منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإسلام والسرد

اشترك في النشرة البريدية

 يعتبر القرآن الكريم مركزا تستند إليه الثقافة الإسلامية، كيف لا وهو الخطاب المتعالي المعجز الذي حير الألباب والأفهام وأعجز فطاحلة العرب والغرب على حد سواء أسلوبا وتركيبا ودلالة وعلما. ولأنه كذلك، دارت حوله الدراسات وانكب الرجال على قراءته وفهم كل منهم النص القرآني انطلاقا من زاوية نظره وقدرته على التأويل، واجتهد استجابة لنوازل العصر ومتطلباته. لكن هذا الأمر لم يمنع المسلمين من دراسة العلوم والآداب خارج دائرة القرآن، وإنما جعلوه مرجعا وخلفية وخطا أحمر لا يتجاوز لقدسيته باعتباره كلام الله.

 لم يقيد الإسلام ما جبل عليه الإنسان من إبداع، فقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالآداب والعلوم والرياضة والسياسة والأخلاق وأمر بها في أحاديث كثيرة، ولم ينتقص في ذلك من قيمة إبداع الإنسان العربي في الجاهلية، وإنما قال بتقنينها وتشذيبها مما لا ينفع في الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنه كان للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم شعراء يدفعون عنه هجاء المشركين، وأبرزهم حسان بن ثابت وكعب بن زهير. هذا الأخير لم يعب عليه صلى الله عليه وسلم استهلاله بالمقدمة الغزلية ( بانت سعاد )، لأنه على دراية بطبع العرب الذي لا يمكن محوه أو الهروب منه، إلا أنه صلى الله عليه وسلم صحح قول كعب ( مهند من سيوف الهند مسلول )، وقال: بل من سيوف الله، ثم أزال بردته وغطى بها كعبا كدليل على الأمان وأشار لصحابته رضوان الله عليهم أن استمعوا. كما أمر صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت بهجو المشركين ودله على أبي بكر لأنه كان أعلم قريش بأنسابها. لكن السؤال المطروح، لماذا لم يعب الرسول صلى الله عليه وسلم استهلال كعب؟ وما الغاية من دل حسان على أبي بكر؟

 لقد أقام الإسلام موقفا واضحا من القصص، حيث ربط فعل القص بخدمة الأغراض الإنسانية من أخلاق وقيم نبيلة وحكم ومواعظ وعلوم تفيد الإنسان وتسمو به كقصص الصالحين والأنبياء والمرسلين وسير الصحابة والأقوام السالفة وأيامهم وحضارتهم، شريطة أن يتوخى القاص الحقيقة والصدق فالقصاص ” لايذمون من حيث هذا الإسم لأن الله تعالى قال: نحن نقص عليك أحسن القصص. وقال: فاقصص القصص. وإنما ذم القصاص لأن الغالب منهم يذكر القصص دون ذكر العلم المفيد “[1]. وبهذا فإن السرد من وجهة نظر الإسلام هو قيمة إبداعية وجب تسخيرها في خدمة الإنسانية، ذلك أن الآداب باختلافها والعلوم جميعها تدخل في منظومة الشريعة الإسلامية. فالقرآن يدعو للعلم والتعلم، سواء أكان العلم دنيويا أو أخرويا مالم يمس إنسانية الإنسان، والسرد جزء لا يتجزؤ من هذه المنظومة الشاملة الواسعة.

 إن ما أدى بعلماء الإسلام إلى إقصاء السرد العجيب هو اختراع الأحاديث واختلاق الوقائع حتى بلغ الأمر المس بالذات الإلهية والكذب بخصوص الأنبياء، والزيادة في قصصهم بغية تزيين النصوص القصصية، واستقطاب أكبر عدد من الجمهور المستمع “ومنهم من ينفق مجلسه بذكر موسى والجبل ويوسف وزليخا ويخرجون الكلام إلى الإشارات التي تضر ولا تنفع “[2]، إلا أن هذا الإقصاء لم يطل القصة بأكملها وإنما الفعل القصصي الذي يعتمد الكذب ويضم بين طياته فحشا، أما دراسة القصة باعتبارها فنا أدبيا فلا ضير فيه إذا كانت رسالة القاص رفيعة تذر بالنفع على الإنسان، كما أنه لا ضرر إذا ما توخت القصة أبعادا جمالية فقط ما لم تفسد الأسماع.

المزيد من المشاركات
1 من 2
مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

 لقد أسهمت المركزية الدينية في بناء هوية إسلامية تنبثق من القرآن والسنة، إذ عمل القرآن على تعديل التصورات القديمة للكون والإنسان والحياة بسرده قصص الأمم الآفلة وأحوالهم وأيامهم وحضارتهم، وحاول الرسول الكريم وبعده الصحابة الأبرار ثم العلماء الأوائل تصحيح المفاهيم المتوارثة، وربط الإبداع بالمعاني الإسلامية والمبادئ التي تسهم في بناء هوية إسلامية ترقى بالإنسان وتحرره من أفكار الجاهلية، فكان دور السرد بارزا في إرساء دعائم الهوية العربية الإسلامية وتثبيتها باعتباره مادة إبداعية مهمة تساعد على تمرير الأفكار المكونة لهاته الهوية. فلم يقيد الإسلام السرد، بل حدد مفهومه وقيمته الدلالية والإبداعية داخل منظومة الأدب الرسالي، فما الغاية إذا من فعل السرد ما لم تكن رسالته صادقة تتقصى الحقيقة والحكمة والاعتبار والتدبر وبناء عقل الإنسان بناءا رفيعا قوامه العلم الذي يجلب النفع للفرد وأمته؟

 إننا إذا نتعلم من أجل التعلم فقط ولا نسعى إلى تحقيق الغاية الأسمى! أي إن إبداعنا لا يتجاوز أفق الممارسة الإعتباطية، ولا يكوّن حسا إبداعيا ووعيا فكريا يناهض ظاهرة الإبداع من أجل الإبداع. فالسرد قناة من قنوات ربط الإنسان بالواقع والحياة، ينقل الاخبار والقصص والحكايات والثقافات والمعارف من مكان إلى مكان. إنه مظهر تعبيري يتجاوز حدود الصفحات والألسن إلى الدعوة للخير والحرية والأخلاق والسلام.  من هنا، يمكننا القول بأن السرد تجل من تجليات الهوية العربية الإسلامية، وركيزة أساس من ركائزها نظرا لوفرة المادة السردية في الكتاب والسنة والتراث الأدبي العربي، ورؤية سامية منها للإنسان والحياة وتطلعها لبلوغ المثالية والكمال.


[1] ابن الجوزي تلبيس ابليس ص120

[2] ابن الجوزي القصاص والمذكرين ص83

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.