منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإسلام والحداثة؛ أسئلة المعنى والمبنى

اشترك في النشرة البريدية

تعرض هذه الدراسة لتصور الإمام عبد السلام ياسين لقضية الحداثة وما تطرحه من إشكالات مركزية ظلت موضع نقاش قوي في الفكر العربي والإسلامي الحديث. وهي تحاول عبر إنجاز قراءة تحليلية لكتاب الإسلام والحداثة أن تقف عند تصور الإمام لمعنى الحداثة ومبناها، وذلك من الخلال الحفر عن الأسس المعرفية والتصورية التي أسست لهذه الحداثة وأقامت صرحها الفلسفي والمفاهيمي، كل ذلك من وجهة نظرة نقادة فاحصة تسائل أزمة الحداثة وفشلها في مقاربة القضايا الوجودية للإنسان، من دون نسيان عرض ملامح عامة تقترح مشروعا مجتمعيا متكامل الجوانب لعله يكون بعض جواب لبؤس الإنسان في عالم الحداثة الموار.

 أولا. مقدمات عامة:

  • الكتاب الذي سنسعى لتقديم قراءة له يحمل عنوان “الإسلام والحداثة” لمؤلفه الأستاذ عبد السلام ياسين، وهو ترجمة لكتاب يحمل عنوان «islamiser la modernité» للمؤلف نفسه صدر عن مطبوعات الأفق في مارس 1988. وهو يتكون في طبعته العربية الصادرة عن مطبوعات الهلال بوجدة مارس 2000 من 366 صفحة في ثمانية فصول بعد توطئة ومقدمة. وبه خاتمة في الأخير.
  • يقتضي منا عرض هذا الكتاب في البداية: الإلمام بالسياق العام الذي ورد فيه، والسياق الخاص الذي يحكمه، وإنجاز قراءة دلالية في عنوانه، وضبط آلياته التحليلية، وكذا رصد رهاناته التي ترسمها مقاصده وأهدافه، وأخيرا بيان العقبات التي تحول دون بلوغه مراميه:

أ. بين السياق العام والسياق الخاص/ حوار في زمن السقوط:

*يستحضر السياق العام للكتاب التأسيس لحوار بين عالم الحداثة وعالم الإسلام، يعي جيدا التحديات الكبرى التي تفرضها الحداثة في زمن عولمة تملي رؤيا حضارية ذات مشروع مجتمعي محدد على أمم العالم في قالب مثير جذاب بشعارات براقة معسولة، سياق يستحضر إشكالية كبرى تبحث عن موقع المسلمين بمؤهلاتهم وأزماتهم في ظل عولمة تبشر بسقوط مستقبلي للإنسان، أمام نظام يقوم على الفردانية، وعلى التفاوت المتفاقم بين فقراء وأغنياء العالم، وعلى عبثية أخلاقية، وتفسخ اجتماعي[1]. وهي إشكالية تسائل الحداثة عن معناها ومبناها؟ عن تشتت الإنسان وتوزع نفسيته؟، عن غنى البعض ببؤس البعض؟ عن الضياع والفراغ والاستهلاك؟ عن منكوبي الجنوب ومتخمي الشمال؟ مؤامرات الإعلام وتقنيات الإعتام؟ بصفة مجملة عن مرض الحداثة وإعصار الحداثة، صخبها وبريقها، فتنتها سحرها، حيرتها[2].

* في السياق الخاص يأتي الكتاب امتدادا للحوار الذي ابتدأه المؤلف مع النخب المثقفة في محاضرة “حوار مع النخبة المغربة”[3]، والتي دعا فيها هذه النخب إلى الالتحاق بركب الحركة الإسلامية، وتصحيح الرؤية حول طبيعة التغيير الإسلامي بعد فشل الإيديولوجيات الأرضية في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهو الحوار الذي واصله المؤلف في كتب أخرى من مثل “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، “حوار الماضي والمستقبل”، “حوار مع صديق أمازيغي”، و”الشورى والديمقراطية”، وهي المؤلفات التي عرضت لقضايا: “الديمقراطية، والأمازيغية، والحركة الوطنية، وحقوق الإنسان، والتعليم”، وطرحت المعالم الكبرى للمشروع المجتمعي الذي يقترحه عبد السلام ياسين لأزمة الهشاشة الحضارية الشمولية التي يحياها المسلمون.

ويربط بين هذين السياقين: العام والخاص، هم الانشغال الدعوي بعرض قضية الإسلام على الناس علهم يتوبون إلى ربهم، ويحققون العبودية الحقة له من خلال الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، تطبيقا لشرعه واتباعا لمنهاج نبيه صلى الله عليه وسلم.

ب. قراءة في العنوان: “الإسلام والحداثة/ ضدان لا يجتمعان:

العنوان في أصله الفرنسي “أسلمة الحداثة”، وهي صيغة في الوقت الذي تسبح فيه في التناقضات باعتبار أنه لا صلة بين دين إلهي رباني وبين منتوج بشري أرضي، تفتح أبوابا مشرعة أمام الفهم والتأويل.

  • هل يمكن أن يلتقي الإسلام بالحداثة؟
  • كيف يمكن أن “نؤسلم الحداثة”؟
  • هل يجب أن نتحدث عن أسلمة الحداثة أم عن تحديث الإسلام؟
  • أي حقيقة كامنة وراء بريق التحديث والمعاصرة؟
  • هل تعني الحداثة التخلي عن قيمنا المحددة لهويتنا وحضارتنا؟
  • كيف نوائم بين هذه القيم وبين معطيات الحداثة المتقدمة؟!
  • كيف نتجاوز أمراض الحداثة وفظائعها وأهوالها؟
  • أي مشروع يمكن للإسلام أن يحمله للإنسان المريض بحداثته؟
  • كيف يمكن أن يصبح الإسلام ملاذا أخلاقيا وسياسيا لمجتمعات ما بعد الحداثة؟
  • ما موقع الأسئلة التي من قبيل: من أنا؟ ما أكون؟ إلى أين أسير؟ في فكر الحداثة وفلسفتها؟
  • كيف نواجه الحداثة بتحدياتها ونحن كم مهمل أصابه الوهن والتمزق؟

هذه أسئلة تشكل في العمق إشكالات كبرى عمل الكاتب على التعرض لها، مقترحا بصددها أجوبة تتطلب منا صبرا معرفيا لاستكناه دلالاتها، وموضوعية علمية لمناقشتها.

