يوم الجمعة وكيد الأعداء

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

المحاور الأساسية

– تقديم

– أول من سماها ب”الجمعة”

– مكانة يوم الجمعة في الإسلام

– مكانة يوم الجمعة عند المسلمين

– موقف أعداء الدين من يوم الجمعة

– ما آل إليه الأمر في بلدنا: المغرب الأقصى

– أصل “جوع كلبك يتبعك”

– الكيد لخطبة الجمعة

– ويأبى الله إلا أن يتم نوره

– خاتمة

 

تقديم:

إن الحقد الدفين الذي يكنه الكفار ومن على شاكلتهم للمسلمين منذ القديم؛ جعلهم لا يألون جهدا في الكيد للإسلام وللمسلمين قصد استئصال شأفتهم والقضاء على كل ما يقوي صفهم ويجمع شملهم ويوحد كلمتهم. من هذه المكائد ما دبروه ويدبروه ليوم الجمعة.

أول من سماها ب”الجمعة”.

ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره(1): “إن هذا اليوم كان يسمى ب ” العَروبة” وأورد أقوالا فيمن سماه جمعة فقال:

– إن أول من سماها جمعة الأنصار. قال ابن سيرين رحمه الله: “جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه في كل سبعة أيام وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه، ونستذكر ـ أو كما قالوا ـ فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة “وهو أبو أمامة رضي الله عنه “، فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكّرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغذوا منها لقلتهم، فهذه أول جمعة في الإسلام.(2)

مكانة يوم الجمعة في الإسلام

عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيَّامِ، وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ، فِيهِ خَمْسُ خِلالٍ:

1 – خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ.

2 – وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ.

3 – وَفِيهِ تَوَفَّى اللَّهُ آدَمَ.

4 – وَفِيهِ سَاعَةٌ لا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ، مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا.

5 – وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلا سَمَاءٍ وَلا أَرْضٍ وَلا رِيَاحٍ وَلا جِبَالٍ وَلا بَحْرٍ إِلا وَهُنَّ يُشْفِقْنَ ” أي يخفن” مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) (3).

ونظرا لما لهذا اليوم من مكانة عظمى عند الله، فإنه سبحانه وتعالى ادخره لأفضل الأمم التي هي الأمة المحمدية.

عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلائِقِ ) (4).

وروى الطبراني في “الأوسط” بإسناد جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال🙁 عرضت الجمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه بها جبريل عليه السلام في كفه كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير. تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو له قسم إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ) (5)

مكانة يوم الجمعة عند المسلمين

نظرا لما لهذا اليوم من مكانة عظيمة في نفوس المؤمنين؛ فإنهم ألفوا عنه كتبا عديدة ذكروا فيها خصوصياته وفضله على سائر أيام الأسبوع حتى يكونوا على علم بفضل ومكانة هذا اليوم؛ ويولوه ما يستحقه من اهتمام، لأن العلم باب العمل. وهذا على سبيل المثال لا الحصر ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى له كتاب سماه “الهدى ليوم الجمعة” ذكر فيه بضعا وعشرين خصوصية، وهذا السيوطي رحمه الله له كتاب تحت عنوان “نور اللمعة في خصائص الجمعة” ذكر فيه مائة خصوصية لهذا اليوم. وكيف لا تعطى لهذا اليوم كل هذه الأهمية وقد شرّفه الله عز وجل، إذ فيه يجتمع المسلمون في بيوت الله، ويستجيبون لداعي الله، راغبين فيما عنده سبحانه وتعالى، وحريصين على إعلاء كلمة الله في قلوبهم، ثم في مجتمعهم، فيكون حضورهم نقطة تحول من عدم مبالاة إلى طرح ضرورة الاختيار، من غفلة لذكر، من ضياع لهدى، وعندئذ يدركون بهذا التجمع الأسبوعي أن المسلم لا يبنى فردا إلا في جماعة، ولا يتصور الإسلام قائما إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط، وذات نظام، وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض، وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي”.

موقف أعداء الدين من يوم الجمعة.

