مسائل في فقه الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ تمهيد

 ـ أهمية الصلاة في الإسلام

 ـ مسائل في باب الصلاة:

 ـ المسألة الأولى: في صلاة الجماعة

ـ المسألة الثانية: في أحكام سجود السهو

ـ المسألة الثالثة: الشك والوسوسة في الصلاة

ـ المسألة الرابعة: في أحكام المسبوق الذي لم يفارق الإمام

 ـ الفريضة والنافلة بين الوصل والفصل

تمهيد

“بعد الطهارة الصلاة. الصلاة الموقوتة المحسوبة بركعاتها وسجداتها وقيامها وقعودها وقراءتها وتشهدها وواجباتها وسننها وكيفياتها في وضع الأعضاء وتسوية الصف وأحكام الإمام والمأموم. الصلاة طاعة يطيعها الجسم والعقل. الصلاة وقفة العبد أمام ربه يناجيه ويدعوه ويتضرع إليه. نداء المؤذن إليها نفير إلى الفلاح. الصلاة فلاح. من أضاعها وأخل بشرط من شروط اعتدالها واطمئنانها وخشوعها نقص دينه، وسقط على أم رأسه ولو ناضل بكل ماله وقواه ليقيم في زعمه الخلافة الإسلامية”[1].

أهمية الصلاة في الإسلام

رفع الإسلامُ شأنَ الصلاة، وعظَّم ذِكرَها، وأعلى مكانتَها، فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بُني الإسلامُ على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت[2].

والصلاة هي أول ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة، فإنْ صلحتْ، صلح سائرُ عمله، وإن فسَدَتْ، فَسَدَ سائِرُ عمله، ولها فضائل أكثر من أن تحصى، فهي كَفَّارةٌ للخطايا والذنوب، قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ (هود: 114)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أرأيتُم لو أن نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ منه كلَّ يوم خمسَ مرات، هل يبقى مِن درنه شيءٌ؟“، قالوا: “لا يبقى مِن درنه شيء”، قال: “فذلك مثل الصلواتِ الخمس، يَمْحُو اللهُ بهن الخطايا[3].

والصلاة نور للعبد، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الطهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزانَ، وسبحان الله والحمد لله تملآن – أو تملأ – ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآنُ حُجَّة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه، فمعتِقُها أو مُوبقُها[4]. ويجب أن تُؤَدَّى الصلاة في أوقاتها المحدَّدة شرعًا؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]. وأداء الصلاة في وقتها مِن أحبِّ الأعمالِ إلى الله؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: “الصلاةُ على وقتها“، قال: ثم أي؟ قال: “ثم بِرُّ الوالدين“، قال: ثم أي؟ قال: “الجهادُ في سبيلِ الله[5].

مسائل في باب الصلاة:

المسألة الأولى: في صلاة الجماعة

بيّن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الصلاة في جماعةٍ يزيد أجرها عن الصلاة منفرداً بدرجاتٍ عديدةٍ، من ذلك أنّه قال عليه السّلام: “صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضَعَّفُ على صلاتِه في بيتِه، وفي سُوقِه، خمسًا وعشرين ضِعفًا، وذلك أنّه: إذا توضَّأَ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثم خرَج إلى المسجدِ، لا يُخرِجُه إلا الصلاةُ، لم يَخطُ خُطوَةً، إلا رُفِعَتْ له بها درجةٌ، وحُطَّ عنه بها خَطيئَةٌ، فإذا صلَّى، لم تَزَلْ الملائكةُ تصلي عليه، ما دام في مُصَلَّاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحَمْه، ولا يَزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتَظَر الصلاةَ[6]، ولا عذر للمسلم في التخلّف عن صلاة الجماعة طالما أنّه سمع النداء للصلاة.

وبالرجوع إلى ثراثنا الفقهي نجد أن فقهاءنا قد اختلفوا في حكم صلاة الجماعة، قال ابن رشد: “ذهب الجمهور إلى أنها سنة أو فرض على الكفاية، وذهبت الظاهرية إلى أن صلاة الجماعة فرض متعين على كل مكلف”[7].

وقال أحمد وأبو ثور وعطاء وداود: إنها فرض عين على كل مكلف من الرجال القادرين عليها كالجمعة، وإنها لا تجزئ الفذ الصلاة إلا بعد صلاة الناس، وبعد أن لا يجد قبل خروج الوقت من يصلي معه”[8].

