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور (4/ 84-88).

([7]) إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور (4/ 93).

([8]) جامع بيان العلم وفضله (2/ 1189).

([9]) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبدالبر (2/ 1192).

([10]) أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (17174)، وتمامه: ((…ألا يوشك رجل ينثني شبعانًا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يقروهم، فإن لم يقروهم، فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم))، والمروزي في السنة (244).

([11]) مجموع الفتاوى (13/ 363).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.