الإخراج من الأرض من العقوبة إلى الأمنية
أشرف شعبان أبو أحمد
تشير آيات من القرآن الكريم إلى إن الإخراج من الأرض أو التهديد به، كان من العقوبات التي توعد بها الذين كفروا رسلهم والذين آمنوا معهم، قال تعالى ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) إبراهيم 13 ومن ذلك أيضا تهديد قوم لوط بإخراجه ومن آمن معه من القرية التي كانوا فيها، قال تعالى ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) النمل 56 وقال سبحان وتعالى ( قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ) الشعراء 167 كما واجه شعيب عليه السلام ومن آمن معه تهديدا مماثلا، حين توعدهم الملأ المستكبرون من قومه بالإخراج من القرية إن لم يعودوا إلى ملتهم، قال تعالى ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) الأعراف 88 كما تآمر مشركو قريش على النبي عليه الصلاة والسلام، وجعلوا من بين خياراتهم حبسه أو قتله أو إخراجه من مكة، قال تعالى ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ) الأنفال 30 وقال عز وجل ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ) الإسراء 76 ولما وقع الإخراج، خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة مهاجرا إلى المدينة، قال تعالى مذكرا بنصره لنبيه صلى الله عليه وسلم ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ) التوبة 40 وقال تعالى مذكرا نبيه صلى الله عليه وسلم بما لقيه من قومه حين أخرجوه من مكة، ومبينا قدرته سبحانه على إهلاك من هم أشد قوة منهم، قال تعالى ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ) محمد 13 . وقد كان عبد الله بن أبي بن سلول يرى نفسه وأتباعه أهل قوة ومنعة، ويرى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في موضع الضعف، فقال متوعدا ومتعاليا، كما حكى القرآن الكريم عنه ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) المنافقون 8 فجاء الرد الإلهي ليصحح موازين القوة والعزة، فقال سبحانه ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) المنافقون 8 فالعزة في ميزان الله تعالى ليست بكثرة العدد ولا بامتلاك النفوذ والقوة المادية وحدها، وإنما بما يحققه الإيمان بالله تعالى والثبات على الحق، وتكشف هذه الحادثة وما قبلها أن محاولة إقصاء أهل الحق عن أوطانهم ليست أمرا مستحدثا، بل صورة من صور الصراع التي تكررت عبر التاريخ. وبين الله تعالى أن إخراج المؤمنين من ديارهم بغير حق، لم يكن ذلك بسبب جرم اقترفوه، ولا ذنب ارتكبوه، وإنما كان جرمهم في نظر من أخرجهم أنهم قالوا: ربنا الله. نطقت به ألسنتهم، وآمنت به قلوبهم، واصطبغت به جوارحهم وظهرت آثاره على حياتهم وسلوكهم، فقال سبحانه ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) الحج 40 كما شهدت المدينة المنورة صورة من صور الخروج من الديار، حين أجلي يهود بني النضير من المدينة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بعد ما وقع منهم من نقض العهد، وإظهار العداء للمسلمين، قال تعالى ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ) الحشر 2 كما جعل الله سبحانه النفي من العقوبات الواردة في حق المحاربين المفسدين في الأرض، فقال تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ) المائدة 33 كما اتخذ النفي في بعض المراحل التاريخية صبغة سياسية، وأصبح وسيلة لإقصاء غير مرغوب فيهم وإبعادهم عن أوطانهم ومجتمعاتهم، فنفي مواطنون من أوطانهم ومنعوا من العودة إليها، لا لجرم اقترفوه بالضرورة، وإنما بسبب مواقفهم السياسية، وقد طال ذلك شرائح مختلفة من المجتمع، من زعماء سياسيين، ومفكرين وثوريين، وعلماء دين، ورموز للوطنية، وقادة عسكريين، وغيرهم. فكان من بين المنفيين من قاوم مستعمرا، أو تصدى لغاصب أو رفض الخضوع لسلطة غاشمة، ومنهم من نفي بسبب مواقفه وآرائه المعارضة للسلطة القائمة، أو نتيجة دخوله في صراعات معها، كما أبعد آخرون خشية تنامي نفوذهم، واتساع تأثيرهم في عقول الناس وقلوبهم، أو بدعوى تهدئة الأوضاع، والتقليل من حدة التوتر، أو درءا للفتنة. وفي بعض مراحل التاريخ الإسلامي اللاحقة للفتنة الكبرى، لجأت السلطة أحيانا إلى إبعاد بعض الشخصيات عن أمصارها، خشية اتساع نفوذها أو تفاقم الاضطرابات، فكان الإبعاد في بعض الحالات وسيلة للحد من تأثير الشخص المبعد وفصله عن البيئة التي كان له فيها أتباع أو مؤيدون.