ج-آليات التحليل/ أسلحة للمواجهة:

يعتمد الأستاذ عبد السلام ياسين رؤية نظرية تستند إلى آليات تحليلية خمسة هي:

  • استحضار الغيب الإلهي الواعد بالخلافة الإسلامية على المنهاج النبوي المبشر بعدل الإسلام ورفقه، برحمة الإسلام وإحسانه، ومع الغيب يستحضر أيضا سنن الله عز وجل الكونية ممثلة أساسا في سنتي الابتلاء والتداول. ومصدر الأمرين معا القرآن الكريم “مصدر الحقيقة المطلقة”، منبع الأجوبة المقلقة المفرغة للحداثة.
  • استحضار التاريخ بمنظور قرآني ممثلا أساسا في “قصص الأنبياء” مع أقوامهم، وهي قصص تجسد نموذج الانتصار على الاستعلاء والاستكبار التاريخيين. وتمثل الصور الرمزية “للقدوات الكمل” في صناعة التاريخ باعتماد كلي على الله، وأخذ تام بأسباب التدافع. وتقدم المثال التاريخي للقدرة الإنسانية على تأدية الواجب دون خضوع للتهديد، متى توفر السند المعنوي والحافز الدافع[4]. بصفة مجملة إنها تجسد تاريخ الابتلاء والتدافع والصبر والجهاد.

إن استحضار هذين المعطيين: معطى الغيب الإلهي، معطى التاريخ القرآني سيمكننا من الثقة بالموعود الرباني دون تواكلية انتظارية. وكذا من اعتبار الحداثة مظهرا حديثا للابتلاء، نخضع لها من حيث هي سنة دون جبرية مستقيلة.

وعليه نقبل المعركة بشروطها كما قبلها رسل الله، ونؤدي واجباتنا الوقتية وكلنا ثقة في الحق الذي معنا، دون القعود على الأماني المعسولة أو الاستمساك بذهنية التثبيط الخاملة، وإنما نسارع مدافعين مقتحمين.

إن نماذج المقاومة الإسلامية المدافعة عن حقها في عيش كريم ودين قويم بدافع إسلاميتها، لهو خير دليل ضد الحتمية الواقعية التي يعمل البعض على الاستدلال لها لسيطرة الاستكبار وخنوع الاستضعاف، حقا، إننا، لو نظرنا إلى واقعنا-نحن المسلمين-معزولا عن السياق التاريخي الإسلامي، مضخما بتأثير همومنا وأزماتنا، لقلنا إنه لا قبل لنا بهذه الوضعية، ولا مخرج ولا منجى منها. بيد أن قراءة القرآن، وقراءة التاريخ، وقراءة الواقع الحضاري الذي شيدناه يقول العكس، يقول قوله تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين” آل عمران/ 140.

  • استحضار الأبعاد المفاهيمية في لغة التخاطب، إذ إن تحقيق التواصل الجيد رهين بالاهتمام بمسألة ذات قيمة كبرى تشير إليها الأبحاث اللغوية المعتنية بالاشتقاق وتاريخ المفردات هي:
  • أن اللغة حمالة فكر وثقافة؛
  • أن المفاهيم اللغوية تنشأ بخلفيات فلسفية نظرية؛
  • أن هجرة المصطلحات واستنباتها في غير حقولها الأصلية عملية يراعى فيها السياقات التاريخية الاجتماعية.

وهو ما يعني عند أستاذنا عبد السلام ياسين:

  • “أن الكلمات التي يساء استعمالها أو فهمها أو كتابتها أفخاخ قاتلة”
  • “أنه من الهجانة مطالبة لغة معينة بحمل معاني لغة أخرى وعواطفها وقيمها”.
  • أن اللغات الغربية عاجزة عن حمل البعد الروحي للإسلام لكون عوالمها الدلالية والثقافية تحمل تناقضا صريحا مع الإسلام وقيمه”.

لذا، ومراعاة لهذا الأمر اللغوي لا بد من محاولة فهم الخطاب في سياقاته التاريخية والمعرفية والدلالية، وهو ما يفرض:

  • ضرورة التحلي بنوع من الصبر والتسامح وتجاوز المسبقات، وافتراض سلامة النية في المتكلم حتى “ولو كان هناك عنف لفظي على الحداثة لأن ذلك لا يعني ضرورة مضادة الأشخاص والأمم والشعوب”.
  • الوعي بالخلفيات الفلسفية والسياقات التاريخية المنشئة لمفاهيم الديمقراطية والحداثة واللائكية، والكف عن اعتبار الإسلام “روليجيون religion بمعناها الكنسي[5].

وهما ضرورتان تتجاوزان الأخطار المحدقة بالحوار بين الإسلاميين واللائكيين المسلمين، وبالتواصل بين الثقافات، لما تحاكم النيات، ويصادر الحق في التعبير، وتكال الاتهامات بالإقصاء والاحتكار، كلما تمت الدعوة إلى الوضوح والصراحة وترجمة الأقوال إلى أفعال[6].

  • استحضار الخلفيات الفلسفية، والمنطلقات النظرية الثاوية، والأسس المعرفية والمحددات الإيديولوجية، وهو أمر يسعى إلى فهم الأنساق الحضارية، والمشاريع المجتمعية، والسلوكات التاريخية الواقعية التي كثيرا ما تختفي وراء الصور والأشكال والرموز والشعارات، بهذا وحده، نستطيع فهم الخلاف بيننا وبين الغرب باعتباره “خلافا بين تاريخين وعقليتين وتصورين للإنسان والكون”[7]، فهم نراه أساسيا لتجاوز عقليات اللهفة الجارية عندنا وراء كل ما يأتي من الآخر بدعوى التقدم والحضارة والمعاصرة.
  • استحضار “العلمية” و”العمق” و”الموضوعية” في التحليل، وتجاوز “التبسيطية” و”السطحية” و”الآراء المشهورة” العامية المبتذلة المكتسبة من الجرائد، وهذا شيء نجد تمثلا راقيا وعميقا له عند الأستاذ عبد السلام ياسين، يظهر ذلك في المعرفة العميقة بأصول النظريات الفلسفية، وبالوقائع التاريخية، وبمكتسبات العلوم الحديثة، يدعم ذلك نقول مضبوطة لعلماء ومفكرين مشهود لهم بالكفاءة والريادة في ميادين انشغالاتهم العلمية.

بهذه الآليات ذات البعد المنهجي أساسا، يقرأ الأستاذ عبد السلام ياسين الحداثة و”يفكرها” و”يفككها”، وبها يحاور الحداثيين، ويناقش أطروحاتهم.

