وَحَّدَهُمُ الْوَحْيُ؛ فَمَا الَّذِي يُفَرِّقُهُمْ؟
د. زُبير سُلطان رَبَّاني
وَحَّدَهُمُ الْوَحْيُ؛ فَمَا الَّذِي يُفَرِّقُهُمْ؟
بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهُويَّة والتَّحوُّلات الحضاريَّة،
ورئيس منبر أعلام الأمة (UST)
كيف يتّحد المسلمون؟ سؤال يتجدّد كلما اتّسعت المسافة بين آمالهم لأمتهم وما تشهده علاقاتهم من اختلاف وخصومة. ويشتدّ إلحاحه حين ترتفع أصوات الدعوة إلى الوحدة، ثم تتباعد المواقف عند السؤال عمَّا يجمع المختلفين. فأيّ اتحاد ينشده المسلمون، وما الأساس الذي يقصدونه حين يدعون إليه؟
يفتح هذا السؤال باب التأمّل في قضية تمسّ حاضر الأمة ومستقبلها، وتتدرّج معالجتها عبر المحاور الآتية:
أولًا: على أيّ أساس يتّحد المسلمون؟
يقتضي النظر في اجتماع المسلمين تحديد مرجعه، ومعنى التمسّك به، والمنهج الذي يُفهم من خلاله. ثم يبرز السؤال عن حدود الاجتهاد، وطريق الفصل فيما ينشأ من تنازع. وتتّضح هذه المعاني من خلال الأصول الآتية:
- الوحي مرجعية الاجتماع وحَكَم الانتماءات
الوحي بمصدريه، القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة، مرجعية المسلمين في معرفة دينهم، والميزان الذي تُعرض عليه أقوالهم وانتماءاتهم. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103). تعيّن الآية ما يُعتصم به، وتأمر المسلمين بالاجتماع عليه، وتنهاهم عن التفرّق. وقد فسّر المفسّرون حبل الله بكتابه ودينه وعهده؛ وهي معانٍ تتلاقى في التمسّك بهداية الله والتزام أمره، فيخضع لهذا المرجع الداعي إلى الوحدة والمدعوّ إليها على السواء (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط2، ج4، ص159؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط2، ج2، ص89؛ السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ط1، ص141).
وتظهر وحدة هذه المرجعية في اقتران طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80)، وفي اقتران الإيمان به باتباعه، قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158). فالاستجابة لله تتضمّن اتباع رسوله، والاهتداء بما أنزله يقتضي قبول ما بلّغه وبيّنه؛ وبذلك ينتظم تلقّي القرآن والسُّنَّة في امتثال واحد لأمر الله.
وقد بيّن الله هذه الصلة بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44). فالقرآن يُتلقّى مع البيان النبوي الذي يشرح مجمله، ويفصّل أحكامه، ويُبيّن كيفية امتثاله؛ فتتكامل بهما معرفة المسلم بالدين. وفصل التنزيل عن بيانه يُخلّ بهذا التلقّي، ويجعل فهم النص منقطعًا عمَّا بيّنه الرسول.
ويؤكّد القرآن مصدر ما يبلّغه الرسول ﷺ عن الله بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3–4)، ويأمر بالأخذ عنه بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7). ومع ورود الآية في سياق الفيء، فإنَّ عموم لفظها يشمل أوامره ونواهيه في الدين؛ فتُوزن بها الاختيارات، وتخضع لها أقوال الأشخاص والجماعات (السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ط1، ص851؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط2، ج8، ص67؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط2، ج18، ص17-18).
ويحذّر الله من مخالفة أمره فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63). فتنتظم دلالة هذه النصوص في تقديم هداية الوحي على الأقوال والانتماءات. فكيف يجتمع المسلمون إذا جعل كل فريق انتماءه حَكَمًا على الدليل، ثم طالب الآخرين بالانقياد له؟ يتحدّد أساس الاجتماع حين يكون القرآن والسُّنَّة مرجعًا يخضع له الجميع، وتستمدّ الانتماءات قيمتها من وفائها لهدايتهما.
