منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الإسراء عجب في غير رجب

نهى بناني

0

 

الحمد لله الذي زين قلوب أوليائه بأنوار الوفاق، وسقى أسرار أحبائه شرابا لذيذ المذاق، وألزم قلوب الخائفين الوجل والإشفاق، فلا يعلم الإنسان في أي الدواوين كتب ولا أي الفريقين يساق، فإن سامح فبفضله، وإن عاقب فبعدله، ولا اعتراض على الملك الخلاق.

وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا رسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، المخصوص بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، الذي جمع فيه الأنبياء تحت لوائه.

أما بعد:

ـ إن الأمة الإسلامية في هذه الأيام المباركة تستقبل شهرا كريما عزيزا علينا ألا وهو (شهر رجب)، ورجب مأخوذ من التوقير والتعظيم، فيقال رجب المعظم. قال ابن منظور: رجبت الشيء هبته. ورجبته: عظمته، ورجب شهر سموه بذلك لتعظيمهم إياه في الجاهلية عن القتال فيه، ولا يستحلون القتال فيه. (1)

المزيد من المشاركات
1 من 24

ومن فضل الله تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن جعل لهم مواسم للطاعات تتضاعف فيها الحسنات، وترفع فيها الدرجات، ويغفر فيها المعاصي والسيئات، فشهر رجب يعتبر بداية لموسم الطاعات، ولهذا حثنا صلى الله عليه وسلم على اغتنام هذه النفحات حيث قال:” اطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، فاسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم“(2)

وشهر رجب كما هو معلوم أحد الأشهر الحرم الأربعة، وقد ذكرها الله إجمالا في قوله:” إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين” (التوبة:36)

وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيلا في حجة الوداع فقال:” ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان” (3)

ومعنى كلمة حرم أي أن هذه الأشهر لها حرمة ومكانة عظيمة عند الله تعالى، فيحرم فيها القتال والسرقة وانتهاك الحرمات كلها، لذلك تضاعف فيها الحسنات كما تضاعف فيها السيئات.

ـ والحق والصواب أن شهر رجب رغم ما خص به من فضيلة، إلا انه قد انتشر بشكل كبير جدا بين الناس أن ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة السابع والعشرين من رجب، وهذا ليس صحيحا، وسوف يأتي تفصل ذلك فيما يأتي:

ـ ضبط تاريخ الإسراء والمعراج:

حدث الإسراء والمعراج من أهم حوادث المرحلة المكية من السيرة النبوية وهو مقطوع بثبوته بتوثيق القرآن الكريم له حيث قال الحق سبحانه:” سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى…الآية” (سورة الإسراء:1)

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

غير أن كلمة أهل المغازي والسير والمؤرخين غير متفقة على تحديد تاريخ هذا الحادث، وأقدم فيما يأتي جردا بأبرز علماء السيرة النبوية الذي عنوا بتوثيق الحديث وفق أساليبهم وطرائقهم في النقل والرواية:

ـ عروة بن الزبير المتوفى 94ه ذكر في مغازيه التي رواها عنه أبو الأسود القرشي:” أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى المدينة بسنة” (4)

وقد وافق عروة بن الزبير على اختياره هذا عالمان آخران من أعلام البحث في الحديث النبوي والسيرة النبوية هما: ابن شهاب الزهري المتوفى عام 124ه (5) وموسى بن عقبة المتوفى عام 141ه (6)

ـ ابن إسحاق المتوفى عام 151ه قال:” حدثنا يونس عن أسباط بن نصر عن إسماعيل السدي قال: فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس في بيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره بستة عشر شهرا” (7)

ـ القاضي عياض المتوفى عام544ه. قال الحافظ في الفتح:” وحكى عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين ورجحه عياض ومن تبعه. واحتج بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو نحوها وإما بخمس ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء…” (8)

ـ ابن الجوزي المتوفى عام 507ه نقل عنه الحافظ ابن حجر أن الحدث كان قبل الهجرة بثمانية أشهر. (9)

ـ أبو الربيع الكلاعي المتوفى عام 634ه، نقل عنه الحافظ ابن حجر في الفتح أن الحدث كان قبل الهجرة بستة أشهر (10) وهو يوافق شهر رمضان.

*”غير أن رواية عروة بن الزبير فيمكن عدها أوثق وأقدم وأرجح ما يمكن اعتماده تاريخا لحدث الإسراء والمعراج. وبيان هذا على النحو التالي:

ـ يعد عروة ابن الزبير أول من نقل عنه تحديد تاريخ الحدث.

ـ ينتمي هذا الراوي إلى بيت النبوة على أهل أفضل الصلاة وأزكى السلام من عدة جهات، من جهة خالته عائشة أم المؤمنين ومن جهة أبيه الزبير بن العوام:” حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم” ومن جهة جدته من جهة أبيه صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنهم جميعا.

وهو انتماء يجعله مؤهلا أكثر من غيره للاطلاع على حوادث السيرة النبوية، وسماعها ونقلها.

ـ تحصيل عروة بن الزبير مرويات خالته عائشة رضي الله عنها، ومعلوم أن حديث الإسراء والمعراج روي من عدة مخارج وطرق من بينها طريق عائشة رضي الله عنها، ولا يبعد أن يكون مصدره في هده الرواية خالته عائشة.

ـ انتماء عروة بن الزبير لطبقة كبار التابعين الذين انبروا للعناية بعلم المغازي والسير في مرحلة مبكرة من تاريخ نشأة هذا العلم وتكونه.

ـ تبنى عالمين بارزين من أعلام المغازي والسير اختيار عروة بن الزبير، وهما ابن شهاب الزهري وموسى بن عقبة” (11).

ـ وبناء على هذه الدراسة فإن الرواية التي يمكن أن يطمأن إليها وتعتمد تاريخيا لحدث الإسراء والمعراج هي رواية عروة بن الزبير اعتبارا لما احتفت به من قرائن ومرجحات. وهذا يعني أن رسول الله صلى الله عله وسلم قد أسري به” في شهر ربيع الأول”

ـ إن تحديد تاريخ “ليلة الإسراء والمعراج” لا يترتب عليه حكم فقهي، هو فقط سعي للكشف عنها، والمهم هو الإيمان والتصديق بأن الله أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء يقظا لا نائما بروحه وجسده معا.


المصادر والمراجع:

1ـ لسان العرب

2ـ الطبراني في الدعاء(1/29)، البيهقي في شعب الإيمان(2/42)

3ـ أخرجه البخاري (4406)، ومسلم (1679)

4ـ مغازي عروة بن الزبير وقد ساق هذا النص البيهقي في دلائل النبوة 2/354

5ـ يراجع البيهقي في الدلائل 2/354

6ـ النسخة المستخرجة من مغازي ابن عقبة ص: 88

7ـ السير والمغازي ص: 297

8ـ الفتح 7/203 فما بعدها

9ـ الفتح 7/203

10ـ الفتح 7/203

11ـ أ. د إدريس الخرشافي أستاذ التعليم العالي بجامعة القرويين ـ فاس: كتاب منتخبات جياد من سيرة خير العباد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ص: 76/77.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.