أُفَتِّشُ عَنِّي (قصيدة)
أُفَتِّشُ عَنِّي (قصيدة)/ أَبُو عَلِي الصُّبَيْح
أُفَتِّشُ عَنِّي (قصيدة)
بقلم: أَبُو عَلِي الصُّبَيْح
أُفَتِّشُ عَنِّي فِي مَدَى الصَّمْتِ وَالشَّجَنْ وَأَحْمِلُ فِي صَدْرِي جِرَاحَ السِّنِينِ
وَأَمْشِي وَفِي عَيْنَيَّ أَلْفُ حِكَايَةٍ تُرَتِّلُ أَحْزَانِي عَلَى وَتَرِ الحَنِينِ
وَأَسْأَلُ رَمْلَ البِيدِ عَنْ خُطْوِ رَاحِلٍ تَوَارَى وَخَلَّى الدَّرْبَ لِلْعَابِرِينِ
وَأَسْأَلُ لَيْلِي: أَيْنَ ضَاعَتْ مَلَامِحِي؟ وَكَيْفَ غَدَوْتُ اليَوْمَ رَهْنَ الأَنِينِ
أَنَا العَرَبِيُّ الَّذِي فِي دِمَائِهِ بَقَايَا سُيُوفٍ وَانْتِفَاضُ اليَقِينِ
وَفِي مُقْلَتَيَّ مِنَ الصَّحَارَى مَهَابَةٌ وَفِي رُوحِيَ العَطْشَى صَدَى الأَوَّلِينِ
أَنَا ابْنُ خَيْلٍ لَا تُطِيقُ لِجَامَهَا إِذَا مَا دَعَاهَا لِلْعُلَا صَوْتُ دِينِ
أَنَا ابْنُ قَوْمٍ إِنْ تَنَادَوْا لِنَجْدَةٍ تَسَابَقَتِ الأَكُفُّ لِلْمُسْتَغِيثِينِ
وَإِنْ نَزَلَ الضَّيْفُ الغَرِيبُ بِدَارِهِمْ أَضَاءُوا لَهُ النِّيرَانَ فِي اللَّيْلِ الحَزِينِ
وَإِنْ صَاحَ مَظْلُومٌ أَجَابُوا نِدَاءَهُ وَمَا سَأَلُوا عَنْ مَذْهَبٍ أَوْ عَنِ الدِّينِ
وَلَكِنَّنِي أَبْكِي زَمَانًا تَبَدَّلَتْ بِهِ قِيَمُ الأَجْدَادِ بَيْنَ السَّلَاطِينِ
وَأَبْكِي رِجَالًا بَاعَ بَعْضٌ ضَمِيرَهُمْ وَأَغْلَقَ بَابَ الحَقِّ فِي وَجْهِ مِسْكِينِ
وَأَبْكِي عَلَى أَرْضٍ تَنَازَعَ أَهْلُهَا فَصَارَتْ مَرَاعِيَ لِلذِّئَابِ الجَائِعِينِ
وَأَبْكِي عَلَى سَيْفٍ تَكَسَّرَ حَدُّهُ وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ رَنِينِ
وَأَبْكِي عَلَى خَيْلٍ تَرَكْنَا صَهِيلَهَا وَسِرْنَا وَرَاءَ الوَهْمِ كَالمَأْسُورِينِ
أُفَتِّشُ عَنْ وَجْهِي بِمِرْآةِ أُمَّتِي فَلَا أَرَى إِلَّا دُمُوعَ الحَائِرِينِ
وَأَسْأَلُ عَنْ أَمْجَادِنَا فِي كُتُبِهَا فَتَشْكُو إِلَيَّ الصَّمْتَ بَيْنَ الدَّفِينِ
وَأَيْنَ صَلَاحُ الدِّينِ يَوْمَ تَجَمَّعَتْ حَوَالَيْهِ أَحْلَامُ الرِّجَالِ الصَّابِرِينِ
وَأَيْنَ خُطَى خَالِدٍ وَصَهْوَةُ خَيْلِهِ وَأَيْنَ صَدَى التَّكْبِيرِ فِي الحَرْبِ وَالدِّينِ
وَأَيْنَ بَنُو الصَّحْرَاءِ يَوْمَ تَنَادَوْا فَأَشْعَلُوا فِي اللَّيْلِ نَارَ العَازِمِينِ
وَأَيْنَ الفُرُوسِيَّةُ الَّتِي كَانَ ذِكْرُهَا يُرَدِّدُهُ التَّارِيخُ فِي كُلِّ حِينِ
وَأَيْنَ العُرُوبَةُ حِينَ ضَاقَتْ دِيَارُهَا وَصَارَتْ مَلَاذًا لِلْأَسَى وَالأَنِينِ
