بداية الوعي بأزمة منهاج
إبراهيم أكورار
يحكى أن محاميا وقف يدافع عن رجل مظلوم، والأدلة على براءته قائمة. لكنه أكثر من ترداد عدالة القضية وتعداد ما نزل بموكله من ضيم، ولم يحسن ترتيب البينات ولا فقه مسالك الخصومة ولا تقدير ما تحتاجه المحكمة لتقتنع، فخسر القضية. وخرج الرجل مكسور الخاطر، فقال له بعض من حضر: “لم ينقصك دليل على الحق، وإنما نقصك من يحسن الدفاع عنه”
في هذه الحكاية صورة لمأزق يعيشه كثير من الغيورين على الإسلام: قضية عادلة، ووحي محفوظ، وتراث زاخر، وقلوب مستعدة لبذل المهج في سبيل الله، ثم هوة بين صدق الانتماء وتجديد الفهم، وبين شرف الغاية وفقه الطريق، وبين الدفاع عن الإسلام وإقامته منهاجا للحياة.
إنها “أزمة منهاج” منذ سبعينيات القرن الماضي أكد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله على ضرورة الوعي بأولوية هذه الأزمة لكل العاملين على إخراج أمتنا من ورطتها التاريخية. وقد ازداد السؤال إلحاحا اليوم، لأن التحدي لم يعد استبدادا سياسيا وفقرا وتمزقا اجتماعيا فحسب، بل هيمنة رقمية تزاحم الإنسان على وقته وانتباهه، وتعيد تشكيل رغباته وصورته عن نفسه و نمط حياته وعن العالم.
لم يعد السؤال:
لماذا عجزنا عن تحقيق ما نؤمن به؟
بل: كيف نجدد فهم ديننا، ونبني إرادتنا الجماعية، ونربي أجيالنا،
في عالم يتنافس فيه الجميع على تشكيل الإنسان نفسه؟
ليست الأزمة نقصا في الغيرة ولا في الصدق ولا في الاستعداد للتضحية. إنها أزمة فقه: فقه كلي للدين، وفقه لسنن التغيير، وفقه للواقع الذي يراد أن تتنزل فيه الهداية.
فكم من حافظ للنصوص مستحضر للأدلة لا يحسن وصل بعضها ببعض، ولا يميز الثابت من المتغير، ولا يعرف القوى التي تصنع عالمه و تتحكم في مصير شعوبه.
كم من غيور ينفق عمره في الذود عن جزئية صحيحة وهو غافل عن موقعها في البناء الكلي لدينه، أو في خصومة مذهبية و سياسية تستنزفه بينما تتراكم على الأمة تحديات تستدعي تربية إيمانية و طول نفس وتعبئة و بناءا أوسع .
إن عدالة القضية لا تعفي أصحابها من فقه شروط نصرتها، و تحقيق النصوص و صحة الاستدلال بها لا تغني عن فهم واقع الفتنة العنيد، والإخلاص لا يسقط الحاجة إلى العلم والكفاءة والشورى ومعرفة المآلات.
تتبين قيمة المنهاج النبوي مع تحمل الأمة لصفعة القدر الكفيلة بإيقاظها و إعدادها للقيام بمهمتها التاريخية.
المنهاج ليس استعادة لخطاب إسلامي في وجه خصومه، ولا جمعا لأعمال خيرية و أنشطة ثقافية و دعوية ومواقف سياسية متفرقة فقط، بل نظر إلى الدين وحدة متكاملة تصل الإسلام بالإيمان، و تستكمل الإيمان بشعبه لطلب الإحسان استرشادا بحبيبنا المصطفى صلى الله عليه و سلم و حبا في أخوته.
عبر أجيال و أجيال بالسعي لإقامة الدين الكامل.
ويمكن قراءة الأزمة في اختلال العلاقة بين ثلاثة عناصر. العقل يفهم كتاب العالم ويكتشف سننه. والنقل، أي الكتاب والسنة، يوجه الفهم ويضبط الغاية ويمنح العمل معناه. والإرادة تنقل المعرفة من التصور إلى الاقتحام المتواصل للعقبات و الصبر على مقتضياتها.
إذا انفصل العقل عن الوحي صار العلم قوة بلا بوصلة سلوكية أخلاقية. وإذا انفصل النص عن فقه الواقع صار الاستدلال ترديدا و تقليدا لأجوبة جاهزة عن “أسئلة متجددة”!. وإذا غابت الإرادة بقي العلم حبيس الكتب وصارت الدعوة كلاما لا تجد طريقها إلى الحياة. وحين يتصدع هذا البناء تنقلب الغيرة انفعالا، والعلم جدلا، والعبادة طقسا لا يترك أثرا في النفس و نقلة في كيان المسلم، والسياسة تنازعا على المواقع بدل أن تكون سعيا إلى إقامة العدل.
لا تكفي كثرة النصوص ولا وفرة المواعظ ولا استيراد الأدوات التنظيمية والتقنية من تجارب الآخرين، ما لم نملك التصور الذي يجمعها في مشروع متكامل ويحدد لكل عمل موقعه وغايته و وسيلته. فتجديد المنهاج تجديد للفهم والإرادة معًا: فهم يستنير بالوحي استنارة إحسانية جهادية ، وإرادة تحوله إلى بناء وعمل متدرج ممتد في الزمن موقنا بأن الخلافة على منهاج النبوة حق، و أن الإسلام آت آت آت.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله(1):
أفتِني يا فقيهُ يا من تصدَّى
لجلوسٍ بمدرَج الشُّبُهاتِ
قال ربِّي للمصطفى أنت تَهدي
لِسبيلي ومن بُعَيْدَك ياتي(2)
وهْوَ يحذوكَ والبصيرة منه
لسراج الوحي المنير تواتي(3)
كيف يا صاحٍ تدَّعي بمقالٍ
أن ذا وصفك الدقيق المواتي
وعلى القلب ريْنُه وعماه
أنت تقْتاتُ من فُتاتِ العُتاةِ
هل عرفتَ الإله، سرْت إليهِ؟
هل سلكْت الطريق في خَطواتِ؟
صل يا ربنا على خيْر هادٍ
اجمْع اللهم شملنا من شتاتِ
(1)المجموعة الشعرية الكاملة،”قطف 94، ص 148
(2) أستغفر الله العظيم من هذه الترجمات.
(3) يحذوك: يتبعك. وهي من قوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. / تواتي: تناسب.”
( إ – أ)