- الاعتصام بهدي الوحي وتعاليمه
الاعتصام بالوحي هو التمسّك بهدي القرآن والسُّنَّة، ولزوم تعاليمهما، والثبات عليهما أمام ما يصرف عنهما. فبعد معرفة المرجع، يأتي الالتزام الذي يحفظ صلة المسلم به، ويمنع العدول عنه كلما خالف مألوفًا أو رغبة.
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3). يقتضي الأمر ملازمة الهداية المنزَّلة، وتلقّي الدين منها، واجتناب الانتقاء الذي يأخذ من تعاليمها ما يوافق الرغبة ويُعرض عمَّا يخالفها.
ويتأكّد معنى الملازمة بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153). تجمع الآية بين اتباع صراط الله واجتناب السبل الصارفة عنه؛ فالثبات على هداية الوحي يحفظ للمسلمين وجهتهم، واتباع ما يخالفها يفرّقهم عن سبيله.
ولهذا اقترن الأمر بإقامة الدين بالنهي عن التفرّق فيه، قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13). فاجتماع المسلمين على الدين يستلزم تمسّكهم بتعاليمه، ويضعف حين يأخذ كل فريق جانبًا منها ويُهمل ما سواه، فتتجزّأ استجابتهم مع إقرارهم بمصدرها.
وقد حذّر الله من التفرّق بعد ظهور البيّنات فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105). فالبيّنات تستدعي لزوم ما دلّت عليه؛ فكيف يتحقّق الاعتصام إذا عُرفت هداية الوحي، ثم عُدل عنها عند مخالفتها للرغبات؟ إنَّ التمسّك المستمرّ بالقرآن والسُّنَّة معًا هو الذي يحفظ رابطة المسلمين بما أُمروا بالاجتماع عليه.
- التفقّه الصحيح في فهم الوحي
يحتاج التمسّك بالوحي إلى فهم صحيح له؛ فقد يشترك المختلفون في تعظيم النص، ثم تتباعد أقوالهم بسبب الخلل في فهمه. قال النبيّ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (البخاري، حديث 71؛ مسلم، حديث 1037). يبيّن الحديث منزلة التفقّه، وكونه علامة على إرادة الله الخير بعبده؛ فبه تُدرك معاني الدين ودلالات أحكامه.
وقد بيّن القرآن مقصد التدبّر فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29). فالتدبّر نظر في المعنى بقصد الاهتداء والاتعاظ، وتستقيم معرفته بجمع ما يتّصل به من نصوص القرآن والسُّنَّة؛ فيُفهم المجمل مع بيانه، والعامّ مع ما يخصّصه، والمطلق مع ما يقيّده.
ومن أصول سلامة الفهم ردّ المتشابه إلى المحكم، قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: 7). فتُفهم النصوص في اتّصالها، ويُردّ ما اشتبه إلى ما اتّضح؛ حتى تُصان دلالتها من الاقتطاع والتفسير المتكلّف.
وتتجاوز منفعة التفقّه صاحبه إلى الناس، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122). فتحتاج الجماعة المسلمة إلى علم يشرح الأدلة، ويحرّر المعاني، ويكشف مواضع الالتباس.
وعلى هذا العلم تقوم البصيرة في الدعوة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: 108). فكيف يُطلب الاجتماع على الوحي مع تحميل نصوصه معاني لا تحتملها؟ بالتفقّه تُعرف دلالة الدليل وحدودها، وتُحرَّر حقيقة المسألة؛ فيُمنع أن تصبح قراءة مبتورة للنص أساسًا لخصومة بين المسلمين.
- الاجتهاد والاستنباط في ضوء الوحي
يتطلّب استنباط الأحكام فيما يحتاج إلى اجتهاد أهلية علميَّة، ومعرفة بأصول الاستدلال، وإدراكًا للواقعة التي يُنزَّل عليها الحكم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83). وردت الآية في أخبار الأمن والخوف، وتوجّه في سياقها إلى ردّها إلى أهل النظر والاستنباط؛ فتظهر أهمية التأهّل فيما يحتاج إلى استدلال وتقدير.