أَنَا العَرَبِيُّ وَفِلَسْطِينُ مَوْطِنِي وَفِي القُدْسِ تَسْكُنُ مُهْجَةُ المُشْتَاقِينِ
وَفِي الأَقْصَى لِيَ التَّارِيخُ يَشْهَدُ أَنَّنِي حَمَلْتُ لَهُ عَهْدًا عَلَى مَرِّ السِّنِينِ
وَفِي حَيْفَا لِيَ الأَمْوَاجُ تَحْفَظُ قِصَّتِي وَتَحْمِلُهَا لِلشَّاطِئِ المُسْتَكِينِ
وَفِي يَافَا لِيَ البُرْتُقَالُ يَشُمُّنِي إِذَا مَا مَرَرْتُ بِطَيْفِهَا فِي الحَنِينِ
وَفِي عَكَّا لِيَ الأَسْوَارُ تَرْوِي حِكَايَةً عَنِ الصَّبْرِ وَالأَمْجَادِ وَالمُقَاوِمِينِ
وَفِي نَابُلُسٍ زَيْتُونَةٌ تَحْتَ ظِلِّهَا دَعَا جَدِّيَ الرَّحْمَنَ لِلْغَائِبِينِ
وَفِي صَفَدٍ لِيَ مِنْ رَبِيعِهَا ذِكْرَةٌ تُعِيدُ إِلَيَّ العُمْرَ بَعْدَ السِّنِينِ
وَفِي غَزَّةٍ لِيَ أَلْفُ جُرْحٍ وَغُصَّةٍ وَأَلْفُ دُعَاءٍ فِي صُدُورِ الثَّاكِلِينِ
هُنَاكَ رَأَيْتُ الطِّفْلَ يَبْحَثُ عَنْ أَبٍ وَيَسْأَلُ عَنْ خُبْزٍ وَمَاءٍ وَمَعِينِ
وَرَأَيْتُ أُمًّا تَحْتَ رَدْمِ بُيُوتِهَا تُنَادِي عَلَى أَطْفَالِهَا الغَائِبِينِ
وَرَأَيْتُ شَيْخًا فِي الرُّكَامِ مُسَبِّحًا يُحَدِّثُ رَبَّ العَرْشِ عَنْ صَبْرِهِ المَتِينِ
وَرَأَيْتُ زَيْتُونًا تَكَسَّرَ غُصْنُهُ وَمَا انْحَنَى لِلرِّيحِ مِثْلَ الخَائِفِينِ
وَرَأَيْتُ أَرْضًا كُلَّمَا زَادَ جُرْحُهَا أَنَارَتْ دُرُوبَ الصَّبْرِ لِلصَّابِرِينِ
فَيَا قُدْسُ إِنِّي مَا نَسِيتُكِ لَحْظَةً وَلَا بَاعَ قَلْبِي عَهْدَهُ لِلْغَادِرِينِ
وَيَا أَقْصَى إِنِّي فِي صَلَاتِيَ ذَاكِرٌ مَآذِنَكَ الغَرَّاءَ فِي كُلِّ حِينِ
وَيَا غَزَّةُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ تَمَاسَكِي فَمَا ضَاعَ حَقٌّ فِي قُلُوبِ المُوقِنِينِ
وَيَا حَيْفَا إِنْ طَالَ الغِيَابُ فَإِنَّنَا نُرَتِّلُ أَسْمَاءَ الدِّيَارِ بِحَنِينِ
وَيَا يَافَا إِنِّي لَا أُفَارِقُ عِطْرَكِ وَلَوْ فَرَّقَتْنَا قَسْوَةُ السِّنِينِ
وَيَا أَرْضَ أَجْدَادِي وَمَهْدَ طُفُولَتِي سَأَبْقَى عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ الأَمِينِ
أُفَتِّشُ عَنِّي فِي جُذُورِ زَيْتُونَةٍ وَفِي دَمْعَةِ الجَدَّاتِ وَالمَحْرُومِينِ
وَفِي قَبْضَةِ الفَلَّاحِ حِينَ يَضُمُّهَا إِلَى تُرْبَةٍ تَحْكِي عُهُودَ الأَوَّلِينِ
وَفِي خَيْمَةٍ مَا زَالَ فِيهَا صَدَى أَبِي يُرَتِّلُ أَشْعَارًا عَلَى وَتَرِ الحَنِينِ
وَفِي صَوْتِ أُمِّي حِينَ تَدْعُو لِغَائِبٍ وَتَرْجُو مِنَ الرَّحْمَنِ عَوْدَ المُبْعَدِينِ
وَفِي خُطْوَةِ الأَطْفَالِ نَحْوَ مَدَارِسٍ تُحَاصِرُهَا الأَحْزَانُ وَالمُعْتَدِينِ