لقد تبين لأعداء الله من الكفار وممن على شاكلتهم من بني جلدتنا خطورة هذا اليوم، فدبروا الحيل لإفراغه من محتواه، وتظهر مكائدهم من خلال ما قاله أحد المبشرين في تقريره الذي يبين فيه إخفاق حركته التبشيرية في البلاد الإسلامية:” سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير المسيحي ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع:

1 ـ القرآن

2 ـ والأزهر

3 ـ واجتماع الجمعة الأسبوعي

4 ـ ومؤتمر الحج السنوي”.

وهكذا تألبت قوى الشر على هذه الدعائم قصد نسفها، ” واشتدت الوطأة على عمّار المساجد، وطرأ على دول الجبر اهتمام ملح بالمساجد، والصلاة، وخطبة الجمعة، ونشأت عند رواد الفتنة حساسية إسلامية يبادرون إلى الحج والصلاة على التلفزيون والتأكيد على إسلامهم، إسلام رسمي احتل المساجد وأمّمها وعمّرها بالخطب الرسمية والوعظ الرسمي الناعس ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين”، لقد أدركوا جيدا أن من المسجد كانت الانطلاقة الأولى، ومن المسجد يصنع التاريخ الآن، وحوله يدور الصراع بين الإسلام والوثنية في الهند إذ حاول الهندوس الوثنيون هدم المسجد البابري وإقامة معبد لصنمهم ( راما) في مكانه. وبين الإسلام واليهودية الصهيونية في فلسطين إذ حاول الصهاينة هدم المسجد الأقصى، ومسجد الصخرة، ولا زالت المحاولات مستمرة على قدم وساق لإقامة هيكلهم المزعوم مكانه، وحاولوا إحراق المسجد الأقصى عام 1969 ميلادية.

لقد أدركوا أن المسجد هو نقطة تجمع المسلمين، وبؤرة ضوء يلتفون حولها ويقتبسون من نورها، فعز عليهم أن يكون للمسلمين أي تجمع، وأن يهتدوا بأي نور، فأخذوا على أنفسهم عهدا أن يضربوا كل وحدة للمسلمين، وأن يقضوا على أية وسيلة يستمدون منها الشعور بذاتهم والحفاظ على خصائصهم، والتميز عن غيرهم.

أما ما يكاد للمسجد في الدول العربية، فإن هدم حكام الجبر للمساجد سيفضح لعبتهم ويكشف سريرتهم، لهذا تجدهم يتنافسون في بنائها وزخرفتها وإفراغها من محتواها. روى الحاكم في تاريخ نيسابور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( سيكون في آخر أمتي زمان يزخرفون مساجدهم ويخربون قلوبهم، يتقي أحدهم على ثوبه مالا يتقي على دينه، لا يبالي أحدهم إذا سلمت له دنياه ما كان من أمر دينه.)

ما آل إليه الأمر في بلدنا: المغرب الأقصى

بقي يوم الجمعة يوم عمل في المغرب الأقصى دون سائر البلدان العربية الأخرى، رغم الاستقلال الصوري الذي أحرزنا عليه. بل لم يعط للموظف وللعامل حتى الوقت الكافي لأداء صلاة الجمعة، واختيار المسجد “الأصلح” لسماع الخطبة. بل إن العديد من الشعب المغربي في المدن الكبيرة من لا يستطيع الجمع بين صلاة الجمعة وتناول وجبة الغذاء مع أبنائهم، وحضور العمل في الوقت المحدد بحكم أزمة المواصلات. وما القيام بكل هذه التدابير إلا لنزع قدسية هذا اليوم من نفوس الكثير من الأفراد، وحرمان الأمة من أداء الكثير من الأعمال الصالحة المرغب فعلها في هذا اليوم الأغر الذي هو يوم عيد أسبوعي، من اغتسال، وتبكير إلى المسجد، وتلاوة للقرآن، وإكثار من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء قصد موافقة الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، وغيرها من الأعمال… بالإضافة إلى هذا منعت السلطات البقية الباقية من الخطباء من أبسط حقوقهم المشروعة التي أمر الإسلام بها وهي الاتصال بالناس في بيوت الله، وإلقاء الخطب التي توعي أفراد الأمة المغربية بدورهم في الحياة الدنيا، وربطهم بالدار الآخرة – مصيرهم المحتوم -، وشُدد الخناق على الخطباء الصادقين، وطرد كل من فيه رائحة صدق وإخلاص، وعدم الولاء لأحد إلا لله، لا لشيء إلا لكون هذا الصنف من الخطباء قد أوضح خطه وتوجهه، وأبى أن يركع لغير الله، كما أبى أن يستدرج إلى العنف رغم الاستفزازات التي تمارس عليه من قبل السلطة وتتخذ صورا وأشكالا متعددة، منها التضييق عليه في الجانب المادي، إذ مورس عليه مبدأ “جوع كلبك يتبعك”.

أصل “جوع كلبك يتبعك”

هذا المبدأ الذي يرجع أصله إلى عهد الحميريين، ولا بأس من معرفة أصل هذا المثل لما فيه من فائدة ـ جاء في مجمع الأمثال للميداني أن أول من قال ذلك ملك من ملوك حمير، كان عنيفا على أهل مملكته، وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه فلا يحفل بذلك، وأن امرأته سمعت أصوات السّؤّال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهود، فرد عليها “جوع كلبك يتبعك” فلبث بذلك زمانا ثم أغزاهم فغنموا ولم يقسم فيهم شيئا، فلما خرجوا من عنده قالوا لأخيه وهو أميرهم: قد ترى ما نحن فيه من الجهد فساعدنا على قتل أخيك، واجلس في مكانه، فأجابهم إلى ذلك، فوثبوا عليه فقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول وقد سمع بقوله: “جوع كلبك يتبعك” فقال: ” ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل شبعه، وأرسلها مثلًا يردده العامة منذ ذلك الحين”.

القلاع الحصينة لا تسقط إلا من الداخل! واقرؤوا التاريخ؛ فكل نظام سقط على أيدي أعدائه الخارجيين كان قد سقط قبل هذا بكثير من الداخل، والأنظمة الظالمة التي رأيناها تسقط بعد مظاهرات الربيع العربي التي انفجرت في وجه الطغاة في الأنظمة المستبدة؛ سقطت ليس لأن المظاهرات كانت صلبة، ولكن لأن الأنظمة كانت هشة، والذي لا يحميه عدله لا يحميه جنده!

إن أسوأ سياسة في الحكم هي سياسة التجويع، والتطويع عن طريق الحرمان، فالحاكم الذكي لا يخاف إذا شبع الناس، ولكنه يخاف إذا جاعوا، وسياسة التجويع لنيل التبعية لا زالت ماثلة في عصرنا الحالي، سارية بالقوة في أنظمة استبدادية لا زالت باقية وتنتظر دورها بعد أن يأخذ الظلم ذروته.

الصورة المعاصرة ماثلة أمام أعيننا في هذا الزمن الرديء، ويمكننا أن نرى هؤلاء على الطبيعة من خلال باقي الطغاة الذئاب، فعليهم أن يحذروا غضبة الكلاب- الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى الجوع، جوع الكلاب للطعام، فكثير من الناس يشبهون الكلاب من حيث طباعهم- من بصبصة تبدو في هزة ذيل أو ذنب، هو أمر صحيح، لأن الإنسان الذي رضي أن يهبط عن مستوى الإنسانية إلى مستوى الكلاب- التي لا همَّ لها إلا إشباع بطونها وفروجها، وحين يحين الوقت لن تستطيع أي قوة مهما بلغت أن تمنع الانفجار؛ لأنها سنة الله، قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (6)، ويقول سبحانه: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (7)

قصة هذا المثل العربي يعرض بالتأكيد حالة استبداد الناس وتجويعهم كي يتبعوا الحاكم من الخوف، وهو يمتثل أمام أعيننا بالقوة هذه الأيام، فحكام بعض الأنظمة تمادوا في تعاملهم بفظاظة وغلظة، وهذا لا يصلح مع شتى ألوان الناس، فهناك اللئام وهناك الكرام، فلا نتبع الأمثال دون أن نعرف مع أي لون نتعامل. وأجمل تبعية يمكن تحقيقها هي عن طريق امتلاك القلوب! (8)

الكيد لخطبة الجمعة

1 – يبدأ الكيد بانعدام التكوين الجادّ للخطباء حتى لا يؤدي المسجد دوره.

2 – فرغت الخطبة من محتواها.