ولا ينبغي للمؤمن السالك طريق الحق سبحانه أن يتخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر شرعي، بل يتعين عليه إقامتها في المسجد مع الجماعة، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في وصيته: “وأوصي بالصلاة، إقامتها في المسجد والجماعة مع التحري الجميل في الطهارة اتّباعا منتبها لسنة رسول الله ﷺ في الحركات والسّكنات والمواقيت والكيفيات. الصلاة! الصلاة! الصلاة! الصلاة عمود الدين وعماده. فسطاط الدين وأوتاده. إقامة الصلاة دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لنفسه ولذريَّته قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾”[9].

المسألة الثانية: في أحكام سجود السهو:

جُبل الإنسان على النسيان، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا»، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال «ما شأنكم؟» قالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: «لا»، قالوا: فإنك قد صليت خمسا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون»[10].

أولا: حكم سجود السهو وصفته ومحله

حكم سجود السهو:

سجود السهو سنة في الصلاة، سواء كانت فريضة أم نافلة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “لكل سهو سجدتان[11]، فلم يفرّق بين فريضة ونافلة.

2 ـ صفة سجود السهو:

وصفته: سجدتان يسجدهما المصلي بعد التشهد الأخير قبل السلام أو بعده، يتشهد بعدهما ثم يسلّم.

3 ـ محل سجود السهو:

إذا ترتب على المصلي سجود سهو، فعليه أن يسجده في محله، وله محلان:

أ ـ قبل السلام: إن كان لنقص سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فأكثر، يقول الأخضري رحمه الله: “فللنقصان سجدتان قبل السلام، بعد تمام التشهدين، يزيد بعدهما تشهدا آخر”[12].

ب ـ بعد السلام: إن كان لزيادة شيء يسير في الصلاة، يقول الأخضري: “وللزيادة سجدتان بعد السلام يتشهد بعدهما ويسلم”[13].

وأما من ترك فرضا من الفرائض[14] فلا بد من الإتيان به، ولا يُجزئه السجود.

ثانيا: حكم اجتماع النقص والزيادة في الصلاة:

إذا سها المصلي واجتمع في صلاته نقص وزيادة، فإنه يغلّب النقص على الزيادة ويسجد قبل السلام. ومن ترتب عليه سجود قبلي فنسيه حتى سلّم، فإنه يسجده بعد السلام إن كان قريبا من وقت السلام ولم يخرج من المسجد، فإن طال الوقت أو خرج من المسجد بطلت صلاته إن كان السجود ترتب عن ثلاث سنن[15] فأكثر، وإلا فلا تبطُل.

ومن ترتب عليه سجود بعدي فإنه يسجده متى تذكره ولو بعد عام، كما قال الأخضري رحمه الله: “ومن نسي السجود البعدي، سجده ولو بعد عام”[16].

ويكون السجود البعدي لزيادة شيء من الأقوال والأفعال. والحكمة من تشريع سجود السهو؛ بيان سعة رحمة الله بعباده، وتجاوزه عما يقع منهم من خطإ أو سهو.

ـ أسباب السجود البعدي:

لِتَرتُّب السجود البعدي أسباب، منها:

ـ أن يتكلم المصلي ساهيا، فإن فعل ذلك سجد سجدتين بعد السلام، وصلاته صحيحة؛ لأنه معذور بالسهو، إلا إذا أكثر الكلام أو تعمده، فتبطل صلاته.

ـ أن يزيد في الصلاة ركعة أو سجدة.

ـ ثالثا: حكم السهو في صلاة القضاء والنافلة

السهو في صلاة القضاء، مثلُ السهو في صلاة الأداء، فإذا سها المصلي في صلاة القضاء بزيادة؛ سجد لها بعديا، وإذا سها بنقصان سجد سجودا قبليا.

ـ حكم السهو في صلاة النافلة

السهو في صلاة النافلة مثلُ السهو في صلاة الفريضة، إلا في مسائل، وهي:

ـ من نسي الفاتحة في النافلة، ولم يتذكر إلا بعد الرفع من الركوع، لا يقطع صلاته، ويضيف ركعة أخرى، ويسجد بعد السلام للزيادة.

ـ من نسي السورة، أو السر أو الجهر، ولم يتذكر إلا بعد الركوع، يتم صلاته، ولا شيء عليه، بخلاف السهو في الفريضة، فإن عليه السجود القبلي في نسيان السورة والجهر، والبعدي في نسيان السر.

وحكم من كان في صلاة النافلة، إذا قام إلى ثالثة؛ يدور بين أمرين:

الأول: أن يتذكر قبل عَقد ركوع الثالثة، وحينها يرجع إلى الجلوس ويسلم، ويسجد بعد السلام.

الثاني: أن يتذكر بعد الركوع، وعليه حينها أن يتمادى في صلاته، ويضيف إليها ركعة رابعة، ويسجد قبل السلام.