ويؤكّد الرجوع إلى أهل المعرفة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43). ومع ورود الآية في السؤال عن الرسل، يُستفاد منها رجوع مَن يجهل إلى مَن يعلم؛ فيطلب المسلم بيان الحكم ممَّن يملك أدوات النظر فيه.
وتنضبط مسؤولية الاستنباط بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). فالترجيح يحتاج إلى تثبّت، ونسبة الأحكام إلى الشريعة مسؤولية بقدر ما يترتّب عليها من آثار.
ويلازم ذلك الإنصاف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135). ويقتضي عموم الأمر بالقسط أمانة عرض الحجج، ودقّة نسبة الأقوال، وقبول التصحيح؛ ليبقى البحث خاضعًا للدليل.
ومع استيفاء الأهلية وبذل الوسع، قد يقع الخطأ، قال النبيّ ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (البخاري، حديث 7352؛ مسلم، حديث 1716). وفي واقعة بني قريظة اختلف الصحابة في فهم الأمر بالصلاة فيها، فلم يُعنّف النبيّ ﷺ واحدًا منهم (البخاري، حديث 4119).
فكيف يُجعل كل اختلاف اجتهادي سببًا للافتراق، وقد يقع بين مؤهَّلين يقصدون اتباع الوحي؟ إنَّ صيانة الاجتماع تقتضي تمييز الخلاف المعتبر من القول بغير علم، ومناقشة كل قول بحسب دليله، مع حفظ حقوق المختلفين؛ فيظلّ القرآن والسُّنَّة أصلًا جامعًا، وتبقى الاجتهادات قابلة للمراجعة.
- التحاكم إلى الوحي والتسليم لحكمه
إذا وقع التنازع، كان مقتضى الاجتماع على الوحي ردّ المسألة إليه طلبًا للحكم، ثم قبول ما يثبت بدليله. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59). فالردّ إلى الله ردّ إلى كتابه، والردّ إلى الرسول ردّ إليه في حياته وإلى سُنَّته بعد وفاته؛ فتتحدّد جهة الفصل، ويُربط الرجوع إليها بالإيمان.
ويكتمل هذا الرجوع بالتسليم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65). تجمع الآية بين تحكيم الرسول، وانتفاء الحرج من قضائه، والانقياد له؛ فيمتدّ قبول الحكم إلى النفس والسلوك.
ويؤكّد القرآن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36). وهنا يُختبر صدق التحاكم: هل يقبل المسلم الحكم إذا خالف موقفه، كما يطلب من خصمه قبوله إذا وافقه؟
وقد بيّن الله الاستجابة المؤمنة فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: 51). فالسمع والطاعة يحملان الحكم إلى الامتثال، ويؤكّد وجوبهما قوله ﷺ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (البخاري، حديث 7280).
فالتحاكم الذي يصون الاجتماع هو رجوع يقبل فيه المتنازع مقتضى الدليل على نفسه، ويؤدّي به حق غيره؛ وبذلك تظهر ثمرة المرجعية والاعتصام والفهم في حسم الخصومة بالحق.
ثانيًا: كيف يحدث التنازع بين المسلمين؟
تتعدّد مواضع الاختلاف في اعتقاد المسلمين وعملهم وتدبير شؤونهم. وقد يبقى الاختلاف في حدود المسألة، وقد يمتدّ إلى الأشخاص والجماعات، فتتغيّر طبيعة العلاقة بينهم. ولتقريب هذا الانتقال، تُعرض أمثلة من مجالات مختلفة، دون حصر:
في الأصول الإيمانيَّة والمسائل العقديَّة، يتعلّق الاختلاف بمصدر الاعتقاد، وما يُقبل فيه من أخبار، وكيف تُفهم أدلّته. فمثلًا، منهم من يُخلص العبادة لله، ومنهم من يجيز صرف عبادة لغيره بدعوى التقرّب؛ ومنهم من يتلقّى أسماء الله وصفاته وفق دلالة النصوص، ومنهم من يردّ بعضها أو يحملها على معنى يفتقر إلى مستند معتبر؛ ومنهم من يصدّق ما ثبت من أخبار النبوّة، ومنهم من يرفضه لمخالفته تصوّرًا سابقًا؛ ومنهم من يؤمن بالغيب الذي أخبر به الوحي، ومنهم من يشترط لقبوله إمكان إدراكه بالحسّ؛ ومنهم من يتلقّى القرآن والسُّنَّة معًا، ومنهم من يدّعي الاستغناء عن البيان النبوي؛ ومنهم من يقف عند الخبر الثابت، ومنهم من يُدخل في الاعتقاد حكايات وظنونًا بغير دليل.
فكيف تتقارب المعتقدات مع اختلاف مصادر بنائها ومعايير قبولها؟ قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33). يبدأ الخلل حين يُنسب إلى الدين اعتقاد بغير علم، أو يُرفض دليل ثابت لتقديم تصوّر سابق عليه. وقد تتّسع الخصومة إلى اتهام وتباغض وافتراق، إذا اقترن اضطراب التلقّي بالتسرّع في الحكم على المخالف. ولذلك يلزم تحرير الأقوال وتمييز مراتب المسائل قبل الحكم على أصحابها.
وفي الأحكام العمليَّة والتكليفيَّة، يختلف النظر في العبادات والمعاملات والأسرة وغيرها. فمثلًا، منهم من يقلّد إمامًا، ومنهم من يقلّد إمامًا آخر؛ ومنهم من يرجّح قولًا لثبوت دليله عنده، ومنهم من يخالفه لاختلاف تقديره لثبوته أو دلالته؛ ومنهم من يفتي بالجواز، ومنهم من يفتي بالمنع؛ ومنهم من يحمل الأمر على الوجوب، ومنهم من يصرفه إلى الندب لقرينة؛ ومنهم من يُلحق الواقعة بحكم معيّن، ومنهم من يختلف معه في وصفها المؤثّر؛ ومنهم من يأخذ برخصة لتحقّق شروطها عنده، ومنهم من يرى شروطها غير متحقّقة؛ ومنهم من يسأل عالمًا مؤهَّلًا، ومنهم من ينتقي فتوى توافق رغبته ثم يُلزم بها غيره.
وقد يكون بعض ذلك اختلافًا معتبرًا بين مؤهَّلين، كما دلّ عليه حديث أجر المجتهد المتقدّم. فكيف تصبح مخالفة ترجيح فقهي سببًا لاحتقار المسلم أو مقاطعته؟ يحدث التنازع حين يُجهل قدر المسألة، أو يتحوّل اتباع العالم إلى تعصّب لأقواله؛ فتنتقل المناقشة من دليل الحكم إلى الطعن في أتباعه، ثم القطيعة والتحزّب المذهبي. وموضع الخلل هنا قصور في فقه الوحي، أو مخالفة تعاليمه في معاملة المختلفين.
وفي التصوّرات الفكريَّة والحضاريَّة، تتباعد المعايير التي تُفهم بها الحرية والعدالة والتقدّم والأسرة والإصلاح. فمثلًا، منهم من يضبط الحرية بأحكام الشريعة، ومنهم من يجعل الرغبة الفرديَّة كافية لتسويغ الفعل؛ ومنهم من يسترشد بالوحي في تحديد الحقوق، ومنهم من يتبنّى تصوّرًا للعدالة ثم يُخضع النصوص له؛ ومنهم من يربط التقدّم بالعمران والقيم، ومنهم من يقيسه بمحاكاة النموذج الغالب؛ ومنهم من يبني تصوّره للأسرة على القرآن والسُّنَّة، ومنهم من يجعل تغيّر الأعراف مسوّغًا لتجاوز أحكامها الثابتة؛ ومنهم من يطلب إصلاح الواقع بهداية الوحي، ومنهم من يُغيّر دلالة النص كلما خالفت تحوّلًا اجتماعيًّا؛ ومنهم من يستفيد من الخبرة البشريَّة في مجالها، ومنهم من يمنحها سلطة الفصل في الاعتقاد والتشريع.
فكيف يستقرّ النقاش مع اختلاف المرجع الذي تُوزن به الأفكار؟ قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18). وقد يتحوّل هذا التباعد إلى استقطاب وتشهير وإقصاء، حين يتحزّب كل فريق لتصوّره، وتُستخدم النصوص لتأييد نتائج اختيرت مسبقًا، بدل أن تُبحث الأفكار في ضوء هداية الوحي.
وفي المناهج الدعويَّة والتربويَّة، تتنوّع مجالات العناية ووسائل التعليم بحسب الحاجات والقدرات. فمثلًا، منهم من يبدأ بتعليم العقيدة، ومنهم من يقدّم ما يحتاج إليه المخاطَب من فقه العبادة؛ ومنهم من يتوجّه إلى الشباب، ومنهم من يعتني بالأسرة؛ ومنهم من يختار التعليم المباشر، ومنهم من يستخدم المنصّات الرقميَّة؛ ومنهم من يبدأ بتصحيح المفاهيم، ومنهم من يعالج سلوكًا يراه أشدّ إلحاحًا؛ ومنهم من يُقوّم البرنامج بمشروعيّته وآثاره، ومنهم من يقبله لمجرّد صدوره عن جماعته؛ ومنهم من يرحّب بالمشاركة في عمل مشروع، ومنهم من يشترط لها موافقة انتمائه.
وقد يكون هذا التنوّع نافعًا، ثم تبدأ الخصومة حين تُجعل طريقة مخصوصة معيارًا للعمل الدعوي كلّه. فكيف تتكامل الجهود إذا عُدّ نجاح الآخرين تهديدًا للمكانة؟ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125). وعندما يتقدّم الولاء للطريقة على تقويمها بهدي الوحي، قد يتحوّل اختلاف البرامج إلى منافسة على الأتباع والمنابر، ثم تحاسد وتباغض وتشهير؛ فتُستهلك طاقات الدعوة في الخصومة بين أصحابها.
وفي الشؤون السياسيَّة والتنظيميَّة، تختلف تقديرات المصالح والقدرات وطرائق إدارة العمل. فمثلًا، منهم من يقدّم مصلحة عاجلة، ومنهم من يرجّح مصلحة أبعد؛ ومنهم من يؤيّد قيادة، ومنهم من ينتقد أداءها؛ ومنهم من يتوقّع لقرار منفعة، ومنهم من يخشى عاقبته؛ ومنهم من يقبل مراجعة صلاحياته، ومنهم من يراها انتقاصًا لمكانته؛ ومنهم من يميّز الحكم الشرعي من التقدير السياسي، ومنهم من يمنح تقديره منزلة حكم قطعي؛ ومنهم من يعرض اعتراضه للشورى، ومنهم من يجعل الموافقة لرأيه امتحانًا لولاء الآخرين.
فكيف يُعالج اختلاف الرأي إذا أُغلقت أبواب المراجعة، واختلطت المصلحة العامّة بحظوظ النفوذ؟ قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). يتحوّل الاختلاف إلى تنازع حين تُعطَّل الشورى، أو يُحصَّن القرار البشري من النقد باسم الدين؛ فتنتقل الخصومة من تقويم القرار إلى الصراع على القيادة، ثم الاصطفاف والتحزّب، وقد تبلغ العدوان عند الإعراض عن أحكام الوحي في العدل والأمانة.
وفي الروابط الاجتماعيَّة والقوميَّة، تنشأ الخصومة حين تُستخدم روابط النسب واللغة والبلد والطبقة لتفضيل بعض الناس في الحقوق أو الانتقاص من غيرهم. فمثلًا، منهم من ينصر قريبه بالحق، ومنهم من يدافع عنه مع ظلمه؛ ومنهم من يحفظ للمسلم كرامته، ومنهم من ينتقصه بسبب أصله؛ ومنهم من يزن الكفاءة بالعلم والعمل، ومنهم من يقدّم أبناء جماعته؛ ومنهم من يُنصف الفقير، ومنهم من يُحابِي صاحب المال والجاه؛ ومنهم من يقصر المؤاخذة على صاحب التصرّف، ومنهم من يُعمّمها على قومه؛ ومنهم من يتثبّت من الواقعة، ومنهم من يصطفّ مع ابن بلده قبل معرفتها.
فأين تستقرّ الأخوة إذا صار الانتماء مقدَّمًا على الحق؟ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). وحين تتحوّل الرابطة الاجتماعيَّة إلى عصبيَّة تتجاوز ميزان الوحي، قد تمتدّ خصومة الفردين إلى جماعتيهما، وتُعمَّم الاتهامات، وتُتوارث العداوات، حتى تنتهي إلى قطيعة أو اعتداء أو ثأر.
وفي المصالح الماليَّة والحقوق المؤسسيَّة، تختلف الأطراف في الاستحقاق والتوزيع والإدارة والمحاسبة. فمثلًا، منهم من يطالب بنصيبه من مال مشترك، ومنهم من ينازعه في ثبوته؛ ومنهم من يؤدّي الأمانة، ومنهم من يستعملها لمصلحته؛ ومنهم من يطلب بيان الحسابات، ومنهم من يعدّه اتهامًا له؛ ومنهم من يقبل الفصل المنصف، ومنهم من يستعين بالنفوذ لترجيح دعواه؛ ومنهم من يلتزم شروط الوقف أو التبرّع، ومنهم من يُغيّر وجه الانتفاع بغير مسوّغ؛ ومنهم من يطبّق ضوابط الاستحقاق، ومنهم من يُحابِي أصحاب العلاقات الخاصّة.
فكيف يدوم الاجتماع إذا طُلب حكم الشريعة لإثبات حق النفس، ثم رُفض حين أثبت حق الغير؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58). وبإهمال هذه الأحكام قد تتّسع المطالبة المحدّدة إلى اتهامات متبادلة واستقطاب للأنصار، ثم انقسام في الجماعة؛ لأنَّ المظلمة بقيت دون فصل منصف.
وتكشف هذه الأمثلة أنَّ انتقال الاختلاف إلى خصومة مفسدة للاجتماع يرتبط بخلل في التلقّي، أو الفهم، أو القصد، أو الاستجابة للحكم. وقد يجتمع أكثر من خلل في الواقعة الواحدة، فيقوّي بعضُها بعضًا، وتمتدّ آثارها من المسألة إلى أصحابها وجماعاتهم. ومن هنا يتّجه النظر إلى معالجة كل خلل في موضعه.
ثالثًا: كيف يُعالج التنازع بهداية الوحي؟
تحتاج المعالجة إلى تحديد ما أبقى الخصومة قائمة: أهو اضطراب المصدر، أم سوء الفهم، أم طلب الغلبة، أم الامتناع عن أداء الحق؟ ثم تُختار الوسيلة المناسبة لإصلاحه، مع معالجة ما ترتّب عليه في الأقوال والعلاقات والحقوق. ويتدرّج ذلك فيما يلي:
- تصحيح التلقّي وبناء المعرفة بالوحي
يبدأ تصحيح التلقّي بمراجعة ما يُنسب إلى الدين: ما مصدره؟ وما دليله؟ وهل ثبتت نسبته إلى الوحي؟ فتُعرض المعارف الموروثة والمستحدثة على القرآن والسُّنَّة، ويُميَّز الدليل من العادة والحكاية والتصوّر الذي اكتسب سلطة بكثرة تداوله.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ﴾ (النساء: 136). ويُعرف ما جاء به الرسول من طريق تعليمه وبيانه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: 164).