ومن صور الإبعاد الحديثة ما تقوم به بعض الدول من سحب الجنسية من بعض مواطنيها، ممن ولدوا على أرضها، وترعرعوا بين جنباتها، تعلموا في مدارسها، وعملوا في مؤسساتها، وتزوجوا وكونوا فيها أسرهم، فإذا بهم بين عشية وضحاها يجردون من أحد أهم مقومات وجودهم القانوني في هذا البلد، ومن أساس من أسس تمتعهم بالحقوق التي يمنحها ذلك الوطن لمواطنيه، ويغدون غرباء في الوطن الذي تشكلت فيه هويتهم، ونطقوا بلغته، ونشأوا على عاداته وتقاليده، وقد يصبحون مهددين بفقدان حقهم في البقاء فيه، عقابا لهم أو انتقاما منهم لمجرد اختلافهم في بعض القضايا والمواقف. وفي المقابل تعتمد بعض الدول نظام منح الجنسية لكل من يولد على أرضها، أو تتيح له حق اكتسابها وفق شروط يحددها القانون، كما قد تتيح لوالديه بعد سنوات من الإقامة المستوفية للشروط القانونية، التقدم بطلب للحصول على الجنسية، مهما اختلفت هويتهما أو ثقافتهما أو لغتهم أو انتماؤهما، فبينما تجرد بعض الدول أبناءها من جنسيتهم، فيغدون غرباء منبوذين معزولين في وطنهم، ثم تبعدهم عن أراضيها، وتغلق أبواب موانئها ومطاراتها أمامهم، نجد دولا أخرى تفتح الطريق أمام الأجانب لاكتساب جنسيتها، بل تفتح أبوابها للوافدين إليها، فيتحول الأجنبي عنها إلى مواطن فيها، وهو الذي كان بالأمس غريبا عنها.
ولم يقف الإخراج من الأرض أو التهديد به، عند عامة الناس فقط، بل طال أيضا أصحاب السلطة والسلطان، فقد توعد سيدنا سليمان عليه السلام ملكة سبأ وقومها بإرسال جنود لا قبل لهم بها، وإخراجهم من أرضهم أذلة وهم صاغرون، إن لم يستجيبوا لما دعاهم إليه، قال تعالى ( فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) النمل 37 فكونك من أصحاب السلطة والسلطان، ثم ينتزع سلطانك من موضعه، وتنقل مظاهر هيبتك وقوتك التي كنت تتوارى خلفها، ويؤتى بعرشك محمولا إلى مكان آخر، فيتحول ما كان رمزا لقوتك وسلطانك إلى شيء ينقل بأمر غيرك، في مشهد يشبه إنزال القوات الخاصة إلى موضع معين، لانتزاع رمز من رموز القوة والسيادة، أو شعار من شعارات الدولة، بما يشير إلى سقوط هيبة صاحبها وزوال تمكنه، ثم يقتلع هو نفسه من موضعه الذي كان يشعر فيه بالأمان والقوة، وتجريده مما كان يمنحه الإحساس بالسلطان والتمكن، وينقل إلى مكان آخر، فلا يكون انتقالا مكانيا مجردا، وإنما صورة من صور القهر والإذلال. وفي أيامنا هذه، شهد العالم صورة بالغة الدلالة على إخراج صاحب السلطة من أرضه، ففي يناير من هذا العام نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية داخل فنزويلا، الدولة ذات السيادة، للقبض على الرئيس الفنزويلي وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما، فانتزاع صاحب السلطة من أرضه، ليس مجرد إخراج إنسان عادي من بيته فحسب، وإنما هو إخراج حاكم كان يمارس سلطته على الأرض التي أخرج منها، وصاحب الأمر والنهي فيها، فيتحول في لحظة من صاحب سلطان على أرضه إلى شخص واقع تحت سلطة من أخرجه منها.
وقد كان الخروج من الأرض على مر العصور والأزمنة، سواء كان طوعا، أو قهرا، أمرا شاقا على الناس، فمنذ عدة عقود كانت الهجرة من أوطاننا، حتى إلى بلد عربي شقيق، بقصد الإعارة ونشر العلم وتبادل الخبرات، من الأمور التي تثقل على النفوس، إذ كان أكثر الناس يعدون مفارقة الوطن غربة لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة، إما إذا كان الإخراج قهرا أو قسرا، فهو أشد وقعا على النفس، لما يحمله من معنى الإجبار والحرمان من الوطن. أما اليوم فإننا نعيش مفارقة عجيبة، إذ أصبح الخروج من الأرض والهجرة من الأوطان أمنية لدي الكثير من الناس، وغدت الهجرة، ولاسيما إلى أوربا الغربية أو الأمريكتين، مطلبا ملحا بل غاية تراود أعدادا كبيرة من أبناء الدول العربية والإسلامية، فما كان بالأمس خروجا يكره عليه الإنسان أو يضطر إليه، أصبح اليوم عند كثيرين خروجا يرجى ويطلب. ولو فتحت بلاد المهجر أبوابها على مصراعيها، لتدفقت إليها أعداد هائلة من المهاجرين من أبناء أوطاننا، ولسعى إليها كثيرون بكل وسيلة ممكنة، ولو زحفا على بطونهم أو حبوا على أيديهم وركبهم، وهذه ظاهرة لا تخفى على المتابع لأحوال العالم، ولذلك تبذل كثير من الدول الغربية جهودا حثيثة للحد من الهجرة غير النظامية، وتشديد إجراءات الدخول إليها، وتعمل بمختلف الوسائل المتاحة على منع تدفق المهاجرين إلى أراضيها. وليس إقبال هؤلاء على الهجرة طلبا للترف والرفاهية، بقدر ما هو هروب من واقع مرير أثقل كواهلهم، أو فرارا من استبداد أو فقر أو انعدام فرص الحياة الكريمة أو حروب، وبحث عن الأمن والاستقرار، وتطلع إلى مستقبل أفضل، وحياة تحفظ لهم كرامتهم وتتيح لهم أن يعيشوا ويعملوا ويأمنوا على أنفسهم وأسرهم. ويرون في البلد الذي يقصدونه ملاذا آمنا إذا اشتداد الخلاف بينهم وبين السلطات، وبيئة تحفظ لهم حريتهم وكرامتهم، وتتيح لهم العمل والانتفاع بثماره، فضلا عما يجدونه فيها من مزايا أخرى يفتقدها كثير منهم في بلدانهم. وليس الأمر مقصورا على رغبة الأفراد في الهجرة، بل إن بعض الحكومات في دول العالم الثالث لا تمانع في هجرة جانب من شعوبها إلى الخارج، يستوي في ذلك أصحاب الحرف الذين يوجد منهم المئات بل الآلاف وتتجاوز أعدادهم الحاجة الفعلية إليهم، وأصحاب المهن والتخصصات المميزة التي يندر وجود أصحابها، فالمهم لدى هذه الحكومات أن يخرج هؤلاء للعمل والكد وبذل أقصى ما يستطيعون، ثم يرسلوا مدخراتهم إلى أوطانهم التي غادروها. وفي المقابل تفرض بعض الدول قيودا على أصحاب هذه المهن والتخصصات تحول دون سفرهم أو هجرتهم إلا في حدود ضيقة، لحاجة أوطانهم إلى خبراتهم وكفاءاتهم. وقد عرف تاريخنا الإسلامي صورا من الحرص على بقاء أصحاب العلم والرأي قريبين من مركز الدولة، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يحرص على بقاء كبار الصحابة في المدينة، لما لهم من مكانة وعلم ومشورة، ولحاجة المسلمين إلى قربهم من مركز الخلافة، فكان بقاؤهم مصلحة للأمة. وفي العقود الماضية، خرجت أعداد كبيرة من أبناء بعض الأقليات غير المسلمة من أوطانهم، واستقرت في بلدان الغرب والأمريكتين واستراليا، ونشأت لبعض هذه الجاليات كيانات ومنظمات في بلدان المهجر، اكتسب بعضها نفوذا سياسيا وإعلاميا، استثمرته بعض الدول المستضيفة، في أحيان معينة، للضغط على الدول التي ينحدر منها هؤلاء المهاجرون، كما لجأت بعض هذه الكيانات إلى الاستعانة بالدول التي تقيم فيها، وحثها على التدخل في شؤون بلدانها الأصلية، وهو ما أسهم في بعض الحالات في زيادة التوتر وتهديد الاستقرار فيها.
وإذا كانت مثل هذه الآثار قد تترتب عند هجرة الإنسان من وطنه طوعا أو اضطرارا، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، حين يخرج الإنسان نتيجة قرار تتخذه الدولة نفسها في حقه، سواء بالنفي أو سحب الجنسية أو دفع إلى الفرار منها، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل حسبت الدول التي تقوم بطرد أبنائها، ما مصير هؤلاء؟ وأين يذهبون، وكيف ستكون حياتهم، خاصة من لا يملك منهم زادا من مال أو علم يمكنه من شق طريقه في بلد آخر من جديد، ولا يجد من يمد له يد العون أو يأخذ بيده في غربته؟ وماذا عن ذلك الذي لا يجد في نفسه واعظا يردعه عن الزلل والانحراف، ولا عاصما يحول بينه وبين أن تجنح أفكاره ويشطح بها حيث يزين له هواه؟، وهل حسبت هذه الدول ما قد يترتب على ذلك من آثار في مواقف هؤلاء وسلوكياتهم تجاه وطنهم الذي أخرجهم؟ فهل أحسنت هذه الدول حساب العواقب، أم أنها عالجت مشكلة اليوم بما قد يصنع لها مشكلات الغد؟ ومن أوضح الشواهد على المصير المجهول لمن يخرج أو يطرد أو ينفى من وطنه، من غير أن يكون له وطن آخر يأوي إليه، ما وقع بعد صلح الحديبية سنة ست للهجرة، فقد كان من بنود الصلح أن من جاء النبي عليه الصلاة والسلام من قريش مسلما بغير إذن وليه رده إليهم، ومن جاء قريشا ممن مع النبي صلى الله عليه وسلم لم ترده إليه. وجاء أبو بصير عتبة بن أسيد رضي الله عنه إلى المدينة مسلما فارا بدينه، فأرسلت قريش في طلبه، فوفى النبي صلى الله عليه وسلم بما التزم به في الصلح، وسلمه إليهم. وفي طريق عودته تمكن أبو بصير من الفرار، واتجه إلى منطقة العيص على ساحل البحر الأحمر، بين مكة والمدينة، وأقام بها. ثم أخذ يلتحق به المسلمون المستضعفون الذين كانوا يفرون بدينهم من مكة، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع استقبالهم في المدينة التزاما ببنود الصلح، وأخذوا يعترضون قوافل قريش التجارية المارة بهم، مما ألحق ضررا كبيرا بتجارتها. حتى ضاقت قريش بذلك ذرعا، وأدركت أن بقاء هولاء خارج المدينة، وما يترتب عليه من تعرض تجارتها للخطر، أصبح أشد عليها من إلغاء هذا الشرط، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تسأله أن يضمهم إليه، وأن يسقط هذا الشرط من بنود الصلح، فاستجاب النبي صلى الله عليه وسلم فقدم أبو بصير وأصحابه إلى المدينة. وتكشف هذه الحادثة، وهي صورة يمكن أن تتكرر في كل زمان ومكان، عن جانب من معاناة من حرم وطنا يأوي إليه، أو دولة يحيا تحت لوائها، فتجده في الفلاة هائما على وجه، جائعا، يناله الزمهرير أو يلفحه الهجير، مطاردا من قوات حرس حدود الدول، وقد تتلقفه عصابات الاتجار في البشر أو العصابات الإجرامية والإرهابية، فماذا ينتظر منه وقد بلغ به الحال هذا المبلغ؟ وأي سبيل يبقي أمامه إذا ضاقت به الأرض بما رحبت، ولم يجد في هذا العالم موضعا يأوي إليه؟. لا يدري إلى أين يمضي، ولا أين يستقر، ولا من يأخذ بيده أو أي يد تمتد لإنقاذه، وقد سدت في وجهه سبل الحياة؟ أفلا يجمع حوله من يشبهون حاله، فيشكلون مصدر خطر، ليس على الأفراد فقط بل على الدول أيضا.
ولعل أبلغ ما يكشف عن حجم هذه المعاناة، ويقدم جوابا عن الأسئلة التي طرحناها، ما رأيناه على شاشات الأخبار، في شهر يوليو من هذا العام، من مشاهد تقشعر لها الأبدان، وتبقى وصمة عار في جبين الأمة كلها، عربا ومسلمين، حكاما ومحكومين، رجالا مسنين وشبابا ونساء وأطفالا بل ورضع، يفرون من وطنهم عبر البحر، ترى أبا يحمل رضيعه بين ذراعيه، يحاول السباحة به، وبجواره زوجته، وآخر يحمل والدته على كتفيه، وثالثا يمسك بذراع أخته وأخيه، يخوضون مياه البحر ساعات، لا يحملون معهم متاعا ولا مالا، ولا يرتدي معظمهم إلا ملابس السباحة أو أقل القليل من الملابس، يفرون بأجساد أنهكتها المعاناة، وأضناها القهر، وكسرها الذل، وأذلها الحرمان، يخوضون البحر بلا قارب ولا بوصلة، ويصارعون أمواجه العاتية، معرضين أنفسهم لخطر الغرق والموت، وقد عزموا على الفرار مهما كلفهم الأمر، غير عابئين بما يحيط بهم من أخطار، وكأنهم لم يعودوا يرون في البقاء ما هو أقل خطرا من الرحيل، فما الذي يدفع إنسانا إلى أن يلقي بنفسه وأهله في عرض البحر، وهو يعلم أن الموت قد يكون أقرب إليه من النجاة؟ إنها شدة البلاء حين تضيق السبل، وتنسد في وجه الإنسان أبواب الحياة الكريمة، فيغدو البحر، بما يحمله من مخاطر، أهون عليه من البقاء في أرض لم يعد يجد فيها أمنا ولا كرامة ولا مستقبلا، وحين تطأ أقدامهم شاطئ البلد المستضيف، ترى على وجوههم ابتسامة عريضة وفي عيونهم فرحة عامرة وعلى ملامحهم طمأنينة افتقدوها طويلا، كأنما عتقوا من آسر العبودية أو أفرج عنهم من معتقل طال فيه حبسهم، وانكشفت عن صدورهم غمة أثقلت كاهلهم سنين. مشهد يختصر حجم المعاناة التي عاشوها، حتى غدا مجرد الوصول إلى أرض آمنة باعثا على كل هذا الفرح والارتياح، وما المصير الذي كان ينتظر هؤلاء لو أغلقت الدول المستقبلة أبوابها في وجوههم، وأعرضت عن استقبالهم؟ وهم لا يملكون مالا يشترون به طعاما يسد جوعهم، ولا ماء يروي ظمأهم، ولا ما يستأجرون به مأوى يأوون إليه، هل كانوا سيبقون مشردين، تتقاذفهم الطرقات والأزقة، مجردين من أبسط مقومات الحياة ووسائل العيش، أم كانوا سيعودون إلى البحر الذي فروا منه، وقد أصبح الموت فيه أهون من العودة إلى واقعهم الذي دفعهم إلى الفرار؟. وما الذي كان ينتظرهم لو أعيدوا إلى البلاد التي فروا منها؟ هل كانت ستستقبلهم تلك البلاد بالورود والرياحين، أم كانوا سيساقون إلى غرف التحقيق وزنازين الاعتقال؟ هل كانوا سيجدون وطنا يفتح لهم أبوابه، ويمنحهم الأمن والطمأنينة، أم وطنا يترقب عودتهم ليعيدهم إلى الخوف والقهر اللذين دفعاهم إلى الفرار؟
أما إذا كانت هذه الأحداث قد استخدمت بالفعل كورقة ضغط من النظام الحاكم في مواجهة إسبانيا، كما حدث وتكرر من قبل بإشكال وأحجام مختلفة، أفلا يعني ذلك أن السلطة كانت مستعدة لتعريض أبناء شعبها لما تعرضوا له من مخاطر ومعاناة، تحقيقا لغاية سياسية؟ وإذا صح ذلك، فأي قيمة تصبح للإنسان في حسابات السلطة حين يتحول المواطن إلى ورقة تفاوض؟. وإن كان المقصود من هذه الأحداث هو الضغط على إسبانيا، ألم تكشف في الوقت نفسه، للعالم حجم المعاناة التي يعيشها جزء من أبناء الشعب المغربي؟ ألم تظهر تلك الجموع التي خاطر أفرادها بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى أن وراء الحدود المغلقة أزمات ودوافع لا يمكن تجاهلها؟ وهنا يحق لنا أن نتساءل: أكان المقصود لفت أنظار إسبانيا إلى معاناة هؤلاء، أم كان استخدام معاناتهم ورقة في صراع سياسي؟ وإذا كان الثاني هو المقصود، ألم تنقلب الورقة على صاحبها، فكشفت من المعاناة أكثر مما حققت من الضغط؟
وأخيرا هل ينتظر من إنسانٍ ذاق هذا القدر من المعاناة أن يظل مرتبطا بوطنه، محتفظا بحبه ومكانته في قلبه، وأن يبقي مستعدا للدفاع عنه؟. وكيف يرجى منه أن يهب لتلبية نداء وطن، لم يجد فيه أمنا، ولا كرامة، ولا ما يصون حياته؟ وكيف يطلب منه أن يدافع عن أرض لم يجد فيها من يدافع عنه، وأن يفدي وطنا لم ير فيه وطنا يحميه؟ أليس من الطبيعي أن يتردد كثيرا قبل أن يضحي بحياته من أجل وطن، سبق أن خاطر بحياته للفرار منه؟.