د-رهانات الكتاب: إسماع الفطرة إلى العالم:

همان اثنان يحكمان المؤلف، ويشكلان رهانه ومقاصده:

  • الهم الأول: إسماع الرسالة القرآنية للعالم، رسالة السلام والرحمة والأخوة والمحبة، رسالة المعنى لعالم تسيطر عليه أمراض العنف والضياع والفراغ.
  • الهم الثاني: التفكير لمستقبل الإسلام وقضية الحركة الإسلامية. وفيما يتجه الهم الأول إلى عرض رسالة الإنصاف والعدل والسلام إلى العالم لتجاوز النظرة العدائية التي ترى في الإسلام نفيا للآخر، وسفكا للدم، ونشرا للشقاق، يتجه الهم الثاني إلى عرض معالم المشروع المجتمعي الذي تقترحه الحركة الإسلامية لتجاوز نظرة الرفض والإقصاء والمغالطات الإعلامية التي ترى فيها تطرفا وتخلفا ورجعية.

يربط بين الهمين الحديث عن الله واليوم الآخر، ومعنى الوجود وغاية الحياة، والتعرف على قيم الإسلام وأخلاقياته، وهي الأمور المغيبة، المسكوت عنها، في “الحداثة”، وكذا اقتراح “مشروع ميثاق وحلف إنساني” يمد اليد إلى ذوي الإرادات الطيبة من بني البشر للدفاع عن حرية الإنسان وكرامته، غضبا ضد قسوة الحداثة ورفضا للعنف والحقد، ويمد يده أيضا إلى ذوي المروءات والفضلاء المسلمين للخروج من الأزمات الخانقة التي نتخبط فيها[8].

هـ: عقبات: ذهنيات الاستكبار والاستعلاء والاكتفاء:

تحول دون مخاطبة الحداثة والتواصل معها عقبات معبرة عن عقليات.

  • عقلية الاستكبار المستبدة التي لا تتكلم غير لغة الوصاية والإلحاق والتبعية والهيمنة (وإن لبست لبوس التعاون والمساعدة والحوار)، عقلية القوة الاقتصادية والعسكرية المنعمة المتخمة أمام عالم جائع مجهل محقر مفقر، أنى؟ وكيف؟ ومتى؟ يصيخ السمع لأفكار غير أفكاره خاصة إذا كانت تدعو إلى الإيمان بالله واليوم الأخر والتقوى والعدالة؛
  • عقلية الاستعلاء الرافضة للآخر، المعادية للإسلام المشوهة إعلاميا صورة المسلمين تغلق آذانها عن سماع الآخرين ما داموا لا يخضعون للمنطق اللائكي، ولا يستحيون من ذكر كلمات مفزعة كالموت والقبر والغيب والعذاب.

إن العقلية الاستكبارية الآن تروج لأطروحة صراع الحضارات المعبرة عن ذلك الذعر القوي الآخذ بتلابيب النفسية الغربية، يصرخ منددا بالخطر الأخضر القادم، وبالأصولية المتطرفة الهاجمة، ولم لا بتحالف إسلامي كونفوشي (سيزداد الخطر الأصفر أيضا!)، يهدد العالم، يدعم هذه الأطروحة صناعة إعلامية متطورة تصنع الرأي وتهول من خطر الملتحين والمحجبات، غزاة الحضارة الآتين من القديم المجهول.

وإن العقلية الاستعلائية لدى الموالين للعقلية الأولى المنبطحين أمام إغراءاتها، المستجيبين لإملاءاتها، تحقيقا لمصالحهم، وحفاظا على كراسي اكتسبت بعد جهد جهيد (لم التضحية بها!؟). لا تأل جهدا في رسم صورة سوداء قاعة للغد الذي تؤول فيه الأمور لهؤلاء “الإسلامويين” أعداء الديمقراطية وأعداء حقوق الإنسان، أعداء المرأة، الظلاميين دعاة الرجعية والارتكاسية.

وبين الاستكبار والاستعلاء:

  • عقلية مكتفية بما عندها، حرفية قاعدة، نصية خاملة، الغرب كافر، ديمقراطيته كافرة، صواريخه كفر، تقنيته كفر، لا تفهم المقاصد الكبرى، ولا ترتيب الأولويات، ولا معالجة الواقع، تكون تكفيرية عانفة حينا، وقدرية جبرية حينا، وربما مرجئة مستقيلة أحيانا، في انتظارية مقيتة، هذه لا تقرأ كلام الله قراءة صابئة موازية لنظرة متفحصة للواقع المعيش.

إن هذه العقليات مجتمعة، تدل على وجود عقبات كبرى تجعل من الصعوبة جدا أن يتم “الجهر بالفكرة الحرة المستقلة وسط واقع حداثي ضخم، ومجتمع إسلامي ضعيف” إذ:

  • ماذا بوسع القيم الأخلاقية والروحية أن تفعله أمام الدولار؟
  • و”كيف السبيل إلى التواصل مع عالم متخم بالمتع المادية التي ينبطح ترفها المخزي على لوحة المجازر اللإنسانية التي يرتكبها محميو الحداثة اللائكية والديمقراطية في الجزائر وفي غيرها من البقاع”؟
  • و”ماذا تستطيع الفكرة؟ ماذا تمثل فكرة عزلاء أمام غرب مدجج بالسلاح؟ ماذا تستطيع الفكرة؟ وما هي قيمة الاقتراحات أمام الواقع الحديث؟ الواقع العلمي التكنولوجي يوسع بسرعة رهيبة الهوة بين فلان صاحب الأفكار السخيفة وبين حداثة متمكنة من قوى ضخمة”[9].

وغير هذه الأسئلة كثير، تطلبت الإجابة عنها وملامسة إشكاليتها البحث في:

+ الولادة التاريخية والإيديولوجية للحداثة.

+ الأسس المعرفية الموجهة لتصور الحداثة للإنسان.

+ الملامح العامة للمشروع المجتمعي الإسلامي.

ثانيا. الحداثة: المعنى والمبنى:

راجت لفظة “الحداثة” تاريخيا في خضم الصراع الأدبي بين القديم والجديد خلال القرن 16 في فرنسا، وفي خضم النهضة الأوربية، وفلسفة الأنوار، لتمثل منهج حياة ومشروع مجتمع يقوم -حسب ألان تورين عالم الاجتماع الفرنسي-على الثورة ضد التقاليد والدين والمقدس الإلهي، والإقطاع. وينبني على الانتماء للطبيعة والعلم والتقنية، والخضوع للعقل. لقد محت الحداثة كل المعتقدات والأشكال التنظيمية الاجتماعية والسياسية، وأضحت تؤمن بالصدور عن المجتمع باعتباره المبدأ في الأخلاق والقيم، وبالانتماء إلى الطبيعة وقوانينها المتحكمة فيها[10].

وقد بين الأستاذ الإمام أن الحداثة تستند إلى ثلاثة أسلحة، تمثل ترسانة حرب شاملة تكتسح بها الحداثة العالم حضاريا، هي:[11]

– النقد الإيديولوجي الذي يقف ضد كل ما هو قديم وغيبي متعال، وهو ما يعني ضمنيا اعتبار الدين ومثاليات الدين، والحديث عن الله واليوم الآخر، الجنة والحساب، أمورا ميتافيزقية لا واقعية يجب الثورة ضدها؛

– الرأسمالية المتوحشة التي تعبد الربح، وتؤله التنافس، وما يعنيه ذلك من إعلاء لقيم الفردانية والجشاعة المالية؛

– السلاح المادي المتمثل في القوة الصناعية، وما يعنيه الأمر من نهب وقتل ودمار وخراب.

لقد أدت هذه الأسلحة إلى النتائج التالية:

  • إضاعة معنى الدين ومعنى الأخلاق، وهو شيء يؤدي إلى اقتلاع أسس الشخصية الإنسانية، واستيطان العقول والاستيلاب الثقافي على نحو يجعلنا نسخا ذيلية مقلدة للآخر؛
  • الاستعمار الذي نهب خيرات الأمم، وقتل شبابها، واستغل مواردها لصالح نهضته، وتركها مخلفا إياها متخلفة عاجزة؛
  • حروب الدمار الشامل التي خلفت الويلات والمعطوبين والمنكوبين والمشوهين، يدلون على النموذج الحضاري المتقدم الذي تريده لنا الحداثة.

إنه على المستوى التاريخي والإيديولوجي: لا نستطيع قراءة “الحداثة” بمعزل عن “النهضة الأوربية”، و”الثورة الفرنسية”، و”فلسفة عصر الأنوار”، و”الثورة الصناعية”، و”التقدم العلمي”، ولا بمعزل عن “اللائكية”، فلقد كان الشعار الذي رفعته الثورة الفرنسية “لنشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس” بليغ الدلالة في القطع مع “الدين” و”اللاهوت”، وإنهاء وصاية رجال الكنيسة، وبروز القانون المدني والحريات والحقوق، وفصل الدين عن الدولة، ونشأة مفاهيم الدولة الوطنية والديمقراطية والمجتمع المدني.

كما لا نقدر “قراءة الحداثة” دون الإشارة إلى الحملات الصليبية الجديدة التي قادتها “القديسة اللائكية” مع القرن التاسع عشر، حين استعدى “ارنست رينان” أوربا لتحطيم الإسلامية باعتبار ذلك الشرط الأساسي لانتشار الحضارة الأوروبية ودينها المتمثل في القانون والحرية واحترام الإنسان، وهو ما لن يتحقق إلا بموت آخر حفيد لإسماعيل، هكذا يردد رينان صدى البابا أوربان الثاني 1059 حين دعا إلى طرد الجنس الملعون، الضال عن سبيل الله في أرض النصارى (القدس هنا)، ليتم تدشين الحملات الاستعمارية الاستغلالية[12].

 ثالثا. الأسس المعرفية والتصورية:

تقوم الحداثة من حيث أسسها المعرفية على مسلمتين اثنتين[13]:

  • التطورية الداروينية، وهي فلسفة تقول بكون الحياة ظاهرة صدفة كيميائية، وهي فلسفة تأتي في سياق الانتقام من الكنيسة، ولا تفهم بغير وضعية اكوست كونت وماركسية كارل ماركس وكلها فلسفات تلتقي في شيء واحد هو إنكار الله عز وجل؛
  • العقلانية بما هي مذهب فلسفي يؤمن بصدور المعرفة عن مبادئ قبلية مستقلة عن التجربة (rationalisme)، وهي غير التفكير العقلي (rationalité)، أي كل ما أسس على العقل واستخلص من الحسابات الاستدلالية.

نجم عن هاتين المسلمتين تصور للإنسان يقوم على اعتباره حلقة من حلقات التطور الحيواني، فهو ليس إلا قردا متطورا ذكيا، وتصور للمعرفة يقول بالحتمية واليقينية والنظام والصرامة. هكذا قطعت الحداثة مع التصورات الميتافيزقية التي تتحدث عن الخلق والبعث والموت، ودعت إلى تحرير العقل من الثوابت والمتعاليات، وأعلت من شأن التجريبية العلمية، مما أدى إلى نشأة مجتمع ما بعد الأخلاق، يقوم على “الفردانية الذاتية”، و”الاستهلاك المتنامي”، و”المتع الحسية حتى الشاذة منها”، و”التحلل من مفاهيم الواجب والتضحية”، وهي نتائج قامت معها تصورات عبثية وعدمية، وفلسفات مادية حسية[14].

إن هذه التصورات والأسس المعرفية التي قامت عليها الحداثة، قد غلفها أصحابها وعاشقوها بغلاف العلمية، ورفعوها إلى درجة “الحقائق العلمية”، بيد أن التحليل العميق المتجاوز للسطحية والانطباعية المنصت لعقلاء الغرب الموضوعيين يكشف انهيار هذه الأسس على نحو يخلق أزمة للحداثة تنهدم معها مسلماتها، فإذا هي فارغة فراغ فلسفتها وأفكارها.

 

رابعا. أزمة الحداثة/ صدمة الحداثة:

أ. سؤال الغاية والمعنى؟

ترى ما هي الغاية التي تنشدها الحداثة؟ ما المعنى الذي تحمله للإنسان؟ ما هدفها في الحياة؟ أسئلة “غائبة” و”منبوذة” و”مقلقة” لمتعة الحداثة. أسئلة لا تدخل في نطاق “المفكر فيه” في الحداثة، الرفاهة” “التمتع” “الفراغ” “الحيرة” العبثية” هي كل ما تستطيعه الحداثة، وإذا كانت الفطرة الإنسانية تنادي أعماق الإنسان لمعرفة الله، فإن الحداثة بادعائها “صدفة الحياة” “وقردية الإنسان” قد مارست تواطؤا رهيبا على الواضح البديهي في الفطرة البشرية.

عقليات علمية صنعتها حداثة تؤمن أن لكل شيء سببا وعلة إلا هذه الفخارة المسماة بالإنسان، فلا صانع لها ولا وظيفة لها غير الصراع على البقاء؟ البقاء ولماذا؟ سؤال لا معنى له!، وإنه رغم التطورات العلمية الوراثية وما كشفته من دقة الصنع وعجيب الخلق في الذات البشرية لا تجرؤ الحداثة على البحث في خالق الخلية والجينات الوراثية، أسئلة تفر منها الحداثة ويهرب منها الإنسان العالمي وإن طفت الآن وعلت في صور مختلفة، نذكر منها صناعة الشعوذة المزدهرة في أوربا وأمريكا، دراسة الخوارق والباراسيكولوجيا، استحضار الأرواح، أتباع الشيطان، الطوائف السرية، البحث عن الخلود بالعودة إلى الثقافة الوثنية الرومانية الهلينية في تمجيدها للجسم البشري والفن التشكيلي.

إن المادة المسيطرة والحسية السائدة، وقمع سؤال الهدف والغاية والمصير، عناصر لم تستطع رغم تطورها وإعلامها وعقلانيتها، أن تقنع الفطرة البشرية يكون الوجود عبثا في عبث لتجذر هذه الفطرة في النفسية الإنسانية ودخولها في أعماق تركيباتها الذاتية.

ب. سؤال انهيار المسلمات العلمية:

لقد عملت الأبحاث العلمية لمدة طويلة على ترسيخ مسلمات تتحدث عن الحتمية واليقينية والصرامة والتجربة، بينما الأبحاث الأكاديمية المتقدمة بدأت تهدم هذه اليقينيات الكبرى بشكل يزعزع الأسس التي قام عليها العقل العلمي، في هذا الصدد يذهب كل من كارل بوبر وبريغوجين إلى التصريح بالحيرة والارتباك اللذين يعتريان عظماء المفكرين الآن أمام تبدي حقيقة أساسية هي: أن العلم لم يعد مملكة اليقين، هناك تعقد في العالم لم يعد معه المنطق العلمي قادرا على فك رموز، خاصة مع ما أحدثته الفيزياء الكمية من اضطرابات أحلت الحديث عن الفوضى بديلا عن الحتمية، والنظام والنسبية محل اليقين، والاحتمالات مكان المنطق.

أمام هذه الوضعية يدعو “موران” إلى تجاوز المنطق العقلي، والانفتاح على عقلية منفتحة تتجاوز العقلية التي تفضل الأنساق المغلقة، المتناسقة المتماسكة إلى عقلية تحاول: استيعاب التعقيد، وامتلاك استراتيجية تعاون مع ما ليس يقينيا والتحرر من حصار الأنساق المغلقة[15]. ما يستطيع هؤلاء الكبار، صناديد الفكر الغربي الحديث عن مصدر آخر للمعرفة هو الوحي، هو القرآن، المصدر الإلهي، ننفتح به على مغزى الحياة وتعقدها.

يطرح “غيتون” و”غربشكا” “وإيغور بوغدانوف” مسألة في غاية الأهمية في خضم انهيار المسلمات العلمية، هي أنه كلما ازددنا تعرفا على العالم كلما بدا لنا غريبا؟ ويتحدثون عن ثورة فكرية تشكل قطيعة ايبستمولوجية تؤدي إلى بروز تمثل جديد عن العلم يمحو الحدود الفاصلة بين العقل والمادة أطلق عليه “matérialisme”. هذه العقلية الجديدة تنادي بتجاوز المظاهر الإوالية للعلم لفتح مسالك جديدة تبني منطقا لغرابة يقول بكون مجهول هو ابن المنهج العلمي الحديث، لم تعد هناك إمكانية لمعرفة الواقع بذاته فهو غير موجود مادام وجوده مرتبطا بنظرتنا إليه[16].

وهنا بالضبط يتساءل هؤلاء “هل يمكن أن نفكر في الله والعلم ومعا؟” حيرة وشك وانهيارات وخوف كبير من التصريح بوجود الله أمام ضغط الواقع الغربي، نعتبر هذا كله، مهما لأنه مادام هناك ارتباك وشك وحيرة رشيدة، فهناك بحث للوصول إلى الحقيقة، وإمكانية لفتح قنوات الاتصال مع هؤلاء المثقفين.

ج: سؤال التاريخ والواقع:

ألم تستعمل اللائكية، هذه القدسية، حسب تعبير “بورغا”، هذه القيمة الثقافية العلمية التي تقول بالتحرير من الدين، وتحرير الإنسان وحقوقه، ألم تكن هي التي استعملت لغزو الآخرين وإلغاء حرياتهم، واغتصاب أراضيهم وانتهاك حرماتهم، ألم تتسبب في إقامة حربين عالميتين، وتقتيل الملايين من البشر، وتدمير مدن بأكملها؟

لنسأل الحداثة عما فعلته في الجزائر من احتلال وسفك وتخريب للهوية بواسطة التعليم المؤليك، والثقافة الماكرة العلمانية، حاولت بها فرنسة الجزائر، فلما لم تستطع لصمود الشعب ببيداغوجية مضادة هي مثال المقاومات صمودا واعتزازا بالله، وبذلا للدم في سبيله، بشكل نقدر الاستفادة منه تاريخيا في بناء ذهنية المقاومة والصمود، ولما لم تستطع سطت على تاريخ المقاومة بتغيير المحاورين إبان منح الاستقلال لمؤليكين من صنع يديها، فحملت إلى السلطة نخبة مغربة مفككة مدافعة عن مصالحها، لما لم يعد الشعب يثق فيها دعوا إلى تغييره، ممارسين الوصاية عليه فسطوا على الانتخابات وقادوا الناس إلى السجون.

المزيد من المشاركات
1 من 21

وها هي الحداثة تصمت أمام المذابح التي يمارسها العسكر، والاستئصال الذي يقوده المؤليكون الجدد (ولنقرأ شهادات الجنود الفارين عن أساليب التقتيل والتذبيح التي تلصق بالإسلاميين)، طبعا وماذا يستحق شعب أساء استعمال حرية التصويت، أساء الديمقراطية وإلى الصناديق الزجاجية لما اختار هؤلاء الإسلاميين.

لنسأل الحداثة عن الجرح الفلسطيني، ولنسأل بريطانيا وأمريكا وفرنسا بديمقراطيتها عن دير ياسين وصبرا وشاتيلا، وإبادات الفلسطينيين، وصمت الغرب ونقض قرارات الأمم المتحدة، والمساعدات العسكرية وحلم إسرائيل الكبرى وأسطورة الدولة التي لا تقهر، والابتزازات المتزايدة للعالم تحت دعاوى القهر والموت تحت الغاز النازي.

إن القرآن يخبرنا عن تاريخ اليهود، إنه تاريخ المؤامرات والمناكير، والعداوة والتقتيل والخسة والنذالة بامتياز، تاريخ الاستكبار والتزوير والإبادات حتى للأنبياء عليهم السلام.

لنسأل الحداثة بديمقراطيتها وحقوقها عن العراق، وحصار الشعب وتقتيل أطفال، وحشد القوى العالمية لإقامة محرقة أهلكت الحرث والنسل. أيضا لنسأل الحداثة عن البوسنة..الشيشان، وعن…..

