منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

النقد بين النصح والنقض

النقد بين النصح والنقض/ د. رشدي بويبري

0

النقد بين النصح والنقض

بقلم: د. رشدي بويبري

تقديم:

يعتبر النقد سلوكا شائعا بين الناس وليس استثناء فهو يشمل سلوكيات الأفراد والجماعات والقضايا الخاصة والشؤون العامة ولا يسلم منه مجال أو شخص. فالناس ينتقدون كل شيء تقريبا بدءا بتصرفات الآخرين ومرورا بأداء الحكومة والفاعلين السياسيين، وكذا مستوى الأداء الإعلامي ومضامين مواقع التواصل الاجتماعي فضلا عن الأوضاع الاجتماعية والمعيشية وأداء النوادي الرياضية وغيرها. بل قد يطال النقد القضايا الدولية مثل الأمم المتحدة وسياسات بعض الدول، وربما كان الطقس والمناخ موضوعا له أيضا. وقد يكون فيما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “لو أنّ رجلا عمل عملا في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان”[1]، يسير في هذا الاتجاه ولو في دلالته العامة.

ويختلف الناس في ممارستهم لسلوك النقد بين الاعتدال والتطرف، بل منهم من يتحول عنده إلى إدمان أو وُلوع مَرَضي مزمن يستحوذ على معظم طاقته الفكرية والنفسية والعملية، ويؤدي به إلى ممارسات غير سوية كأن يُنَصِّبَ نفسه قاضيا على الناس ويجعل منها مرجعا قسريا لهم على مستوى الفكر والقدرات والسلوك والذوق، وهذا السلوك صار ملحوظا بصورة مزعجة في مجتمعاتنا الحالية لدى عامة الناس وخاصتهم.

تعريف النقد.

يُعرَّف النَّقْد لغةً، بأنّه تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها، ويأتي بمعنى فَحْص الشيء وكَشْف عيوبه. أما في دلالته الاصطلاحية فهو “تعبير مكتوب أو منطوق من متخصّص يُسَمَّى ناقدًا، عن الجَيِّد والرديء في أفعال أو إبداعات أو قرارات يتخذها الإنسان أو مجموعة من البشر في مُخْتَلِفِ المجالات من وجهةِ نظر الناقد، كما يذكر مكامن القوة والضعف فيها، وقد يقترح أحيانا الحلول”[2]. ومن خلال تعريفات مفهوم النقد نستخلص أن دلالاته ترتبط بالآتي:

– تمييز الجيد من الرديء، وفصل الحسن عن القبيح والطيب من الخبيث.

– معرفة الخطأ قصد تصحيحه، وإدراك الصواب لأجل تثمينه وتكريسه.

– إبراز مستوى الجودة أو صور العيب في الموضوع المنتقَد.

وتتعدد مجالات النقد بدءا من الفكر والأدب ثم الفن والسياسة إلى غيرها من ميادين الفعل البشري، كما تتنوع مستوياته من نقد للذات إلى انتقاد للآخرين سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، وهناك أيضا نقد للأعمال والإنجازات والمشاريع والمخططات. ويدقق الإمام عبد السلام ياسين في دلالة المفهوم بنَفَسِه التأصيلي فيقول: “والإسلام يسمي النقد الذاتي توبة، ويُسمِّي معالجته الفردية التفصيلية استغفارا واستقامة، ويُسمّي ممارسته الجماعية نصيحة، وتواصيا بالحق والصبر، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر”[3].

أهمية النقد في العمل الدعوي الجهادي :

إن النقد مبدأ إسلامي، ومنهج قرآني، طبقه خير الأنام صلى الله عليه وسلم خلال مسيرته الدعوية، وأوصى به واعتبره ممارسة من عمق الدين وسماه النصيحة، فعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”[4]. ورغم عصمته صلى الله عليه وسلم وتأييده بالغيب، كان ينزل الوحي في بعض الأحيان يصوب ويعاتب في بعض الأمور. وعلى هذا المنهاج تربى الصحابة رضوان الله عليهم على عهد النبوة والخلافة الأولى، فلم يكونوا “إمعاتٍ، بل كانوا يستنشقون رَوْحَ المسؤولية، ويتقدمون بالمبادرة الإيجابية. أحياءً غيرَ أموات. تَرَبَّى على المعارضة وسماع النقد وطلب النصيحة عمر وأمثال عمر. لذلك قدَّم شرط “إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ولذلك كان يقول: رحم الله امرأ أهدى إليَّ عيوبي”[5].