ويُضبط ما يُنسب إلى الدين بقول النبيّ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (البخاري، حديث 2697؛ مسلم، حديث 1718). ويُترجم ذلك إلى تعليم يذكر مستند المعتقد والحكم، ويتحقّق من الروايات المتداولة، ويُصحّح ما ثبت خطؤه؛ فيُعالج التنازع الناشئ عن مصادر لا يصحّ الاحتجاج بها في الدين.
- إخلاص القصد في تعلّم الوحي
قد يكون الدليل حاضرًا، لكنَّ طلب الغلبة أو حماية المكانة يمنع الانتفاع به. ويُعالج ذلك بمحاسبة المتعلّم والمتنازع لنفسه: هل يقصد معرفة الحق؟ وهل يستمع إلى الحجَّة المخالفة؟ وهل يقبل تصحيح ما نشره إذا ظهر خطؤه؟
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5)، وقال النبيّ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (البخاري، حديث 1؛ مسلم، حديث 1907). فيُطلب العلم لله، ويُقصد بالحوار الوصول إلى الصواب.
ويمنع الاغترار بالنفس قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (النجم: 32). فتُناقش الأقوال بأدلّتها، وتبقى السرائر إلى الله. وتُعين البيئة العلميَّة على ذلك حين تحترم الرجوع عن الخطأ، وتُتيح نشر التصحيحات؛ فيضعف الدافع إلى المكابرة التي تُطيل الخصومة.
- تأهيل الفهم والتفقّه في الوحي
يُعالج الخلل في الفهم بتعليم متدرّج في اللغة وأصول الاستدلال، وتدريب على تحرير المسألة قبل الحكم عليها. وتُحدَّد عند المناقشة حقيقة الدعوى، ودليلها، والواقعة التي يُراد تطبيقها عليها؛ فقد ينكشف أنَّ النزاع في وصف الواقعة، أو أنَّه نشأ من فهم عبارة على غير مراد صاحبها.
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43). فيُستعان بالمؤهَّلين فيما يحتاج إلى علم، ويُطلب من المتخصّص بيان ما يتجاوز أدوات السائل. وتُحمل ثمرة التأهّل إلى الناس، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
ويتوجّه هذا التعليم إلى مواضع الالتباس الفعليَّة؛ فيُعالج التسرّع في الفتوى، وتعميم الأحكام، وتسوية الوقائع المختلفة. كما يُبيّن للناس ما يحتمل الاجتهاد وما ثبت حكمه، حتى تُعطى المسألة قدرها، وتُصان حقوق المختلفين فيها.
- طلب الحلول من هداية الوحي
بعد تحرير المسألة، يُعدّ بحث يجمع أدلّتها من القرآن والسُّنَّة، ويعرض الأقوال والوقائع عليها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: 59). فيُحدَّد محلّ النزاع، ويُفصل بين ثبوت الرواية ودلالتها، وتُعرض الحجج المؤيّدة والمخالفة بأمانة.
ويُعالج الانتقاء بجمع النصوص المتّصلة بالمسألة، والنظر في العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيَّد، والمجمل وبيانه. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82). فيُحرَّر ما قد يُتوهَّم من تعارض، ويُردّ المحتمل إلى ما يبيّنه، وفق قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران: 7).
وتنتهي المعالجة العلميَّة إلى بيان واضح: ما الذي دلّ عليه الدليل؟ وما وجه الترجيح؟ وما الذي بقي مجالًا للاجتهاد؟ وبذلك يجد المتنازعون جوابًا عن مسألتهم، ويعرفون حدود ما يمكن الفصل فيه.
- تعظيم الوحي وقبول حكمه
يُعالج الامتناع عن قبول الحكم بتربية النفس على الثقة بهداية الله، واستحضار مسؤوليتها بين يديه، خصوصًا حين يخالف الحكم رغبتها أو يُثبت لغيرها حقًّا عليها.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: 52). فتُربط الطاعة بالخشية والتقوى، ويُستحضر معنى الاستجابة في قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285).
ويظهر أثر هذه التربية حين يُقرّ المتنازع بخطئه، ويقبل الحق الذي ثبت عليه. ويشمل تعظيم الوحي احترام ضوابطه في الحكم على الناس؛ فتُميَّز المقالة من قائلها، وتُراعى شروط الحكم وموانعه، ويُرجع فيما يحتاج إلى تحقيق إلى أهل العلم. وقد حذّر النبيّ ﷺ من رمي المسلم بالكفر (البخاري، حديث 6104؛ مسلم، حديث 60). فقبول حكم الوحي يقتضي الالتزام به، والعدل في تنزيله معًا.
- وصل العلم بالعمل بأحكام الوحي
يُعالج انفصال المعرفة عن العمل بالتزامات ظاهرة في موضع النزاع: أداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وردّ الحق، وتصحيح التصرّف المخالف. ويُراجع المسلم تطبيق ما يدعو إليه على نفسه، كما تُراجع المؤسسة قراراتها ومعاملاتها.
قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44)، وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 3). فتُحاسَب النفس على الوفاء بما تُعلنه من مبادئ.
ومن الامتثال حفظ كرامة المخالف وحقوقه؛ فيُعترف بصوابه، وتُقصر المؤاخذة على صاحب التصرّف، وتُجتنب السخرية والاحتقار. قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ (الحجرات: 11). وقال النبيّ ﷺ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (مسلم، حديث 2564).
وبذلك يُقاس أثر العلم بما تغيّر من السلوك؛ فتضعف الممارسات التي تُغذّي البغضاء، ويصبح الالتزام بأحكام الوحي عاملًا ظاهرًا في صيانة الاجتماع.
- ضبط الحوار والإصلاح والتعاون بالوحي
تُعالج آثار الخصومة بمنع انتشار الاتهامات، وتسوية الحقوق، ثم استعادة التعاون المشروع. ويبدأ ذلك بالتثبّت من الأخبار، والرجوع إلى الأقوال كاملة، وسماع أصحابها قبل النشر والتعليق.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6). وتُمنع الظنون والغيبة والتتبّع من تغذية النزاع، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (الحجرات: 12). ويُضبط أسلوب الحوار بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (الإسراء: 53).
وإذا تعلّقت الخصومة بمظلمة، سمع المصلحون الطرفين، وتحقّقوا من الوقائع، وحدّدوا الحقوق؛ ثم رُدّ المال، أو رُفع الضرر، أو صُحّح الاتهام بحسب نوع المظلمة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: 10)، وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).
وتجب المبادرة إلى تسوية الحقوق، قال النبيّ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ» (البخاري، حديث 2449). فوجود طريق منصف لرفع المظلمة يمنع تراكمها، ويحدّ من نقلها إلى خصومة أوسع.
وتُستعاد الثقة بالتعاون في أعمال معلومة الغاية والضوابط، كتعليم القرآن والسُّنَّة، ورعاية الأسرة، وإغاثة المحتاج. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2). وتُحدَّد المسؤوليات وتُتاح المراجعة وفق قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)؛ فيقوم العمل المشترك على مقصد مشروع، وحقوق واضحة، ومحاسبة منصفة.
ختامًا،
يتّحد المسلمون بالاعتصام بحبل الله: الوحي من القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة. ويقتضي هذا الاعتصام وحدة المرجع، وصحّة الفهم، وانضباط الاجتهاد، والتسليم للحكم الثابت. وقد بيّنت الأمثلة كيف يمتدّ الخلاف إلى خصومة حين يُضاف إليه التعصّب أو سوء الفهم أو الظلم. وتبدأ المعالجة بتحديد موضع الخلل، ثم إصلاح التلقّي والقصد والفهم والاستجابة والعمل. ويحمل كل مسلم نصيبه من ذلك بقبول التصحيح، وحفظ كرامة أخيه، وأداء ما وجب عليه من حق. وتحمل المؤسسات نصيبها بالتعليم المنضبط، والشورى، والمحاسبة، والفصل العادل في المنازعات. وحين تكون هداية الوحي حاكمة على الأقوال والمواقف، يقوى اجتماع المسلمين وتتساند جهودهم على البرّ والتقوى.