هذه الجروح الكبرى التي فتحتها الحداثة في الجسم الإسلامي العربي، تدل بما فيه الكفاية على ” كون تقنية التسلح الحديثة، مثل التكنولوجيا بصفة عامة بعيدة كل البعد عن كونها وسيلة في خدمة السلم في العالم أو أداة للدفاع عنه وعن حرية الإنسان، صارت تقنية التسلح أكثر تطورا ليزيد تدميرها للإنسان وإرهابها للبشرية… ألغام قاتلة تحت التراب وطيور نارية محلقة في السماء، لم يكن قط تحت تصرف العنف البشري هذا القدر من الأسلحة الباهظة الثمن والتي يتفضل بها على خدامه غرب حديث متاجر عالمي في المدافع”[17].

د: منطق التوقعات المستقبلية:

ماذا تقول الدراسات المستقبلية في حداثة هذه أخلاقياتها وممارساتها؟

إن الانحلال الخلقي وطغيان الفردانية الذاتية، وسياسات الاستكبار على المستضعفين، والحروب الاقتصادية الضارية، وشيخوخة الموارد البشرية، وتفكك الأسرة وتفشي المخدرات والأمراض، والتهافت على الاستهلاك والمتع والربح، كلها أعراض مؤذنة بنهاية دورة حضارية وقيام دورة حضارية أخرى جديدة، يدل على ذلك ويؤكده إلى جانب القرآن الكريم والغيب الإلهي عموما، أنه سيستحيل على البشرية تحمل هذا الظلم، أن الغرب نفسه بحداثته أثار مسألة الهوية وهو بتخلفه الحضاري وبمستقبله الفاني بدأ يبحث عن الجواهر اليابانية وفي الصين.

إن عصر ما بعد الحداثة آسيوي ياباني صيني جنوب شرق آسيوي، لذا نجد الغرب ينزل من علياء احتقاره ورفضه أمام أمثال هذه الدولة (أندونيسيا، ماليزيا، الهند، باكستان، الفيتنام، إيران) وهي نماذج مزعجة بالنسبة إليه.

يقع المسلمون في قلب التوقعات المستقبلية التي تقول إن المستقبل لهم، يكونون غدا قوة عديدة تمثل 40% من ساكنة العالم، متى أدركوا هويتهم، وفقهوا شروط النص، وقرؤوا التاريخ، ووالوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، استيقظوا من جديد ليحملوا رسالة الإسلام إلى العالم.

إن الحقيقة القرآنية تقول بتداول الأيام، وعدد المسلمين غدا مقارنة مع شيخوخة الغرب وأمراض الغرب، مبشرة بانتصارهم ومنذرة بوفاة الغرب ونهايته، لنستمع إلى ” جون ماري جيهينو” يتحدث عن نهاية الديمقراطية وعودة الدين:

“في عالم التماثل والتجانس، يمكننا الدين من الإفلات من قبضة التجريد العالمي والعثور من جديد وسط أرخبيل العزلات الحديثة على الإحساس بتميزنا”، ويضيف:” كأن التيار الإسلامي يمكن أن يمثل بعد موت الشيوعية مشروعا سياسيا شاملا جديدا، مشروع يزيد من خطورته تلاشي إيماننا بعالميتنا الديمقراطية”[18].

فأي مشروع يمكن أن نقترحه على العالم؟ ما معالمه؟ وما ملامحه؟..

خامسا. ملامح عامة لمشروع مجتمعي:

إن استحضارنا للماضي مهم جدا لتحقيق نوع من التطهير من الكراهية والعنف والريبة، يأتي بعدها إعراض إرادي عن خصومات الماضي وانفتاح على حقوق الإنسان، ومخاطبة صريحة للضمير الغربي، واستفادة من ديمقراطية لا تمنعنا من اعتناق ما نأمر به، ولعل أفظع ما يمكن أن ترتكبه الحداثة من أخطاء هي أن:

  • تفرض علينا نموذجها المجتمعي؛
  • تتجاهل العمق التاريخي الذي يحرك المسلمين بأصنافهم وأعدادهم وحضارتهم؛
  • تحاول تثبيت الأنظمة الداخلية المتنفذة والممالئة لأعداء الأمة.

وإن أفضل شيء تتعامل به معنا أن تقبلنا كما نحن باعتراف متبادل دون تدخل في شؤوننا الداخلية وفي اختياراتنا المجتمعية، وإن أولى أولويتنا معها إسماعها نداء الإسلام، نداء الفطرة، نداء المعنى، والهدف والغاية والمصير.

علينا الاستفادة من المكتسبات الإيجابية للحداثة، وشراؤها بشروطنا من موقف الند المحاور، نسألها عن ماضيها وحاضرها ومشروعها، وفعلها بالإنسان وفعلها في الإنسانية، نستفيد منها، من تقنياتها العلمية لتكييفها لغاياتنا الاجتماعية وأهدافنا الحضارية.

ندعو الحداثة والحداثيين أصحاب النيات الصالحة، الفضلاء الديمقراطيين، إلى التوحد حول مشروع كبير يخلص البشرية ويسمو بالإنسان، هو مشروع يربط الإنسان بالعدل والإحسان بما هما أمران ربانيان يحتاجان منا إلى انطلاقة جديدة متينة، لكن من أين البداية وكيف؟

إنه أمام فشل العلوم في هداية الخلق، وفشل الفلسفات والمشاريع البشرية في تأمين العدل والأمان للإنسان، آن الأوان للعودة إلى الوحي القرآني، لنقرأ القرآن في ساعة صفاء نفسي وروحي لنعرف منه أننا لسنا “قردة متطورة”، ولا “آلات استهلاك”، و”لا صدف ولا حتميات”، إنما نحن مخلوقات لله خالق الكون البديع، فيكون لحياتنا معنى وهدف وغاية، هذه محفزات أساسية في منح الإرادة شعورا بأهمية الوظيفة التي يمارسها الإنسان، ونعلم أن الحياة ابتلاء وتداول يتطلبان مدافعة وعملا لا تقف أمامهما مغريات التكنولوجيا، وتطورات الهندسة المخبرية التي تنسي الإنسان أبسط بديهيات الفطرة:” أفق أيها الإنسان المنكب على مهجرك، أنت لا تخلق أي شيء فالخلية ونواتها ونظام المورثات ليست من بنات أفكارك ولا من صنع يديك”، أيها المتلاعب المسخر والمتهور،……، هذا الجهاز العجيب أنت الذي صنعته ونفخت فيه الروح؟ هل أنت الذي منحته الذكاء والخيال”[19]. ولنقرأ قول ربنا الكريم” فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون” الأنعام44.

وبعد الإيمان يأتي اتباع الشريعة نهج الإسلام، باجتهاد يتجاوز الحرفية والتقليد، ويستقل عن اجتهادات الماضي المظروفة بزمانها ومكانها، ويعود إلى المنبع الأصيل “القرآن والسنة” لمواجهة متطلبات العصر وتفاصيل الحياة الجديدة. ومقتضيات العولمة على أساس من التضامن المتبادل الملتف حول شرعنا الذي سيصبح المحرك للأخوة الإسلامية الماحية للحدود الوهمية.

وإن الطوفان الثقافي السالب لهويتنا ومعاني كينونتنا، وإن العولمة الاقتصادية والسياسية السالبة لقوتنا، نحن الضعفاء، المخلفة إيانا في ذيل الركب الحضاري، تتطلب تعبئة للقوى الذاتية دون انكماش راجم للحداثة، لا بد من تعبئة الذات وفضح المسلمات العلمية الزائفة، ومناهضة ثقافة التزييف والاستيلاب.

قضيتان أساسيتان تشكلان لحمة المشروع المجتمعي الذي يقترح الأستاذ عبد السلام ياسين، قضية الإحسان، غاية الوجود، وغاية الغايات، معنى مصيري، علاقتي بربي يوم أن آتيه فردا، ثم قضية العدل، مطلب المستضعفين، وإقامة شرع رب العالمين، وبناء الخلافة الإسلامية على المنهاج النبوي، والمنطلق المقترح لهاتين القضيتين، أرضية الميثاق الإسلامي اعتمادا على مداخل مختلفة متكاملة[20]. ولهذا يقدم الإمام عبد السلام ياسين هذه المداخل:

المدخل السياسي:

إنه أمام شبع الشعب من دسائس الأحزاب وفساد الحكام وتزوير الانتخابات، لابد من نقاش عام يشارك فيه الكل دون استثناء ودون كواليسية، وضروري أن يكون ذلك أمام أعين الشعب وتحت سمعه وبصره، يوضح فيه بداية حقيقة الشعار المرفوع “كلنا مسلمون”، ويعبر فيه الكل عن آرائه بحرية دون وسوسة أو وصاية، ويخبر فيه الشعب بوضوح وصراحة عن البرامج والخلفيات والمشاريع التي كانت تحضر في موسم الانتخابات يعزف فيها على إسلام الشعب وإصلاحه، لينسى بعد ذلك.

لنجسد حقيقة إسلامنا واقعا عملا محضا لا خطبا رنانة، إننا لسنا من مستعجلي الحكم ولا من محترفي سياسة الكارثة (إسناد الأوضاع المتأزمة)، ولسنا بصدد صراعات حول من يصعد ومن ينزل، ومتى ينزل من صعد ليصعد من نزل، إنه التغيير المتواصل والتربية الدائمة العميقة الموصلة بالسماء المنغرسة في الأرض. في حاجة نحن إلى ميثاق مشترك يفرز جمعية عمومية يصوت عليها الشعب بعد أن شارك في نقاشاتها، وبلور تصوراتها، وفقه معناها ومغزاها، تعطي بعد ذلك دستورا متينا مستقرا غير قابل لتعديل لنبعده عن لعبة المراجعات التي تتبع الأهواء، ثم يأتي العمل، وللشعب حق الاختيار. على هذا المستوى، تطرح إشكالية الديمقراطية؟ ما الموقف منها؟

على الديمقراطية نطرح نحن أسئلة من مثل: هل تستطيع بمرجعيتها الغربية اللائكية، وبإسنادها الحكم إلى الشعب، وبأشكال تطبيقاتها المزيفة عندنا أن تقبل بالإسلاميين، بحقيقتنا، باحترام الاختلاف الذي تدعوا إليه؟ هل نستطيع الاستفادة منها دون أن تفقدنا روحنا ولبنا وجوهر كينونتنا؟ هل نستطيع استنباتها في أرض غير أرضها وسياق غير سياقها؟

يدعونا الإسلام إلى شورى لا ترى فرقا بين الحكم والدين، بين المسجد وبين البرلمان، علينا البحث عن آليات لتفعيلها، بالاستفادة من المعايير المسطرية التي تمنحنا إياها الديمقراطية نفسها، والتي لا تتعارض مع التعاليم الإسلامية.

هنا، نحن في حاجة إلى:

  • دستور يعبر عن الشريعة بوضوح.
  • فضل السلط.
  • استقلالية ونزاهة القضاء.
  • حرية الصحافة تقوم بمهام إعلامية أخلاقية.
  • التعددية.

وستدعم هذه الآليات ضرورة بالحقيقة والشفافية والوضوح، ومصارحة الشعب والاستناد إلى إرادته، وهنا ليعلن انتحاره السياسي من أراد بخروجه عن عقيدة الشعب أو نفاقه والتوائه.

المدخل الاجتماعي:

لعل الطفولة والأسرة ستكونان من الاهتمامات الأولى لأي إصلاح إسلامي، الطفولة التعسة الآن رأس مالنا الحقيقي، والمرأة الأم الزوجة الأخت العنصر الأساسي في السعادة الأسرية، مهمتنا بالنسبة للطفولة إنقاذها من اليتم والحرمان والضياع، وبالنسبة للمرأة إنقاذها من الظلم والإهمال اللذين سلطا عليها بفعل التقاليد، بفعل انحطاط المسلمين وجعلهم بمعنى الدين، وإنقاذها من التمزق الذي تحياه بفعل تأثير الحضارة الغربية، نعطيها حقوقها بما يحفظ كرامتها وإنسانيتها ووظائفها الحقيقية، بعيدا عن اغتيالها الممنهج في الغرب بالإباحية الجنسية وإكراهات الضغوط الاجتماعية، وتجهيلها عندنا بسبب القيود والأنانيات.

إنه لا يتصور تغيير اجتماعي بغير التكوين وإعادة الصياغة على أساس من بناء الفطرة السليمة، والقضاء على الذهنيات والسلبيات التي خلفتها سنوات الثقافة الماكرة، وبناء نظام توجهه القيم الأخلاقية الإسلامية في كل الأنسقة المدرسية والقانونية لهيمنة النموذج الإسلامي على العقول والقلوب والأعراف والعلاقات المجتمعية، نقطع مع الإسلام الموروث ومع العادات الجارفة ومع الغفلة.

تحقيق التنمية الاجتماعية بهذا المعنى لا بدله:

  • من التطوع والبذل والتعاون بين الحكم والحركة الشعبية المتطوعة. أي لا بد من مشاركة الكل.
  • وهذا أمر لا يتم إلا بالرفق والحكمة والعفو، وتجاوز نماذج التأهيل العنفي (ستالين – ماو…)، وبفتح باب التوبة العامة والصلح الشامل بعيدا عن المحاسبات والعنف والإكراه.
  • سيحتاج هذا إلى إغلاق الماضي بمداد العفو والتجاوز، والاستفادة من رأسمالنا البشري بمواهبه وكفاءاته بما يدعم كرامته وحقوقه في معرفة مغزى وجوده أولا، وفي كرامته الدنيوية ثانيا، وفي احترام تام لشرع الإسلام وتعاليمه.

تنمية تتطلب في العمق إعادة بناء الفرد والمجتمع بإعادة الثقة إلى نفسيته ودوره ووظيفته وتحرير إرادته، ليبذل ويتطوع ابتغاء مرضاة الله عز وجل، أي لابد من ربطه بوعي أسمى لتوجه طاقاته وتنفتح وتحفز، بيد أن دون الوصول إلى هذا عقبات تنجلي في:

  • التربية المضادة التي ستدافع عن معاقلها.
  • البؤس المادي والاجتماعي المولدين للانحطاط الخلقي والروحي، فلا مناص من اجتثاث الجذور المادية للداء.

المدخل الاقتصادي:

لا نتصور إصلاحا اقتصاديا غير مبني على تحكيم الأخلاق في الحياة الاجتماعية والعائلية والسياسية، فمبادئ البذل والعدل والمساواة مهمة في تجاوز حسابات الأنانيات الجشعة، وإنه أمام خطر العولمة وأعراض التخلف وسوء توزيع الثروات والفساد الإداري وتزوير الانتخابات والأمية، وانعدام الاستقرار الاجتماعي بسبب البطالة المتفاقمة، لابد من تعبئة شاملة تجمع قواتنا الذاتية من رأسمالنا البشري والموارد والثروات، وتعمل على بناء اقتصاد تكافلي يمر عبر:

  • التوزيع العادل للفائض الاقتصادي.
  • تدبير مداخيل الزكاة.
  • تحقيق التوازن بين تنافسية المقاولة ونظام الضمان الاجتماعي.
  • تشجيع الاستثمار الإنتاجي وردع المضاربات العقيمة.
  • تفكيك جماعات الضغط الاقتصادي.
  • إصلاح الإدارة والقضاء.

ثلاث مؤسسات هنا، تنبري لقيادة الاقتصاد:

  • حكومة مقتدرة مخلصة للمبادئ والقيم الإسلامي.
  • حركة نقابية مستقلة عن دواليب السياسة مهتمة بالصالح العام ومعها أرباب عمل نشيطون أذكياء.
  • الشعب بتطوع باذل سد الثغرات ويعوض النقص المؤسسي.

ولابد من التأكيد هنا على:

  • أنه لم يعد من الممكن التفكير في اقتصاد داخل حدود الدولة القومية، وإنما لا بد من اقتصاد يشمل الأمة كلها استفادة من طاقاتها.
  • لا بدمن تحقيق عفو اقتصادي يغض الطرف عن الأموال المشبوهة المكتسبة من قبل.
  • لا بد من مرحلة انتقالية يحتفظ فيها بالاقتصاد الربوي.

وإن السياسة الاقتصادية المقترحة تعمل على الجمع بين الصرامة الأخلاقية وبين متطلبات الضرورة الواقعية دون مساس بالمبادئ الأساسية، وإنما باعتماد تام على تنمية ملائمة لكياننا الاجتماعي المبني على قيم التكافل والتضامن، فمرحلة من التقشف ستكون ضرورية، هنا نعطي الأهمية للعامل البشري والكفاءة البشرية بالتكوين المستمر المهتم بالتعليم ثم التعليم، ثم التعليم.

إنه بالجهد الشعبي وبأجواء الثقة، وبالإحساس بالأخوة والتكافل، وهي أمور ستصنعها التعبئة التي ستكفل بها النفحة الروحية النابعة من المسجد، سنستطيع بناء نموذج اجتماعي أساسه إصلاح النفس، وبذل الجهد للتجند تحت لواء الإسلام لمواجهة التحديات التي ستعترضنا غدا أمام رفض الآخرين لنا وحصارهم لنا، فنحن مدعوون إلى تقوية الجبهة الداخلية، والتعاون مع إخواننا المسلمين في العالم وذوي النيات الصادقة من بني الإنسان.

خاتمة:

إن المشروع الذي نحمله للحداثة وللإنسان، هو مشروع الإسلام الذي يدعو الأمة إلى التعبئة العامة للجمع بين الوظيفة الإيمانية والوظيفة المعيشية اليومية، وهو أمر يتطلب تربية تصلح بشكل عميق الذهنيات، هذا الملاذ الأخلاقي والسياسي للإنسان رهين بتجاوز القيم الرقمية المبرمجة المغرفة للذات في سيل المنتجات الاستهلاكية، الحارمة النفس من معرفة أقدس حقوقه، من معرفة الله عز وجل.

إن الحياة فرصة وجودية لا تعوض فلنستثمرها ليكون لوجودنا معنى وغاية، المحفز لذلك الهم المصيري بعد الموت، وهو خبر لا تعرف له الحداثة مبتدأ ولا منتهى، إنما خبره في القرآن قراءة وتدبرا، واستعدادا وشرعة ومنهاجا:

“فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون” صدق الله العظيم الروم 16-17-18.


[1] الإسلام والحداثة” عبد السلام ياسين ص 3-5 وينظر التقديم الذي قام به للكتاب الأساتذة: عمر الكتاني، ندية ياسين، عبد اللطيف الحاتمي في ندوة بالرباط 9/7/98.

[2] نفسه ص 8-30.

[3] حوار مع النخبة المغربة” صدر عام 1980، ينظر أيضا “جماعة العدل والإحسان قراءة في المسارات” محمد ظريف ص 39-40-41-42.

[4] نفسه ص 30.

[5] نفسه ص 31.

[6] نفسه ص 24-25-26.

[7] نفسه ص 42-44.

[8] نفسه 23

[9] نفسه ص 14-15.

[10] نفسه ص 45 نقلا عن كتاب “critique de la modernité”.

[11] نفسه ص 52.

[12] نفسه ص 84-88

[13] نفسه ص 158 وما بعدها.

[14] نفسه ص 219 وما بعدها.

[15] نفسه 167 وما بعدها.

[16] نفسه ص 174.

[17] نفسه ص 21.

[18] نفسه ص 224 ـ 227 نقلا عن كتاب “la fin de la démocratie”

[19] نفسه ص 189.

[20] نفسه الفصل 6-7-8 ص 201 وما بعدها.

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.