وتُعَدُّ مسألة النقد والتقويم والمراجعة ظاهرة صحية في المؤسسات والجماعات والمجتمعات، بل هي جزء أساسي من عملية التطوير والتصويب المستمر. فالنقد وسيلة لتنشيط العقل وتثوير الفكر وتمحيص التصورات، لتصبح أكثر نضجا وأقرب إلى الصواب وأنفع في الواقع، وهو أبرز مدخل للكشف عن العيوب والأخطاء لتصحيحها وضمان عدم التعرض لضررها. ويجب على كل عضو في الجماعات الدعوية والمجاهدة “أن يوطن نفسه لينتقد بصراحة وحزم، وأن يُوَطِّنها على تقبل النقد، وأن يوطنها على السكوت والاعتراف بالخطأ، وأن يُعَوِّدها داخل المجلس وخارجه أن تحاسب وتؤدب. وأن يكون هيِّنا لَيِّنا ذليلا -أي سهلا-على إخوته إن نصحوه. ويقول كلمة الحق كما يراها في غير عنف لكن بصدق لا يخاف في الله لومة لائم”[6].

وتعتمد ممارسة النقد على وسائل متعددة ولا يمكن حصرها في طريقة واحدة، ومنها القول والكتابة بأصنافها المختلفة ومنها النقد العلني المباشر وغير المباشر، ومنها التصريح بالنقد والتلميح به، إلى غير ذلك من الطرق، والمهم في الأمر هو مدى مراعاة الشروط الأخلاقية والذوقية للنقد، خاصة منها صدق النصح، وإخلاص النية، وحب الخير.

فوائد النقد:

تتعدد فوائد النقد البناء والسليم وتتنوع ويمكن حصر أهمها في الآتي:

*. يسمح النقد بإنزال الناس منازلهم وعدم الإفراط في تقديرهم أو الوقوع في تقديس ذواتهم أو أفكارهم، ورحم الله الإمام مالك القائل: “كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر، وأشار لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم”. فعند غياب التقييم والمراجعة يحل الثناء والمديح وقد يصار إلى الغلو فيهما، وهذا مدخل خطير للاستبداد وتزكية النفس المذموم شرعا وذوقا. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في المديح، فعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: “انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: “أنت سيدنا، قال صلى الله عليه وسلم: السيد الله تبارك وتعالى، قالوا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان”[7].

*. يساعد النقد على الحد من غرور الأشخاص وتكبرهم وتعاليهم على الآخرين واعتدادهم بأفكارهم وقدراتهم، فالنقد يكشف أوجه الضعف فيها، ويسلط الضوء على نسبيتها وعلى جوانب القصور فيها، وهذا ما يدفع الناس إلى التواضع وعدم تحكيم الهوى وسيطرة الأنانية المستعلية والاستمرار في الطريق الخطأ.

*. يقوم النقد بعملية تطبيب للذوات الفردية والجماعية وللأفكار والتصورات والمشاريع والمنجزات، فكما أن الطبيب يكشف عن الأمراض ويمنح أصحابها وصفات للعلاج تلائمها، يقوم النقد والتقييم بنفس الوظيفة، فكما أن الناس لا يستغنون عن الطبيب فكذلك الأمر بالنسبة للنقد.

*. تتيح عملية النقد القدرة على اكتشاف النقائص والعيوب في الذوات أو المؤسسات أو المشاريع والإنجازات، مما يمنح الفرصة لتصويبها وتداركها وضمان عدم تكريسها وتراكمها. وهو في هذه الحالة مدخل أساس لتطوير القدرات وترقية الأداء الفردي والجماعي وتجويد المنجزات.

*. يُربي النقد والتقويم الناس على التواضع وتقبل ملاحظات الآخرين بسعة صدر، والاعتراف بالقابلية للخطأ والاقتناع بضرورة التراجع عنه؛ فرحم الله الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان حريصا على نشر هذه التربية في صفوف الأمة، وترك لنا قاعدة فريدة في النقد بقوله: “رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي”.

*. يكون النقد البناء فرصة لاكتشاف الكفاءات ووضع الناس في المكانة التي يستحقونها بعيدا عن منطق الولاءات الزائفة أو العصبيات المقيتة أو الحسابات المصلحية الضيقة.

*. يسمح النقد بصقل المواهب وتطوير القدرات وتأهيل الكفاءات، كما يؤدي إلى تنافسها لتبرز الأقوى والأجدر منها على تحمل المسؤولية.

*. يؤدي التشجيع على النقد والتقويم داخل الجماعات والمؤسسات إلى تعميق ولاء الأعضاء والمنتسبين لها وترسيخ ثقتهم بها، فضلا عن ضمان المشاركة الجماعية الفعالة في عملية البناء والتطوير والتقدم، ففي هذه الحالة يتنافس الكل في تقديم تقديراته ومقترحاته مما يسمح بتلاقح الأفكار وتبادل الخبرات، وبروز أنضجها وأفضلها، وإشاعة روح المسؤولية الجماعية بينها.

مخاطر غياب النقد:

إن غياب التربية على النقد وتشجيع النصح وفتح الباب للتقويم تنتج عنه أمراض خطيرة على الجماعة الدعوية أو المؤسسة السياسية، بل قد يتعدى ذلك عموم المجتمع، فضلا عن أنه مناقض للتدين السليم وثوابت الدين الإسلامي. ومن أبرز تلك العلل هيمنة الوصاية المَرَضية على أفكار الناس وأذواقهم، وتدعيم أسس الاستبداد السياسي والتربوي والتنظيمي، وإشاعة التربية على الاستسلام للأفكار الرائجة والإذعان للحس المشترك وتعطيل كفاءة العقل وتجميد قدراته التحليلية والإبداعية. ويصبح النقد في هذه الحالة سلوكا غريبا وممارسة سلبية ويعتبر صاحبه شخصا منبوذا ومتهما في نيته ومقاصده.

 تجليات النقض في سلوك الناقد:

هناك تجليات متعددة لتحول سلوك النقد عن المقاصد الشرعية البناءة إلى سلوك النقض الهادم ومن أهمها:

*. الإدمان على النقدِ والإسراف في تعاطيه، بحيث لا يرى الناقد أية إيجابيات في شخصية المنتقَد ولا في قناعاته أو تصرفاته أو مشاريعه، وخاصة حين يكون الناقد ضحية لاقتناع وهمي بأنه على صواب وتسيطر عليه فكرة أن تقديره هو الأسلم وأن نظرته للأمور هي الأصوب.

*. تجريح شخصية المُنتقَد عوض التركيز على الانحرافات في الأفكار أو الاختلالات في السلوكيات، من أجل تقويمها وتمييز الحق فيها من الباطل، وهو ما يجعل الناقد واقعا تحت سيطرة الهوى ومستسلما لمصالحه الشخصية الضيقة.

*. التجني في النقد دون استناد على أدلة أو حجج أو باعتماد حجج واهية، ودون التثبت من الروايات أو من عدالة الناقل، أو من خلال تحميل الكلام ما لا يحتمل.

*. تتبع العثرات وتصيد الهفوات دون مراعات البعد البشري في السلوك الإنساني، ودون الموازنة بين حجم الأخطاء ومقدار الفضائل التي يتمتع بها الشخص المنتقَد؛ بل يعمل الناقد على التقليل من قيمتها وطمس حقيقتها، في مقابل تضخيم الزلات التي لا يسلم من الوقوع فيها أي إنسان مهما علت مكانته العلمية أو الدينية أو الاجتماعية أو السياسية.

*. الطعن في كفاءات الأشخاص والانتقاص من قدراتهم الفكرية أو التنظيمية أو الحركية أو القيادية، والتندر عليهم في المجالس والطعن في ذممهم أو الحكم بفساد نياتهم ومقاصدهم.

أسباب تحول النقد من النصح المقبول إلى النقض المذموم.    

يقول الشاعر:

أرى ألف بان لا يقوم لهادم        فكيف ببان خلفه ألف هادم

النقد عمل عقلي مركب غرضه فحص الأفكار أو تقييم المشاريع والمخططات أو السياسات أو تقويم السلوكات والتصرفات، فهو في حد ذاته عمل مرغوب ومطلوب ومحمود، بل إنه نشاط فكري وسلوك منهجي وعملي وضروري. لكن المشكل يتحدد في انحراف سلوك النقد من كونه عملية عقلية وسلوكا ناصحا إلى حالة نفسية دائمة أو إدمانا، فهو في هذه الحالة ينحرف عن مقاصده النبيلة ويعبر عن عدد من الاختلالات في شخصية الناقد أهمها:

*. غلبة الهوى وسيطرة النفس الأمارة بالسوء، مما يؤدي إلى اختلال موازين الحق والباطل واستحلاء النقد والانتشاء بممارسته. وهذا ما يوقع الناقد في فخ الاستهانة بما يفوت من شرف العمل، واستسهال غيبة الغير أو السخرية منه، ولذلك جاء في الحديث عَنْ أبِي هُريرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُبْصِرُ أحَدكمُ الْقَذَاة في عيْنِ أخيه، وينْسى الْجذع فِي عيْنه”[8].

*. ضعف الشخصية والبحث عن تعويض نفسي، خاصة حين يكون صاحبه مدمنا للنقد ويتسم بالاستعلاء والأستاذية.

*. الغرور والشعور بغياب الإنصاف تجاهه، فالناقد يعتقد في نفسه أنه يستحق أن يكون في موقع أفضل وأن يحوز اهتماما أكبر نظرا لما يعتقد في نفسه من تفوق في القدرات وريادة في الإمكانات.

*. البطالة الناتجة عن الشعور بالعجز عن الإنجاز والعمل ومنافسة العاملين مما يؤدي إلى الحرص على التسامي على هذا العجز وتغطيته من خلال تعيير غيرَه والتنقيص من إنجازاته.

*. خدمة أجندة غيره من خصوم المشروع أو مناهضيه، يقول تعالى﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لِإِخْوَٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾[9].

*. معاداته لما ينتقده وإن أظهر مناصرته وغيْرَتَه عليه، فإدمان النقد للأشخاص أو الأفكار أو المشاريع دليل عل وجود علاقة نفسية متوترة بين الناقد وما ينتقد أو من ينتقد.

*. تعبير عن طفولة نفسية أو فكرية لأن من سمات الطفل المشاغبة والمشاكسة لإثارة الانتباه إليه وتوجيه الاهتمام له.

ضوابط النقد:

يعد النقد فعلا مسؤولا لذا يجب أن يكون محكوما بالضوابط الشرعية والأخلاقية مثل أي فعل صادر عن مسلم عاقل وراشد؛ فهو ليس غاية في ذاته بل وسيلة لإظهار الحق وتصحيح الخطأ وتصويب الخلل كما أنه لا يكون استجابة لهوى النفس أو تعبيرا عن سخط تجاه الغير. أما النقض فرفض كامل دون مبرر، وحل لما تم إبرامه، وهدم لما تم بناؤه. ففي هذا العمل الدقيق لا بد من ضبط الشروط التي يجب أن تحكم تصرف المسلم لأجل ألا ينزاح عن المقاصد الشرعية المرجوة منه، ومن هذه الضوابط الآتي:

*. تصحيح القصد وإخلاص النية، واعتبار أن النقد لا يعني “الكسرَ والتمزيق والتقبيحَ والرفضَ”[10]، بل النفع والبناء، وهو ما يؤكده الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بقوله: “الضابط العام في المشورات هو أن تكون دينا أي نصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين”[11]. وما “نصح من لا يؤثر الصمت في مكانه على الكلام في غير موضوعه. ولا نصح من احترف النقد لأجل النقد.”[12].

*. تجميع المعطيات الكافية عن موضوع النقد وتمحيص صدقها من كذبها، وعدم الاكتفاء بما يقال أو الاعتماد على الانطباعات العابرة أو التقديرات الشخصية، “فالحكم على الشيء فرع عن تصوره” كما يقول الأصوليون.

*. ضبط آليات النقد وتمحيص مدى ملاءمتها للموضوع المنتقد، وهذا من أخطر مداخل انحراف السلوك النقد وانزياحه عن مراميه، وفي هذا الصدد يقول الإمام ياسين رحمه الله: “نعمِّق البحث في الدلالة اللفظية للوارد، فنجد النقد والنقض من بابة واحدة. أن تنقُد نصّاً أو إنسانا أو تنظيما هو أن تحلّلهُ ثم تركبه، أو تقترح تركيبه، على نسقٍ صوابٍ يصحح تركيبة النسق الغَلَط. إن كانت أدواتك في النقد والتحليل والتركيب أخذتها جاهزة ومعها كيفية الاستعمال، ومعايير الغلطِ والصواب، فقد وقعت منذ بداية العملية في تناقض فاضح بين شطريْ عبارتك. إن كنتَ مسلما، أي ذاتاً مسلمةً، وأدوات فهم هذه الذات ونقدها من جوٍّ غيرِ جوِّ الإسلام فلن تفهم ذاتك إلاَّ إن كيّفْتها بكيفيات تلائِم طبيعة الفكر المحلِّل الـمُركِّب المصحِّح المصوِّبِ”[13].

*. التزام الأخلاق الفاضلة: من تمام الصدق في النصح مراعاة الخلق الحسن من تواضع واحترام للآخر وأدب في توجيه النقد، لأنه لا يخرج عن كونه رأيا وتقديرا شخصيا قابلا للخطإ والصواب، يقول المزني: “سَمِعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم، اُكسُ ألفاظك أحسنَها، ولا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيءٍ“[14]. فالنقد يجب أن يتوجه للسلوك أو المشروع أو الفكر وليس وسيلة للطعن في ذمة الأشخاص أو محاكمة نياتهم.

*الأمانة والموضوعية: لكيلا يصادم النقد الضوابط الشرعية ولكيلا يخرج عن مقاصده البناءة والسليمة لا بد أن يتسم بالموضوعية في الحكم والتجرد من الهوى في التقدير، فلا يركز على السلبيات فقط بل يوازي بينها وبين الإيجابيات، فيذكر الفضائل ويشيد بها وينبه للنقائص قصد تصحيحيها، دون تحيز أو تعصب، إذ الغرض في النهاية هو الارتقاء بالعمل أو الفكر أو السلوك نحو الكمال.

*الشمولية والدقة: لأجل أن يحقق النقد ثمرته ويصل إلى غاياته البناءة لا بد أن يكون شاملا لموضوعه فلا يقتصر على جانب دون آخر، بل يلم بكل أبعاد الموضوع المنتقَد وموضِّحا بدقة طبيعة النقد ومجاله واقتراحاته البديلة لتصحيح الخلل وتجاوز التعثرات والنقص.

خاتمة.

قال الإمام علي كرم الله وجهه: “ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأصابه”[15]، إذ هناك بوْنٌ شاسع بين نيتين متناقضتين، نية تتوخى الإصلاح وبلوغ الكمال فيكون نقدها بناء وتقويمها مفيدا، ونية أخرى غرضها الهدم دون مراعاة لإكراهات الواقع وتعقيداته ومتطلبات العمل وشروطه وتوازناته فيكون نقدها نقضا للبناء وليس تقويما له.

إن الأصل في الحياة هو العمل الذي هو سيرورة متنامية مصاحبة لعمر الإنسان، والمؤمن عامل مشغول ببناء آخرته وتحقيق نصيبه من الخلافة في الأرض. والنقد عملية عقلية ضرورية تروم تسليط الضوء على جوانب الخلل وكشف العيوب لتجنبها في العمل. أما إذا وقف المرء عند لحظة النقد فإن هذا الأخير يتحول من عملية عقلية الى حالة نفسية تستدرج صاحبها إلى نوع من الاستعلاء والوصاية على الناس وتكون تكأة تبرر العجز والفشل.


[1] ـ رواه أحمد وأبو يعلى، وإسنادهما حسن. الكوة: الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه.

[2]– https://ar.wikipedia.org/wiki/نقد

[3] ـ عبد السلام ياسين، الشورى والديموقراطية ص109/110.

[4] . روى الإمام مسلم.

[5] ـ عبد السلام ياسين، العدل، ص136

[6] ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة، ص 88.

[7] . أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.

[8]. أخرجه ابن المبارك في (الزهد)، وابن حبان، وأبو نعيم في الحلية واللفظ له. قال الألباني صحيح.

[9]. سورة الأحزاب الآية 18.

[10] ـ عبد السلام ياسين، الاحسان ج2 ص292.

[11] ـ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص88.

[12] ـ المنهاج النبوي، ص93.

[13]. عبد السلام ياسين، الشورى والديموقراطية، ص125.

[14]. شمس الدين السخاوي، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، تحقيق: علي حسين علي، مكتبة السنة، مصر، الطبعة الأولى، 2003، الجزء الثاني الصفحة 128.

[15] . قال ابن أبي الحديد: “مراده أن الخوارج ضلوا بشبهة دخلت عليهم، وكانوا يطلبون الحق، ولهم في الجملة تمسك بالدين، ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن أخطأوا فيها، وأما معاوية فلم يكن يطلب الحق وإنما كان ذا باطل، لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة. وأحواله كانت تدل على ذلك. فإنه لم يكن من أرباب الدين، ولا ظهر عنه نسك، ولا صلاح حال، وكان مترفا يذهب مال الفيء في مآربه وتمهيد ملكه، ويصانع به عن سلطانه. وكانت أحواله كلها مؤذنة بانسلاخه عن العدالة، وإصرار على الباطل، وإذا كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه، وتحارب الخوارج عليه وإن كانوا أهل ضلال، لأنهم أحسن حالا منه، فإنهم كانوا ينهون عن المنكر، ويرون الخروج على أئمة الجور واجبا”. (شرح نهج البلاغة: (5/ 78).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.