وحكم النافلة إذا سها عن ركوع أو سجود، ولم يتذكر حتى سلم، فلا إعادة عليه.

وإلى ذلك أشار الأخضري رحمه الله: “وَالسَّهْوُ فِي النَّافِلَةِ كَالسَّهْوِ فِي الْفَرِيضَةِ إِلَّا فِي سِتِّ مَسَائِلَ: الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ وَالسِّرِّ وَالْجَهْرِ، وَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ وَنِسْيَانِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ إِنْ طَالَ، فَمَنْ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ فِي النَّافِلَةِ وَتَذَكَّرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ تَمَادَى وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يُلْغِي تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَزِيدُ أُخْرَى وَيَتَمَادَى وَيَكُونُ سُجُودُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَارِكِ السُّجُودِ. وَمَنْ نَسِيَ السُّورَةَ أَوِ الْجَهْرَ أَوْ السِّرَّ فِي النَّافِلَةِ وَتَذَكَّرَ بَعْدَ الرُّكُوعِ تَمَادَى وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ. وَمَنْ قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ فِي النَّافِلَةِ فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ عَقْدِ الرُّكُوعِ رَجَعَ وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ عَقَدَ الثَّالِثَةَ تَمَادَى وَزَادَ الرَّابِعَةَ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مَتَى مَا ذَكَرَ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَمَنْ نَسِيَ رُكْنًا مِنْ النَّافِلَةِ كَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى سَلَّمَ وَطَالَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا أَبَدًا”[17].

المسألة الثالثة: الشك والوسوسة في الصلاة

إذا شك المصلي في صلاته، فإما أن يشك وسط الصلاة، أو آخرها، وتفصيل ذلك كالآتي:

ـ إذا شك المصلي وسط الصلاة، كما إذا شك في ركعة أو سجدة، هل أتى بها أم لا؟ أتى بما شك فيه وسجد بعد السلام، والشك في النقصان؛ كتحقق النقصان.

ـ إذا شك في آخر الصلاة، كما إذا شك هل سلم أم لم يسلم، سلم إن كان قريبا من وقت سلامه ولا سجود عليه، فإن طال ما بين شكه، ووقتِ سلامه، بطلت صلاته.

وأما الموَسوَس وهو من يصيبه الشك كثيرا، فلا يبالي بالوسوسة، ولا يأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام.

وفي ذلك يقول الأخضري: “وَمَنْ شَكَّ فِي كَمَالِ صَلَاتِهِ أَتَى بِمَا شَكّ فِيهِ، وَالشَّكُّ فِي النُّقْصَانِ كَتَحَقُّقِهِ. فَمَنْ شَكَّ فِي رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ أَتَى بِهَا وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ شَكَّ فِي السَّلَامِ سَلَّمَ إِنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْمُوَسْوَسُ يَتْرُكُ الْوَسْوَسَةَ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَا يَأْتِي بِمَا شَكَّ فِيهِ وَلَكِنْ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ سَوَاءٌ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ”[18].

ـ المسألة الرابعة: في أحكام المسبوق الذي لم يفارق الإمام:

للمسبوق حالتان:

ـ إن أدرك أقل من ركعة، لا يخل مع الجماعة فيما يترتب عليها من سجود قبلي أو بعدي، فإذا سجد الإمام سجودا قبليا، أو سجودا بعديا لسبب اقتضاه، فلا يدخل معه لا في السجود القبليّ ولا في البعديّ.

ـ إن أدرك ركعة من الصلاة فأكثر، يتبع الإمام في السهو وله حالتان:

أ ـ إن ترتب على الإمام سجود قبلي لسبب اقتضاه، فإنه يتْبَع الإمام، فإذا سجدَ سجدَ معه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدارقطني: “ليس على من خلف الإمام سهو، وإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه[19].

ب ـ إن ترتب على الإمام سجود بعدي، فلا يسجد معه المأموم، بل يؤخّر البعدي حتى يُتم صلاته ثم يسجد، فإن خالف وسجد البعدي مع الإمام، بطلت صلاته، وإلى هذا أشار الأخضري: “وَالْمَسْبُوقُ إِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَا يَسْجُدُ مَعَهُ لَا قَبْلِيًّا وَلَا بَعْدِيًّا فَإِنْ سَجَدَ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً كَامِلَةً أَوْ أَكْثَرَ سَجَدَ مَعَهُ الْقَبْلِيَّ وَأَخَّرَ البَعْدِيَّ حَتَّى يُتِمَّ صَلَاتَهُ فَيَسْجُدَ بَعْدَ سَلَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ” وأضاف رحمه الله: “وَإِنْ سَهَا الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَهُوَ كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْمَسْبُوقِ بَعْدِيٌّ مِنْ جِهَةِ إِمَامِهِ وَقَبَلِيٌّ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ أَجْزَأَهُ الْقَبْلِيُّ”[20].