3 – لم يخصص للخطيب أجرة كافية للاستعانة بها على شراء المراجع.

4 – التضييق عليه بالمراقبة والمتابعة وإحصاء الكلمات عليه.

5 – طرد العديد من الخطباء، وإعطاء نموذج بهم.

ويأبى الله إلا أن يتم نوره.

ورغم التخطيطات والمكائد التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين، والخطباء، والعلماء، والمساجد، والمعاهد الدينية، فإن اجتماع المؤمنين والمسجد والجمعة لن ينقطع عطاؤها، وستبقى تعطي ثمارا يانعة، وستعرف مواقف مشرفة في الكثير من الأقطار عموما وفي المغرب خصوصا، لأن هذا الأمر مؤيد بالله، ويستحيل أن يطفئ أحد نور الله، وإن طال ظلام الليل فسيعقبه الصبح، قال تعالى:( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (9)

فما على الأنظمة في العالم العربي عموما، وفي المغرب خصوصا، إلا أن يغيروا سياسة الإقصاء والتهميش والتضييق والتجويع والمكر، ويجعلوا محلها لغة الحوار.

خاتمة

إذا كانت بيوت الله في الأرض هي المساجد، وأن عمارها زوارها، – كما جاء في الحديث القدسي- فسيبقى المسجد إن شاء الله عبر العصور معقلا للأحرار، ولا يغني حذر الحكام من قدر الله، فإذا جاء القدر عمي البصر. أما الخطباء الصادقون الذين طردوا من بيوت الله بالعنف والاعتقال والتعذيب فلن تستفزهم هذه التصرفات، بل لا تزيدهم جهالة الجاهلين إلا حلما، فليبقوا محافظين في سيرهم الدعوي الذي يعرف زمانا ولا مكانا على كل وسائل اللين والحكمة ليصدعوا بكلمة الحق ولتبلغ رسالة الإسلام للعباد في القطر كله، وخارج القطر ناصعة لا غبش عليها ولا غلس ـ والواقع المعيش خير دليل على ذلك ـ غير هيابين من أحد أو عابئين بتهديد أحد، جاعلين نصب أعينهم قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (10)، وقوله عز وجل:( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (11)، سائرة على المنهاج النبوي الذي يبين لها صوى الطريق اللاحبة التي تسلكها. أما آثار توقيف هؤلاء الخطباء فكانت إيجابية إذ لم تزد مكانة هؤلاء الخطباء في قلوب الناس إلا تألقا، ولم تزدد علاقة الناس بهم إلا حبا، بل فضحت فراغ وزارة الأوقاف من الأطر المخلصة التي ستعوض هؤلاء الخطباء الصادقين والرحيمين بالأمة، ويلاحظ هذا من خلال فراغ هذه المساجد التي كانوا يخطبون فيها، ثم إن هذا التوقيف لهؤلاء الخطباء ـ الذين منهم من مارس الخطابة ما يقرب من ربع قرن ولم يتقاض أجرة من الوزارة الوصية ـ لم يزد أفراد الشعب المغربي الأبي إلا ثقة به.

ورحم الله من قال:

ألا رب ذي ظلم كمنت لحربـــــه**** فأوقعه المقدور أي وقوع

وما كان لي إلا سلاح تركـــــع**** وأدعية لا تتقى بـــــدروع

وهيهات أن ينجو الظلوم وخلفه****سهام دعاء من قسي ركوع

الهوامش

(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/97.

(2) ينظر هذا القول وغيره من الأقوال الأخرى في فتح الباري 2/353، والإنصاف 2/364، وكشاف القناع 2/20 – 21، ونيل الأوطار 3/222 – 223.

(3) رواه ابن ماجه (1084) . وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم (2279) .

(4) رواه مسلم (ح856)

(5) وروى الطبراني في “الأوسط” (ح2048)، وصححه الألباني في “صحيح الترغيب” (ح 694).

(6) سورة الأحزاب، الآية 62.

(7) سورة فاطر، الآية 43.

(8) بوابة الشرق الإلكترونية، خالد عبد الله الزيارة، الخميس 23/11/2017.

(9) سورة هود، من الآية81.

(10) سورة آل عمران، الآية 175.

(11) سورة الأحزاب، الآية 39.

 

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: