منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الزواج من الكتابية

اشترك في النشرة البريدية

يعتبر الزواج الشرعي الأكثر رواجا في بناء الأمة، وتكثير النسل مع ما يلحقه من المودة والرحمة والطمأنينة والسكن في نفس الأزواج وبخاصة إذا كانت عوامل التوافق الروحية والمادية على درجة واحدة من المستوى وقد تختلف بعض الشيء في زواج المسلم من امرأة غير مسلمة.

بنى الله عز وجل الزواج على قاعدتي المودة والرحمة، والتي ذكر فيهما المفسرون أقوالا كثيرة لا تخرج بمجموعها عن تحقيق المصلحة المقصودة من الزواج، وعدم التفريط في هذا العقد والميثاق الغليظ الذي ارتبط به الزوجان، وقد حدد الشارع الكريم النساء اللواتي يمكن معهن للرجل المسلم أن يحقق ما ذكرناه، فما من خلاف في أن المرأة المسلمة ذات الدين، هي أعلى أولئك النسوة اللواتي بمقدورهن المحافظة على سلامة الأسرة والعناية بها، وبما ينشأ عنها من الذرية والأموال والقرابة والتواصل والمصاهرة وغير ذلك، مما هو معلوم ومفهوم من حرصه صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى اختيار ذات الدين ” فاظفر بذات الدين تربت يداك[1].

ومن هنا فإن الأصل أن لا يجوز للمسلم نكاح الكافرة لأن الزواج بالكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح[2]، فكان التحريم بالنسبة للكافرة لعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[3] وقد وضح هذا المعنى الشيخ محمد رشيد رضا (ت1354هـ) في تفسيره حين قال “ليس المراد بالزوجية قضاء الشهوة الحسية فقط، وإنما المراد بها تعاقد الزوجين على المشاركة في شؤون الحياة والاتحاد في كل شيء، وإنما يكون ذلك بكون المرأة محل ثقة الرجل يؤمنها على نفسه وولده ومتاعه، عالما أن حرصها على ذلك كحرصه، لأن حظها منه كحظه، وما كان الجمال الذي يروق الطرف ليحقق في المرأة هذا الوصف، ولكن قد يمنعه التباين في الاعتقاد الذي يتعذر معه الركون والاتحاد، والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة ويوجب عليها الأمانة ويأمرها بالخير وينهاها عن الشر، فهي موكلة إلى طبيعتها وما ترتب عليه في عشيرتها، وهو خرافات الوثنية وأوهامها وأماني الشيطان وأحلامها، فقد تخون زوجها وتفسد عقيدة ولدها، فإن ظل الرجل على إعجابه بجمالها كان ذلك عونا لها على التوغل في ضلالها وإضلالها[4].

أما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبيرة مباينة، فإنها تؤمن بالله وتعبده وتؤمن بالأنبياء، وبالحياة الأخرى وما فيها من الجزاء وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر، فأجاز إليه نكاحها رجاء إسلامها، لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت وتأتى بالإيمان على التفصيل، على حسب ما كانت أتت به على الجملة، هذا هو الظاهر من حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى، والطبع والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر رجاء إسلامها ووصولها إلى هذه العاقبة الحميدة[5].

ومن أجل هذا جعل الإمام مالك رحمه الله تعالى الزواج من أهل الكتاب مكروها وليس بحرام، وقال “أكره نكاح نساء أهل الكتاب -اليهودية والنصرانية- قال: وما أحرمه، وذلك أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر ويضاجعها ويقبلها وذلك في فيها وتلد منه أولادا فتغذي ولدها على دينها وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر”[6].

فكراهة الإمام مالك في هذا الباب معللة بأكل لحم الخنزير وشرب الخمر…، وبدليل المخالفة الذي هو أصل في المذهب إذا أزيلت هذه العوارض أصبح الزواج مباحا من أهل الكتاب، ولا يحل للزوج أن يمنع زوجته الكتابية من ممارسة شعائرها التعبدية والذهاب إلى الكنيسة…

قال مالك “ليس للرجل أن يمنع امرأته النصرانية من أكل الخنزير وشرب الخمر والذهاب إلى الكنائس إذا كانت نصرانية.

قلت لابن القاسم: أكان مالك يكره نكاح النصرانيات واليهوديات؟

قال: نعم، لهذا الذي ذكرت لك.

وذكر ابن قدامة -رحمه الله تعالى- ليس بين أهل العلم اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب، وممن روي عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم، وذكر في سياق أخر قوله “ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، ونقل الشوكاني أن السلف لم يظهر بينهم خلاف في جواز نكاح الكتابيات، ولا أنكر أحد منهم على فاعله[7].

إن الذي عليه الأئمة الأربعة هو الكراهة من تزوج الكتابيات وأنه خلاف الأولى، مع صرف هذه الكراهة إلى التنزيه دون التحريم، إلا ما ذكره ابن عابدين من الأحناف بأن كراهة تزوج الحربية من أهل الكتاب إنما هي تحريمية، وعللوا ذلك بكونه فتحا لباب الفتنة الحاصلة من إمكان التعلق المستدعي الإقامة في دار الحرب، وتعرض الولد للتخلق بأخلاق أهل الكفر إضافة إلى ما فيه من إلحاق الضرر بالمسلمات، بينما عللت الكراهة التنزيهية بكون نساء أهل الكتاب يأكلن الخنزير ويشربن الخمر ويذهبن إلى الكنائس –وليس للزوج منعهن من ذلك– ثم يضاجعها الرجل ويقبلها وهي على تلك الحال، وربما تلد له وترضع وتطعم ولده الحرام وتسقيه الخمر، وتربيه على دينها، وتدس له في قلبه ما يتمكن منه دون مبالاة باطلاع أبيه، كما يمكن لها أن تموت وهي حامل فتدفن في مقبرة الكفار وهي حفرة من حفر النار[8].

المزيد من المشاركات
1 من 19

إن الزواج بنساء أهل الكتاب في وقتنا الحاضر إنما هو مكروه كراهة تحريمية، أي أنه للحرام أقرب منه للحلال، إلا في حالة الضرورة لأن المحبة الصادقة والتعاون الوثيق والأمن على دين الولد لا تتم إلا باتحاد الزوجين في الدين، وخاصة في هذا الزمن الذي قوي فيه سلطان النساء على الرجال، ولأن يعول المسلم بماله مسلمة خير من أن يعول غيرها[9].


[1]  صحيح البخاري، باب الأكفاء في الدين، ج7، ص7، رقم الحديث 5090.

[2]  بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (المتوفى: 587هـ)، (ج3، ص 1414)، دار الكتب العلمية

الطبعة الثانية، 1406هـ – 1986م.

[3]  سورة البقرة، الآية 221.

[4]تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار): محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ)، (ج2، ص 352)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: 1990 م .

[5]  في ظلال القرآن: السيد قطب ( ج1، ص 351)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة 7، السنة 1971،

[6]–  المدونة الكبرى: للإمام مالك، ج2، ص 219.

[7]– المغني:  ج6، ص589، بتصرف.

[8]– المدونة الكبرى: للإمام مالك، ج2، ص 306-307.

[9]–  موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، البكري محمد عزمي،(ص238)،القاهرة، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة الخامسة، السنة 1996م.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.