الفريضة والنافلة بين الوصل والفصل

ذهبت طائفة من العلماء إلى وصل صلاة النافلة بصلاة الفريضة، دليلهم في ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه، قال رحمه الله: باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام. .. عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة..”[21].

وعلى هذا مذهب الأحناف، قال ابن حجر: “الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أولا يتطوع، الأول اختلف فيه، هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع؛ وهذا الذي عليه عمل الأكثر. وعند الحنفية يبدأ بالتطوع”[22].

وقد ذكر بدر الدين العيني الحنفي أنّ: “القيام إلى السنة متصلا بالفرض مسنون”[23].

والذي عليه أكثر العلماء ـ كما نص ابن حجر سابقا ـ هو فصل النافلة بالفريضة، ولذلك يستحب للمصلي أن يفصل بين الفريضة والنافلة بكلام أو التنحي من مكانه، ودليل الفصل المذكور ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة؟ “فَقَالَ: نَعَمْ. صَلّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ. فَلمّا سَلّمَ الإمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي. فَصَلّيْتُ. فَلَمّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيّ فَقَالَ: لاَ تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ. إِذَا صَلّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلاَ تَصِلْهَا بِصَلاَةٍ حَتّىَ تَكَلّمَ أَوْ تَخْرُجَ. فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذَلِكَ. أَنْ لاَ تُوصَلَ صَلاَةٌ بِصَلاَةٍ حَتّىَ نَتَكَلّمَ أَوْ نَخْرُجَ[24].

قال الإمام النووي رحمه الله:”فيه دليل لما قاله أصحابنا أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى البيت، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة. وقوله (حتى نتكلم) دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضاً ولكن بالانتقال أفضل لما ذكرناه. والله أعلم”[25].

والحمد لله رب العالمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  ـ محنة العقل المسلم للإمام عبد السلام ياسين، ص: 44.

[2]  ـ سنن الترمذي، كتاب أبواب الإيمان، باب ما جاء في بني الإسلام على خمس، رقم الحديث: 2609

[3]  ـ صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الصلوات الخمس، رقم: 667

[4]  ـ صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم: 223

[5]  ـ صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} رقم: 5970

[6]  ـ صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، رقم: 647

[7]  ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، 1/150

[8]  ـ مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطّاب، 2/ 81 ـ 82

[9]  ـ وصيتي، للإمام عبد السلام ياسين، ص: 17

[10]  ـ صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم: 572

[11]  ـ سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من نسي أن يتشهد وهو جالس، رقم الحديث: 1038

[12]  ـ متن الأخضري في العبادات على مذهب مالك، ص: 16

[13]  ـ متن الأخضري في العبادات على مذهب مالك، ص: 16

[14]  ـ وهي أربع عشرة فريضة: النية، تكبيرة الإحرام، القيام لتكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، القيام لقراءة الفاتحة، الركوع، الرفع من الركوع، السجود، الرفع من السجود، الاعتدال، الطمأنينة، الترتيب بين فرائض الصلاة، السلام، الجلوس الذي يقع فيه السلام.

[15]  ـ وهي ثمانية: قراءة السورة أو آية منها والقيام لقراءتها، السر في الصلاة السرية، الجهر في الصلاة الجهرية، قول سمع الله لمن حمده في حق الإمام والمنفرد وأما المأموم فيقول: اللهم ربنا لك الحمد، التكبير سوى تكبيرة الإحرام، التشهد الأول والثاني، الجلوس لهما، تقديم الفاتحة على السورة.

[16]  ـ متن الأخضري في العبادات على مذهب مالك، ص: 16

[17]  ـ متن الأخضري في العبادات على مذهب مالك، ص: 22 ـ 23

[18]  ـ  متن الأخضري في العبادات على مذهب مالك، ص: 17

[19]  ـ سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب ليس على المقتدي سهو وعليه سهو الإمام، رقم: 1418

[20]  ـ  متن الأخضري في العبادات على مذهب مالك، ص: 21

[21]  ـ صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب مكث الإمام في مصلاّه بعد السلام، رقم: 848

[22]  ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 2/335

[23]  ـ البناية شرح الهداية، لبدر الدين العيني الحنفي، 2/520

[24]  ـ صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، رقم: 883

[25]  ـ  المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي، 6/170 ـ 171

اظهر المزيد

د. عبد الإلاه بالقاري

تخصص علوم القرآن وأصول الفقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: