لوحة في قلبي
بقلم: الفنان شعيب بطار
جلس الوالد أمام التلفاز، يشاهد الأخبار، ويتابع ما يجري في العالم. كان الجهاز يعج بمشاهد الحرب والدمار، وكانت قضية «غزة» تأخذ النصيب الأكبر من هذه الفقرات الإخبارية.
التفت الأب يمنة، فرأى ابنه «نبيها» يجلس بقربه، وعيناه تتحركان هنا وهناك، وكأنهما تترقبان شيئا ما.
استرسل الأب في المشاهدة، وبين الفينة والأخرى يلتفت صوب صغيره الذي غيّر وجهة عينيه الصغيرتين، وقد صار ينظر بين رجليه، مضيقا عينيه.
رقّ الرجل لحال ابنه، ثم قال:
ــ عذرا يا بني، ما هي إلا بضع دقائق وتنتهي فقرة الأخبار، وأترك لك التلفاز لتتفرج على الرسوم المتحركة.
انتهى الأب من مشاهدة التلفاز، فقام وترك الجهاز مشتغلا، إلا أنه لاحظ أن «نبيها» لم يغيّر القناة ليتابع الرسوم المتحركة.
جعل هذا الأمر الأب يتساءل في نفسه: هل كان «نبيه» ينتظر فقرة الصغار كما كنت أعتقد، أم كان هو الآخر يتفرج على نشرة الأخبار؟
لكن كيف لطفل صغير أن يهتم وينشغل بفقرة إعلامية لا تناسب سنه، فقرة عزف الكبار عن متابعتها؟
غادر الوالد البيت، لكن السؤال ظل يؤرق فكره طوال الوقت.
وفي طريق عودته إلى البيت، وقف الأب فجأة، وكأن هاتفا هتف في قلبه، فأغمض عينيه متأسفا نادما، بعد أن تذكر أنه نسي أن يشتري لابنه هدية ثمينة تليق بصغيره، جزاء نجاحه في امتحانه الأخير، مما جعله يعتقد جازما بأن ذلك هو سبب حزن ابنه وعدم ارتياحه.
دخل الوالد البيت، واندفع مسرعا قاصدا صغيره.
كان التلفاز لا يزال مشتغلا، و«نبيه» لم يبرح مكانه، وقد ظل على وضعه، لكنه، بدلا من مشاهدة التلفاز، كان منشغلا بمطالعة كتبه الدراسية.
كان الكتاب الذي بين راحتي الصغير بمثابة النار التي زادت من أسف الرجل، فمثل «نبيه» النبيه ليس ممن ينبغي إغفال مكافأته.
دون أن يناديه أو يكلمه، أزال الكتاب من بين يديه، ثم عانقه وهو يقاوم خروج دمعتين، لكن ابتسامة لاحت على محيا الصغير جعلت العبرتين تنفلتان من مقلتيه، فمسحهما بيد خاطفة، ثم قال:
ــ سامحني يا ولدي، لا أدري كيف أغفلت إحضار الهدية التي وعدتك بشرائها، لكن لا تكترث، سنشتريها الآن قبل الغد.
وهما في طريقهما لشراء الهدية، ظل «نبيه» يستمع إلى كلام الوالد، الذي كان تارة يحدث ولده، وتارة أخرى يحدث نفسه، وقد ظل على هذه الحال طوال مسافة الطريق.
كان الوالد يعلم أن الهدية التي وعد بها صغيره غالية الثمن، وقد اندفع مسرعا وهو يقول في نفسه: «سعادة نبيه لا تقدر بثمن، فلأن أرسم ابتسامة على محيا صغيري أفضل عندي مما في الوجود».
ثم أردف قائلا في حماس: «رغم بؤس الفقر وعسر الحال، سأشتري لك الهدية، ولن أكترث لثمنها، فالمهم عندي أن تحصل على بغيتك بأي ثمن كان».
لم ينبس الولد بأية كلمة، وقد ظل على حاله ينظر مستغربا إلى أبيه وهو يردد: «سوف أشتريها، سوف أشتريها… ولو اقتضى الحال أن أبيع شيئا من أغراضي أو أن أقترض مالا».
وصل الأب أخيرا إلى متجر بيع الألعاب، وهو يمسك بحرارة يد الصغير. كان المتجر كبيرا، وقد ضم أحدث الألعاب والأجهزة التي كانت تغري الصغار بمجرد النظر إليها.
صارا يتجولان، وهما يشاهدان أنواع اللعب والأجهزة؛ فبعضها كان معلقا على الرفوف، وبعضها الآخر موضوعا في الأسفل على بساط أخضر، وقد رتبت بعناية.
توقف الأب أمام لعبة كانت تقبع في عمق المتجر، وكأن صاحب المتجر وضعها لوحدها منعزلة لتميزها.
كان السعر مكتوبا عليها، وكان أكثر غلاء مما كان الأب يتوقع، لكنه، في غير اكتراث لتلك الورقة ولا للرقم المكتوب عليها، التفت إلى الصغير ونظر إليه بعينين واسعتين وابتسامة حنونة، كأنها رسالة كتب فيها:
ــ ما رأيك يا نبيه؟ إنها اللعبة المناسبة، أليس كذلك؟
لم يصدر عن الصغير أي جواب، وقد اكتفى بهز رأسه هزة خفيفة مع ابتسامة صغيرة.
واصل الأب الجولة دون أن يترك يد الصغير، وفي كل مرة يقول:
ــ ما رأيك في هذه اللعبة؟ أظنها رائعة ورفيعة!
كانت كلها لعبا ثمينة باهظة الثمن، لكن الطفل لم يكن يبدي، في كل مرة، أي اهتمام أمام اقتراحات والده.
استدار الابن، وصار يمشي بخطى متثاقلة، فاتحا مقلتين صغيرتين تشع منهما نظرات الواثق، وقد كان هو من يمسك بيد أبيه هذه المرة.
ابتسم الأب وقال:
ــ أظنك وجدت بغيتك يا نبيه.
وقبل أن يرد «نبيه»، أمسك بعلبة صباغة وفرشاة، ثم قال:
ــ هذه هي بغيتي يا أبي.
لم يصدق الرجل ما حدث، لكن إصرار ابنه على اختياره جعل الوالد يلبي رغبة «نبيه»، ثم قال:
ــ قل لي، هل ينقصك شيء آخر يا صغيري، ولو أن اختيارك لم يرق إلى الهدية التي كنت أود أن أقدمها إليك؟
بدا «نبيه» حينها واثقا من اختياره، ثم قال وهو يدخل جرعة هواء إلى صدره:
ــ لا عليك يا أبي، إنها هدية مقنعة بالنسبة إلي، فقط ينقصني قماش وإطار خشبي، هذا كل ما في الأمر.
كان الموقف غريبا بالنسبة إلى الأب، لكنه لم يعقب ما دام الأمر يتعلق باختيار نبيه.
وضع الوالد بضع دريهمات في يد البائع، وسلّم عليه، ثم ودّعاه.
وصلا إلى البيت أخيرا، وقد أخذ الوالد الجريدة التي كان قد اشتراها، لكن «نبيها» لم يتمالك نفسه، حيث اندفع مسرعا نحو غرفته، ووضع القماش على الإطار الخشبي، وشدّه بإحكام، ثم وضع الإطار فوق حامل خشبي.
أصبحت اللوحة جاهزة كي يبدأ رسمته، وقد صارت وسط الغرفة تلوح بلونها الأبيض الناصع، المتعطش لاحتضان الألوان التي سترقص فوقها رقصة فرحة لطفل صغير لم يحدد بعد موضوع لوحته، لكن المهم أنه سيرسم.
أمسك الفرشاة ليخرجها من كيسها البلاستيكي، فسمع لذلك خشخشة دغدغت شعوره وزادته شوقا وشغفا.
انتقل إلى علبة الصباغة، وكم كانت فرحته كبيرة بعد فتحها! فصار ينتقل بمقلتيه من لون إلى آخر، وفي كل مرة تتبادر إلى مخيلته رسمة معينة دون أن يلوي على أي واحدة منها.
قام «نبيه» من مكانه متوجها صوب اللوحة، وقد صار وجها لوجه مع القماش. خلط بعض الألوان على الفرشاة التي كانت تبدو، في كل مرة تمر فيها على علبة الصباغة، وكأنها تلثم الألوان أو ترقص فوق علبة الصباغة التي بدت حينها وكأنها قطعة من فصل الربيع.
رفع الصغير الفرشاة، وشعر حينها بتثاقل طال يده الصغيرة، وكأنه مقبل على إنجاز مهم. كان الموقف صعبا، فبدا حينها أكثر تريثا، مما جعل الفرشاة تدنو من القماش تارة، وتبتعد عنه أخرى، في تردد غريب.
أطلق العنان ليده الصغيرة، فصارت الفرشاة تنتقل من بقعة إلى أخرى، محولة البياض إلى أفكار تحاول أن تعرب عن نفسها برسوم متجسدة.
توقف «نبيه»، وأبعد الفرشاة عن القماش، واستدار نحو علبة الصباغة ليبلل الفرشاة، ثم غمسها في العلبة، وقد امتلأت بالصباغة، والتفت صوب اللوحة، لكن شيئا غريبا حدث؛ لقد تغير كل شيء، وتداخلت الألوان فيما بينها وفسد كل شيء.
اكفهر وجه «نبيه»، ولاح عليه تذمر وتبرم شديدان، ثم صار يغمغم في ضجر: «أتكون الصباغة مغشوشة، أو لعلي لا أصلح لأن أكون رساما، فلربما أفتقر إلى الموهبة».
جن جنون الطفل حتى صار يكلم ألوانه: «اثبتي في مكانك أيتها الألوان العنيدة… لماذا تغيرين مكانك في اللوحة حيث وضعتك فرشاتي؟ لماذا تغيرين موضعك في كل مرة أشعر فيها أنني أنهيت رسمتي؟».
طفقت الفرشاة ترقص بين أنامله الصغيرة، وهي تجرب في كل مرة خلطة بألوان معينة.
ارتسمت أمامه ألوان كثيرة… أرجواني هنا، وقرمزي هناك، وأزرق هنا، ولازوردي هناك.
توجه بيده نحو حاملة الصباغة ليملأ الفرشاة ببعض الصباغة، وقد همّ إلى اللوحة ليكمل رسمته ويصلح ما فسد منها، لكن دون جدوى… تغير كل شيء، واختلطت الألوان فيما بينها كما كان يحدث في كل مرة.
شعر «نبيه» بالإحباط في كل مرة كان يحاول فيها أن يرسم شيئا على القماش، لكنه لاحظ في هذه المرة أن كل الألوان كان يطالها تغيير، إلا الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، فلم يكن يلحقها أي تغيير.
ترك كل الألوان الأخرى، واقتصر على هذه الألوان الأربعة، فطفق يقترب ويبتعد من اللوحة محاولا معرفة ما يحدث، ثم شرعت يده هذه المرة تتحرك بطريقة انسيابية، وبدت الفرشاة في يده حينها وكأنها عصا صغيرة في يد قائد أوركسترا.
انتهى «نبيه» من رسمته، لكن الغريب أنه لم يكن يعرف ما رسم، لكنه أحس حينها بارتياح كبير، وكأنه وضع حملا ثقيلا كان يقبع فوق صدره.
ابتعد قليلا عن اللوحة، وأغمض عينيه، وتذكر واجباته المنزلية التي لم يكملها بعد… تذكر أصدقاءه في المدرسة… تذكر الأستاذ. لكن فرحه وشغفه زادا من فضوله، ففتح عينيه لينظر إلى لوحته.
لم يصدق ما رأى… لقد كانت كوفية فلسطينية بألوانها الزاهية الجميلة.
شعر «نبيه» بفخر واعتزاز كبيرين، ثم جثا على ركبتيه، وقد ابتلت وجنتاه بدموع غزيرة. تذكر حينها بؤس الأطفال في «غزة»، وكل أهوال التقتيل والتعذيب التي كان يشاهدها في فقرة الأخبار التي كان يتابعها صحبة أبيه.
لم تكن الألوان تغير مكانها من تلقاء نفسها كما تهيأ لـ«نبيه»، لكن شعورا غائرا كان يسكن لاوعي «نبيه» النبيه، وكأن ضميره اليقظ هو ما كان يمسك بالفرشاة، فيغير من الألوان ما يشاء، ويبقي ما يشاء.
كانت ألوان فلسطين الأربعة قد عجنت بها روحه، وسرت في شغاف قلبه.
ارتبط الفنان الصغير بلوحته ارتباطا كبيرا، وقد شدته إليها شدا.
أمسى لا يفارقها لحظة، ووقف أمامها طويلا، ينظر إليها من كل الزوايا، تارة من اليمين، وأخرى من اليسار، ثم صعد فوق كرسيه الصغير ليتأملها من الأعلى، وكأنه لم يصدق أنه هو من رسم الكوفية، ثم ضيق عينيه وقال متسائلا: «هل أنا من رسم هذه الكوفية؟».
لكن سرعان ما لاحت ابتسامة عريضة على محياه، وقد غدا يقفز هاتفا:
ــ اللوحة من رسمك يا نبيه… اللوحة من رسمك يا نبيه.
ظل الصغير على حاله يحدث اللوحة وتحدثه، وتارة يحدث نفسه محاولا إقناع نفسه بأنه هو من رسم الكوفية.
سمع الوالد بخبر معرض سيقام في المدينة، وهو معرض سيشارك فيه كبار الفنانين بلوحاتهم.
رأى الوالد في المعرض فرصة يشارك فيها ابنه الصغير بلوحته التي ظل الفنان الصغير يحوم حولها دون أن يفارقها، وقد ارتبط بها ارتباطا عجيبا.
انطلق الوالد مسرعا إلى اللجنة المنظمة للمعرض، فعرض عليهم الفكرة، لكنهم، للأسف، رفضوا باعتبار أن المعرض غير مخصص للهواة، وإنما هو معرض لكبار الفنانين العباقرة المشهورين. شعر الوالد بحزن شديد، وأسف يغمره، إذ رأى أن الفرصة ستضيع منه، فقد كان يريد أن يجازي ابنه بهدية ثمينة باهظة الثمن تليق بمكافأة «نبيه» على تفوقه ونجاحه في الامتحان، فقرر أن يعود إلى اللجنة ويترجاهم مرة أخرى.
رقّ قلب اللجنة المنظمة لحال الرجل، لما رأوا فيه من إصرار وإلحاح، فوافقوا، لكن على مضض، على أن تكون لوحة «نبيه» ضمن اللوحات المعروضة، بشرط أن يخصص لها مكان على هامش الجدران، كي تترك المكان للوحات كبار الرسامين.
وافق الوالد على ذلك، وعاد إلى البيت وهو يحمل مفاجأة كبيرة للفنان الصغير.
سمع الصغير الخبر، فكاد يطير من الفرحة، وقد خال نفسه حينها حمامة تحمل بين جناحيها رسالة ممزوجة بطعم الفرحة والنضال… حمامة ينبعث من ريشها السلام، ومن بريق عينيها جرح غائر يشع أنينا، ومن هديرها نغمة حائرة ثائرة، ألفت قلب طفل صغير مسكنا لها.
سلّم الوالد لوحة الصغير إلى اللجنة المنظمة، وتم وضعها على جدار هامشي.
كانت كل اللوحات معلقة في أماكنها التي تليق بها، إلا لوحة الصغير، فقد كانت معلقة على جدار يبدو هامشيا، وكأنها لوحة لا ترقى لأن تكون بين لوحات المعرض.
أنهت اللجنة المنظمة وضع كل اللوحات، وبدأ الاستعداد لاستقبال الزائرين.
وما هي إلا ساعة حتى امتلأ المكان بالناس الذين أتوا من كل صوب وحدب ليتفرجوا على أعمال الرسامين، الذين كانت مجرد أسمائهم تبعث على العبقرية والنجومية.
بدأ الزائرون ينتقلون من لوحة إلى أخرى، وهم يشاهدون اللوحات.
لم تمض إلا دقائق حتى هرع جل الزائرين نحو لوحة واحدة، وقد احتشد كل الناس أمامها، بعد أن تركوا كل اللوحات المعروضة.
انتبه المشرفون إلى ما يحدث، فهرولوا مسرعين نحو موقع الحدث.
كانت دهشتهم كبيرة، وقد ظل الجمع مشدوها لما حصل.
كانت لوحة الكوفية… لوحة «نبيه»، حيث الجدار الهامشي.
كانت لوحة «نبيه» ذلك المغناطيس الذي جذب إليه كل القلوب.
ظل الطفل يحاول أن ينفلت من بين الازدحام، محاولا أن يجد موقعا لقدميه اللتين كانتا ترتعشان من هول الحدث الذي لم يتوقعه أحد.
حار الناس بين مشاهدة اللوحة وبين الإمساك بالطفل قصد تقبيله وتهنئته، لكن الصغير وجد الأمر غريبا، فظل يختبئ وراء والده مستغربا ما يقع.
شعر الجمع بأن الطفل يتهرب خجلا منهم، فاتجهوا نحو الوالد يقبلون رأسه ويهنئونه على لوحة ابنه، الذي ظلت عيناه تتحركان… تحاولان فهم ما يحدث.
هتف أحد الحضور، وقد تسلل من بين الناس وأمسك بيد أبي «نبيه»، ثم قال:
ــ ما سعر هذه اللوحة؟
تجمد لسان الأب، الذي لم ينتظر مثل هذا السؤال، فصار ينظر إلى الرجل تارة، وإلى ابنه تارة أخرى، وقد تذكر ما تعانيه أسرته من فقر وحرمان.
هتف آخر:
ــ بل أنا من يشتريها، فهلا تفضلتم سيدي بالكشف عن سعرها؟
وسّع الأب هذه المرة من حجم عينيه، ثم صار ينظر إلى ابنه ولسان حاله يقول:
«إنها فرصتنا يا صغيري، سأطلب ثمنا باهظا».
ضاق الناس صبرا من سكوت الأب وابنه، فطفقوا يحددون السعر بأنفسهم.
صارت الأسعار ترتفع وتتزايد من شخص إلى آخر، والأب ينسج الأماني في كل مرة، ويتخيل السعادة التي تنتظره بعد تسلم ملايين الدراهم التي كانت تعرض عليه.
وبينما كان الوالد هائما في خياله وأحلامه، كان «نبيه» ما زال يفكر في لوحته، وقد سرح خياله إلى أمر الكوفية… تذكر حينها فقرة الأخبار التي كان أبوه يدمن على متابعتها، فلاحت أمامه كل مشاهد البؤس المؤلمة… مشاهد تقتيل الأطفال والنساء والشيوخ، لحظة أيقظت إنسانيته الطاهرة وغيرته التي غابت عن قلوب أخرى.
وسّع قلب «نبيه» العالم في ألوان الجمال، وكأنها اختارته صوتا يبث فيها روحه الطاهرة، فأضحت أرواحا تدب على صفحة القماش الأبيض… هو نفس القماش الذي تلطخ بلون الدماء على شاشة التلفاز، إلا أن قماش اللوحة كان قماشا يتلألأ نورا، وكأنه يتغذى من بهاء القمر أو من نور السماء، وقد صادف قلبا صغيرا لم يطق صبرا على ألوان الظلم.
أدرك الوالد حينها الوهن والمهانة اللذين كانا يجثمان على قلوب الناس وهم يتفرجون على أطفال أبرياء يقتلون، وقد جفت ضمائرهم وماتت بصائرهم.
أمسك الصغير يد أبيه، وطفق يتأمل في وجوه الناس…
هؤلاء الرسامون الذين تشرنقت أرواحهم بكل أنواع الجمال، إلا جمال أرواح الشهداء والثكالى، كانت لوحاتهم صماء، لأن القلوب عمياء، لا ترى النور… لا ترى الضياء.
ماتت قلوب، وولد قلب… ماتت قلوب وعاش قلب… ومن محراب لوحة ولدت روح… انبعث منها إنسان طاهر لم تتعكر روحه بذل السكوت والخذلان، ولا بضيق الفاقة أو الحرمان.
وبينما كانت أصوات الناس ما تزال تهتف، محاولة الإرساء على سعر اللوحة الذي ظل يتزايد، انتشل «نبيه» لوحة قلبه من الجدار الذي لم يعد جدارا هامشيا، إذ أضحى حينها جدارا يرنو من أعالي التاريخ المشرق، فكانت كوفية اللوحة وسام شرف وسؤدد.
كان الجدار يبتسم فخرا من عبق الشهامة التي كان يحملها فوقه، وقد كاد ينقض على رؤوس الحاضرين ويعانق الصغير عناقا تنبعث منه زغرودة أم بوليدها الشهيد.
أمسك «نبيه» بيد أبيه متجها صوب الباب، ثم طفق مغادرا المعرض، وأعين الحاضرين تتأمل الصغير الذي تجسد ملاكا في هيئة طفل.
تذكر الأب حينها عبارة الفيلسوف جيلبرت تشسترتون: «إلهي، ما بال هذا العالم مليء بالأطفال العباقرة والكبار الحمقى؟!».
أما «نبيه»، فظل يردد بأعلى صوته وهو يتأبط لوحته التي كانت تبدو أكبر من حجمه:
فلسطين لا تباع…
فلسطين لا تباع…
فلسطين لا تباع…