وَفِي دَمْعَةِ الشُّهَدَاءِ تَسْكُنُ قِصَّتِي وَفِي صَمْتِ مَنْ مَاتُوا بِغَيْرِ تَكْفِينِ
أَنَا لَسْتُ أَشْكُو الدَّهْرَ ضَعْفًا وَإِنَّمَا أُحَاسِبُ عَصْرًا ضَاقَ بِالصَّادِقِينِ
أَنَا لَسْتُ أَبْكِي مِنْ جِرَاحِيَ وَحْدَهَا وَلَكِنْ لِجُرْحِ العَرَبِ وَالمَسَاكِينِ
أَنَا لَسْتُ أَرْجُو مِنْ سَلَاطِينِنَا رِضًا وَلَا أَسْتَجِيرُ بِوَعْدِ المُرَاوِغِينِ
فَإِنَّ الكَرَامَةَ لَا تُبَاعُ بِدِرْهَمٍ وَلَا تُشْتَرَى بِالأَوْسِمَةِ وَالزِّيْنِ
وَإِنَّ العُرُوبَةَ لَيْسَتِ اسْمًا نُرَدِّدُهُ وَلَكِنَّهَا عَهْدُ الرِّجَالِ الأَمِينِ
هِيَ النُّخْوَةُ العُلْيَا إِذَا ضَاقَ مُعْدَمٌ وَهِيَ الرِّفْقُ بِالأَيْتَامِ وَالمَحْرُومِينِ
هِيَ الحَقُّ إِنْ ضَلَّتْ خُطَانَا وَإِنَّهَا ضَمِيرٌ يُنَادِي فِي قُلُوبِ الصَّالِحِينِ
هِيَ العَدْلُ لَا سَيْفُ الطُّغَاةِ وَبَطْشُهُمْ وَلَا ذُلُّ مَنْ يَحْيَوْنَ تَحْتَ السَّلَاطِينِ
هِيَ الأَرْضُ وَالإِنْسَانُ وَالعِلْمُ وَالتُّقَى وَهِيَ حِفْظُ أَعْرَاضِ الوَرَى وَالمَسَاكِينِ
فَيَا أُمَّتِي، مَا بَالُ صَوْتِكِ خَافِتًا وَفِي أَرْضِكِ الأَطْفَالُ كَالمَسْجُونِينِ
وَمَا بَالُ أَهْلِ الحَقِّ صَارُوا غَرَائِبًا وَصَارَ لِصَوْتِ الزُّورِ أَلْفُ مُعِينِ
وَمَا بَالُ أَهْلِ العِلْمِ أَضْحَوْا عَلَى المَدَى يُجَارُونَ أَهْوَاءَ المُلُوكِ الطَّامِعِينِ
وَمَا بَالُ شِعْرِنَا اسْتَحَالَ مَدِيحَهُمْ وَنَسِيَ دُمُوعَ الجَائِعِينَ الحَائِرِينِ
أَيَا شِعْرُ، كُنْ سَيْفًا مِنَ الحَقِّ صَارِمًا وَلَا تَنْحَنِي يَوْمًا لِوَجْهِ المُتَجَبِّرِينِ
وَكُنْ صَوْتَ مَنْ ضَاعَتْ حُقُوقُهُمُ سُدًى وَكُنْ لِسَانَ الأَرْضِ وَالمَظْلُومِينِ
وَكُنْ لِلْيَتِيمِ الأُمَّ حِينَ يَضُمُّهُ وَكُنْ لِلْغَرِيبِ الدَّارَ بَعْدَ السِّنِينِ
وَكُنْ لِلْحَزِينِ النُّورَ فِي عَتَمَاتِهِ وَكُنْ لِلْجَرِيحِ البَلْسَمَ المُسْتَعِينِ
وَلَا تَكُنِ الحَرْفَ الَّذِي بَاعَ نَفْسَهُ لِكُرْسِيِّ حَاكِمٍ أَوْ لِمَالِ الخَائِنِينِ
فَإِنَّ القَصِيدَةَ إِنْ تَخَلَّتْ عَنْ الهُدَى غَدَتْ كَسَرَابٍ فِي عُيُونِ العَطْشَانِينِ
وَإِنَّ الحُرُوفَ إِذَا تَجَرَّدَ صَوْتُهَا مِنَ الصِّدْقِ صَارَتْ لُعْبَةَ المُرَائِينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى يَسْتَفِيقَ ضَمِيرُنَا وَحَتَّى يَعُودَ الفَجْرُ لِلْمُتْعَبِينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى تَرْجِعَ الخَيْلُ لِلرُّبَى وَيَرْتَفِعَ التَّكْبِيرُ فَوْقَ المَيَادِينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى يَسْتَعِيدَ زَيْتُونُنَا صَبَاحَاتِهِ الخَضْرَاءَ بَعْدَ السِّنِينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى تَضْحَكَ الأُمُّ بَعْدَمَا أَذَابَتْ دُمُوعُ الحُزْنِ قَلْبَ الحَزِينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى يَرْجِعَ الطِّفْلُ آمِنًا إِلَى بَيْتِهِ بَيْنَ الأَهَالِي المُحِبِّينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى تَسْتَرِيحَ مَدَافِنٌ تَضِيقُ بِأَحْلَامِ الشَّبَابِ الدَّفِينِ
سَأَكْتُبُ حَتَّى تَسْتَعِيدَ عُرُوبَتِي مَقَامًا يَلِيقُ بِمَجْدِهَا وَاليَقِينِ
وَحَتَّى يَقُولَ الدَّهْرُ إِنَّ بَنِي العُلَا إِذَا اتَّحَدُوا كَانُوا حِصْنَ المُسْتَضْعَفِينِ
أُفَتِّشُ عَنِّي، ثُمَّ أَرْجِعُ لِلْمَدَى فَأَلْقَى فِلَسْطِينَ المَقَامَ المَكِينِ
وَأَلْقَى بِهَا أَهْلِي وَأَسْمَعُ صَوْتَهُمْ يُنَادِي عَلَيَّ مِنْ وَرَاءِ السِّنِينِ
وَأَلْقَى بِهَا جَدِّي وَمِحْرَاثَ حَقْلِهِ وَأَسْمَعُ تَرْتِيلَ الصَّبَاحِ الحَنِينِ
وَأَلْقَى بِهَا أَبِي وَطَيْفَ حَنَانِهِ وَأَحْضُنُ ذِكْرَاهُ بِقَلْبٍ حَزِينِ
وَأَلْقَى بِهَا أَحْلَامَ طِفْلٍ مُهَجَّرٍ تَشَرَّدَ بَيْنَ الخَوْفِ وَالمَنْفِيِّينِ
فَأَعْرِفُ أَنِّي لَسْتُ فَرْدًا وَإِنَّمَا أَنَا قِصَّةُ الأَجْدَادِ وَاللَّاحِقِينِ
أَنَا العَرَبِيُّ وَمَا انْحَنَيْتُ لِظَالِمٍ وَلَا بِعْتُ يَوْمًا عَهْدَ أَهْلِي الأَوَّلِينِ
أَنَا العَرَبِيُّ وَفِي فِلَسْطِينَ جَذْوَتِي وَفِي قُدْسِهَا تَسْكُنُ رُوحُ اليَقِينِ
أَنَا العَرَبِيُّ إِذَا تَسَاءَلَ سَائِلٌ عَنِ الأَرْضِ قُلْتُ: هِيَ عِرْضُ الأَمِينِ
أَنَا العَرَبِيُّ وَإِنْ تَكَاثَرَ خَصْمُنَا فَلَا أَرْتَضِي ذُلًّا وَلَا أَسْتَكِينِ
وَإِنْ طَالَ لَيْلُ الظُّلْمِ فَالفَجْرُ قَادِمٌ وَإِنْ أَثْقَلَتْنَا فِي الطَّرِيقِ السِّنِينِ
وَإِنْ ضَاعَ صَوْتِي فِي زَحَامِ مَآسِنَا فَسَوْفَ يُنَادِي بِاسْمِنَا كُلُّ حِينِ
وَإِنْ مِتُّ يَوْمًا فَازْرَعُوا فَوْقَ تُرْبَتِي غُصُونًا مِنَ الزَّيْتُونِ وَاليَاسَمِينِ
وَلَا تَكْتُبُوا فَوْقَ الضَّرِيحِ سِوَى الَّذِي يَلِيقُ بِحُرٍّ صَانَ عَهْدَ السِّنِينِ
هُنَا عَرَبِيٌّ عَاشَ حُرًّا وَمَا انْحَنَى وَظَلَّ فِلَسْطِينِيَّ الرُّوحِ وَاليَقِينِ
أُفَتِّشُ عَنِّي، وَالطُّرُوقُ طَوِيلَةٌ فَأَلْقَى بِلَادِي فِي دِمَاءِ الحَنِينِ.