هكذا تحدث برنار لويس عن الإسلام والمسلمين

لماذا برنار لويس؟ 

يعتبر المستشرق برنار لويس اليهودي الديانة والبريطاني المولد والأمريكي الجنسية (1916-…)، من أشهر المؤرخين الغربيين والمستشرقين المعاصرين الذين أكثروا من الكتابة عن الإسلام والمسلمين والعرب، دينا وثقافة وتاريخا وسياسة، ويتميز باطلاعه الواسع على التراث الإسلامي القديم والحديث، ساعدته في ذلك معرفته بعدة لغات منها العربية والفارسية والتركية والعبرية فضلا عن الانجليزية والألمانية والفرنسية، كتب عن الإسلام كثيرا وأصدر أحكاما واستخلص خلاصات تنحو منحى التعميم والإطلاق في كثير من الأحيان، ونظرا لمكانته الاعتبارية – خبير الشؤون العامة في إدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية – فقد كان له بالغ التأثير في مثقفي القرن العشرين وعلى رأسهم فرنسيس فوكوياما وصموئيل هنتغتون. فكيف تحدث عن الإسلام؟ وهل وُفق في إنشاء تصور موضوعي للتاريخ والدين الإسلاميين؟ وكيف استشرف مستقبل الإسلام في تنبؤاته؟

في إنصاف الغرب

لا يفوتنا أن نؤكد على أن التفكير الغربي عرف مفكرين وفلاسفة وعلماء ناهضوا المركزية الغربية وفضحوا تحيزاتها، نذكر من أبرزهم مارتن برنال في كتابه الشهير “أثينا السوداء”، والذي يُعد من أبرز الدراسات الفكرية المقارنة التي قامت بتتبع جذور التأثير الإفريقي والآسيوي في الثقافة اليونانية، وجورج جيمس الذي فاجأ من خلال بحثه في الفلسفة وتاريخها المجتمعات الأكاديمية المهتمة بالدراسات الفلسفية المقارنة في الفضاء الغربي بكتابه “الموروث المسروق” محاججا فيه بالشواهد، وبالاعتماد على النصوص الفلسفية المصرية القديمة ليثبت بأن الإغريق ليسوا بمبدعي الفلسفة الإغريقية، بل إن المصريين هم مبدعوها من حيث الريادة والأصل، وجون إم هوبسون، صاحب كتاب “الجذور الشرقية للحضارة الغربية”([2])، وجي جي كلارك، صاحب كتاب “التنوير الآتي من الشرق”([3])، وإدغار موران في كتاب “ثقافة أوربا وبربريتها”([4])، وبيير روسي، في كتابه “التاريخ الحقيقي للعرب”([5])، وزكاري لوكمان، في كتابه “تاريخ الاستشراق وسياساته”([6])، وسيرج لاتوش في كتابه “تغريب العالم”([7])، وطوماس جولدشتاين في كتابه “المقدمات التاريخية للعلم الحديث” الذي بين فيه “التراثي الثقافي العظيم للإسلام…وثروة المعطيات التي قدمها الإسلام للغرب”([8])، وروجيه غارودي في مشروع ضخم وعميق أثبت أنه “لا يليق بالحضارة الغربية المسيحية الادعاء بأنها تلعب دور القاضي والمرشد إلى السلوك الحسن”([9])

عودة الإسلام وعداء الإسلام

ينتبه القارئ لمؤلفات لويس الغزيرة إلى أنها اتسمت في غالبها([10]) ببثِّ نظرة عدائية عامرةٍ بالتحيز للغرب ضد المسلمين، لذلك نجده ينعتهم بمختلف النعوت القدحية ويعزى تأخرهم عن أوروبا لأسباب دينية وثقافية. معتبرا أن العالم الإسلامي في حالة عداء وصراع أبدي مع العالم المسيحي، ويرجع ذلك الصراع إلى الطبيعة المختلفة للديانتين، وأن الحرب المقدسة عند المسلمين لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد. ونظرا لأنه كان من كبراء قادة التفكير الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ألهم بمقاله -الذي يحمل عنوان تخوفه من انتشار الإسلام- “عودة الإسلام”([11]) كل من صاموئيل هانتنغتون في “صراع الحضارات”، وفرانسيس فوكوياما، في “نهاية التاريخ”، بتبني الرؤية المتحيزة للغرب ضدا على كل الحضارات والثقافات الأخرى وعلى رأسها الحضارة الإسلامية، والدفاع عن النظرة الأحادية إلى العالم، وتحريض صناع القرار الأمريكيين على معاداة المسلمين عداءً عقديا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا، باعتبارهم قوة مستقبلية مهددة للغرب، مبينا من خلال توظيف جملة من الشواهد التاريخية أن “التكهنات الحالية بخصوص الإسلام كعامل ممكن في السياسات الدولية غير إيجابية”([12])، مما ساعد على استشراء ثقافة الخوف من الإسلام أو ما يسمى بــ”الإسلاموفوبيا” في أوساط المجتمعات الغربية التي أشبعتها وسائل الإعلام بمقولات نمطية من قبيل: “الإسلام نقيض الديموقراطية”، “الإسلام ضد الحرية”، “المسلمون يكرهوننا لأننا نحب الحرية!”، “المسلمون إرهابيون بطبيعتهم”… حتى قيل إنه الـمُنظِّر الأول لسياسة التدخل والسيطرة الأمريكية في العراق وأفغانستان.

الشرق الأوسط والتبعية للغرب الرأسمالي

ورغم إدراكه لأهمية منطقة الشرق الأوسط باعتبارها “مهد الحضارة الإنسانية والديانات التوحيدية. وفي العصور الوسطى كان موطن أول مجتمع عالمي ذي ثقافة بينية، بكل ما للكلمة من معنى، وكان مصدر ابتكارات وإنجازات عملاقة في كل حقل تقريبا من حقول العلوم والتكنولوجيا، والثقافة والفنون، كان قاعدة لإمبراطوريات متتالية، عظيمة، وشاسعة. وكانت آخر هذه الإمبراطوريات وأعظمها من نواح متعددة الإمبراطورية العثمانية.”([13]) إلا أنه يشكك في قدرة البلدان الإسلامية على الاستقلال الذاتي والتحرر من التبعية للغرب، التي يستحيل الفكاك منها لأنه يعتقد أن انتهاء السيطرة السياسية والعسكرية الغربية لا يلغي كون “التأثير العلمي-التكنولوجي والثقافي والمؤسساتي الكبير مازال مستمرا، بل متناميا. وكما في سائر أنحاء العالم غير الغربي (العالم الثالث) كان هذا التأثير هائلا، وسيستمر كذلك.”([14]) وهنا يغض الطرف عن الاحتلال الأمريكي العسكري للعراق، وقبله الاحتلال العسكري لفلسطين وأفغانستان. ولا يقبل أن تُتهم “إسرائيل أو اليهود أو الولايات المتحدة- والغرب عموما.”([15])

يقسم برنار لويس العالم إلى قسمين؛ قسم العالم المتفوق هو الغرب الرأسمالي المسيحي (الكافر في نظر المسلمين)، وقسم العالم المتخلف وهو ما سوى الغرب (ومنهم المسلمون). وكتب عن تاريخ الإسلام والمسلمين، بل انتقى من تاريخ المسلمين وواقعهم صورا توافق تلك النظرة الازدرائية التي يحملها الغرب عن الإسلام وعن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

الإسلام ظاهرة جماهيرية لا سامية

عن طريق التنميط والتعميم سحب تلك الصور النمطية على المسلمين والإسلام قديما وحديثا، واعتبر أن الإسلام لا يتطور والمسلمون لا يتطورون وأن الدين الإسلامي ظاهرة جماهيرية لا سامية، وأن “الإسلام دين مؤسسة بشر خالص”([16])، وأن سيرة النبي والصحابة عامرة بالأساطير([17])، على خلاف الديانة اليهودية التي امتدحها وأظهرها ديانة مدنية منفتحة على الآخر المخالف دينيا، مع العلم أنه كان أشهر المساهمين في مجلة “كومنتري” التي تعبر عن تفكير الصهيونية الجديدة، يقول: “وبما أن اليهودية لا تدعي حصر الحقيقة فيها، فإن الخلاص وفقاً للتعاليم اليهودية يمكن بلوغه لغير اليهود، شريطة أن يمارسوا التوحيد والأخلاق…فقد كان الاتفاق شاملا بين علماء اليهود بأن الإسلام دين توحيد”([18])، بل خصص كتابا كاملا ليبين أن الإسلام (الدين والثقافة) هو أزمة العصر([19])، وهو تحامل لا يستساغ منهجيا ولا معرفيا. والإسلام دين بلا فن حيث “قامت اللعنة التي وُجهت إلى التصوير بشلِّ أي تقدم في الفن الديني التمثيلي بشكل مؤثر، بينما منعت عدم الثقة في الموسيقى أي تقدم في الطقوس الدينية، فليس في الإسلام تراتيل أو فوجات أو أيقونات وتتكون الزينة الداخلية للمساجد غالبا من نصوص القرآن”([20])، وسمى الفتوحات بالغزو([21]) والاجتياح([22])، واعتبر أن “الإسلام دينا محارِبا أو في الحقيقة دينا عسكريا من بدايته كما اعتبر أتباعه محاربين متعصبين منهمكين في نشر دينهم وشريعتهم بالقوة المسلحة”([23]) وأنهم لا يتوقفون عن القتل إلا بمحو جميع الأديان، أي “إلى أن يقبل العالم كله الإسلام أو يخضع لسلطة الدولة الإسلامية وحتى يحدث هذا الأمر، يعد العالم منقسما إلى قسمين: دار الإسلام حيث يسود الحكم الإسلامي وتطبق الشريعة، ودار الحرب وتشمل بقية العالم. وبين هذين العالمين توجد حالة حرب مفروضة وضرورية أخلاقيا حتى الانتصار النهائي والحتمي للإسلام على الكفر. وطبقا لكتب الشريعة من الممكن لحالة الحرب هذه أن تقطع –في الوقت المناسب- بهدنة لمدة محدودة، ولا يمكن أن تنتهي بالسلام بل بالانتصار النهائي.”([24])

بين كراهية المسلمين والإعجاب بإسرائيل وأتاتورك

ومن مظاهر حقده على المسلمين أيضا مبالغته في الثناء على مصطفى كمال أتاتورك في أغلب مؤلفاته ونعت سياسته ضد مظاهر التدين الإسلامية كلباس المرأة المسلمة (الحجاب) وطريقة تقسيم الإرث والزواج واللغة العربية بكونها “تعبيرا ظاهرا وواضحا –وقبولًا- لتحول اجتماعي عميق وحضاري حقيقي”([25])، وهو ثناء لا يوازيه سوى إعجابه بالمستشرقين الذين أخذوا على عاتقهم “تدمير الإسلام بأسلحته نفسه”([26])، واتهامه جماعة الإخوان المسلمين مثلا بنفس التهم التي تتهمها بها إسرائيل من غير دليل يثبت دعواه. فهي في نظره لا تؤمن إلا بالعنف، وهي التي تعتقد “أن الكفاح المسلح فقط هو الكفيل بتحقيق الأهداف المنشودة([27])، وهي التي قامت بإحراق القاهرة في 26 كانون الثاني عام 1952، كما اتهمها أيضا بتلقي “الدعم المادي من الأنظمة المسلحة المحافظة بما فيها الممالك السعودية والأردنية والإيرانية في أوقات مختلفة”([28]).

مقابل ما سبق لم ينعت برنار لويس الحركات الإسرائيلية العنيفة ولا الدولة الصهيونية التي تستوطن أرض فلسطين بأي نعت قدحي، بل لم أعثر على أي اتهام وجهه لغير المسلمين والحركات الإسلامية، وأكثر من هذا فهو يعتبر أن جميع الحركات الأصولية تعادي الديمقراطية، بل حتى حركة فتح الفلسطينية اتهمها بـ”أكبر وأهم منظمات حرب العصابات الفلسطينية”([29])، وأنه لا تقدم ولا سلام للشرق الأوسط إلا مع إسرائيل، وفي إطار النموذج الأمريكي الليبرالي، أما دون ذلك فـ”لا تملك المنطقة كبير أمل بالتقدم المعنوي أو المادي”.([30]) وكأنك تقرأ لمسؤول سياسي أمريكي متعاطف مع الصهيونية يتلوا بلاغا حربيا.

نقد التدين لنقض الدين   

في كتابه ” أزمة الإسلام: من الحرب المقدسة إلى الإرهاب غير المقدس”([31]) يتخذ من جماعة “القاعدة” نموذجا مستهجنا لمهاجمة الإسلام والمسلمين، لأنها تمثل الصورة الواضحة –في نظره- لتداخل الديني والسياسي، وتلك هي أزمة الإسلام والمسلمين –في نظره- على خلاف المسيحية التي فصلت منذ البداية بين ما لله وما لقيصر، مِثلها مثل جماعة الحشاشين التي أفرد لها كتابا بكامله، وأورد تعريفهم كما يلي: “الحشاشين الذين ينبغي أن يلعنهم الإنسان ويتفاداهم، إنهم يبيعون أنفسهم، ويتعطشون للدماء البشرية، ويقتلون الأبرياء مقابل أجر، ولا يلقون اعتبارا للحياة أو النجاة، وهم يغيرون منظرهم كالشياطين التي تتحول إلى ملائكة من النور”([32])، وكلمة “حشاشين” تتماهى حسب لويس مع”assassin” الإنجليزية والتي تعني الاغتيال، ليفيد بذلك أن للاغتيال مشروعية دينية في الإسلام([33])، وينقل صورا خيالية من بعض القصص القديمة ويقدمها موازية لبعض قصص القرآن (مثال فقرة أسطورة الفردوس)([34])، وأحيانا يخفي رأيه الخاص وراء متكلم مجهول فينعت خلافة أبي بكر وعمر بـ”أرستقراطية جشعة عديمة الضمير مجردة من المبادئ الخلقية، وبدلا من العدل والمساواة كان هناك عدم المساواة والامتياز والسيطرة”([35]).

تنبؤات لويس وإشعال فتيل الصراع

في تنبؤاته المستقبلية يؤكد لويس على حتمية الصراع بين المسلمين والغرب، وعلى استحالة الشراكة في بناء المشترك مع “الخطر” الإسلامي، ففي نظره “ستبقى المنطقة مهمة نوعا ما، فهي ملتقى ثلاث قارات، ومركز ثلاث ديانات، وموقع استراتيجي يجب الحفاظ عليه أو خطر يجب التوجس منه، فبعد زمن قد يطول أو يقصر ستبقى المنطقة موضع اهتمام القوى الخارجية، سواء منها القديم الذي يعود إلى الحياة أو الجديد الذي يولد. وفي حال حافظت المنطقة على مسارها الحالي، علما أنها لا تملك مصادر الهند والصين ولا تكنولوجية أوربا وأمريكا وصناعتهما، فهي ستعود إلى دائرة الخطر بدلا من أن تصبح شريكا في لعبة السياسة الدولية.”([36])

سنة 2012م أصدر لويس مذكراته وهو في السادسة والتسعين من عمره في كتاب بعنوان “ملاحظات على القرن” حاول فيه أن يتبرأ من دعمه احتلال العراق، وأن يناقش بعض قضايا كتاب إدوار سعيد “الاستشراق”، لكنه أكد أن المسلمين متخلفين بسبٍ ذاتي وليس بسببِ الاستعمار الغربي، وأن الغرب كما هزم هتلر والشيوعية يمكنه أن يدعم مؤسسات المجتمع المدني في الدول الإسلامية لتحديث الشرق الأوسط الكبير، كما حذر من تنامي المسلمين واكتساحهم الكرة الأرضية بقوله: “إن بروز عالم من الدول ذات الأصول التركية، شبيهة بدول العالم العربي التي انبثقت من سقوط الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، ستزداد أهمية في السنوات القادمة، سيكون له تأثير هام في الشرق الأوسط. إن هذه الدول بدأت تشعر بالانتماء إليه والعودة إلى جغرافيته.”([37])

من خلال ما سبق يتبين طغيان النزعة التفردية والتمركزية للفكر الغربي، وطمس محاسن الإسلام وإنجازات المسلمين والتستر على الوجه الـمُشرق للحضارة الإسلامية وتغطية القيم النبيلة التي تحملها الثقافة الإسلامية، إذ “نرى أن الإسلام أصبح يرتبط اليوم في الغرب بالأنباء المثيرة المفجعة بصفة خاصة…فلقد أدى استعمال مصطلح الإسلام إلى السماح بقدر واضح من الأخطاء وبأقوال تنم عن التعبير عن التحيز العرقي الشديد، والكراهية الثقافية بل والعنصرية، والعداء العميق الذي قد يتذبذب صعوداً هبوطاً…ويجري ذلك كله في إطار ما يُفترض أنه تغطية منصفة متوازنة مسئولة للإسلام”([38]).

هذه الصورة النمطية السلبية للمسلمين كـ”إرهابيين…وجماهير غوغائية متعطشة للدم”([39]) والتي تخفي عنوة الوجه الحقيق للإسلام، جعلت سيرج لاتوش يصرخ في وجه العالمية الغربية قائلا: “قبل أن نحلم بعالمية حقيقية يجدر بنا التساؤل حول بربرية حضارتنا، بل حتى تعصبها في أعين الآخرين. وهناك كثير من سمات أخلاقنا تبدو مرعبة وشائهة في أعين المجتمعات غير الغربية. وإذا كانت هذه الأخيرة قد تسامحت معنا في نهاية المطاف فذلك لأنه لم يكن لها الخيار ولم يكن بمستطاعها أن تحظر عندنا ممارساتها، كما حظرنا نحن عندها، تلك التي بدا لنا أنها لا تطاق”([40]).

تلك النظرة غير العلمية التي تنظر إلى الإسلام بوصفه النقيض للعلم والحضارة والمدنية، أو “القوة التي يختلف معها الغرب اختلافاً جذرياً”([41]) تشكل عائقا منهجيا ومعرفيا في وجه الانفتاح والتعارف الثقافي وإقامة حضارة المشترك الإنساني القائمة على العدل والحرية والتعاون، وإسهام الجميع في العطاء الحضاري العام، دون الوقوع في آفة الاستتباع الثقافي ولواحقه الفلسفية والقيمية. والتي لا تنتج إلا مسخا حضاريا “مسلوب الإرادة مشلول القرار عاجزا عن الحسم في أخص أموره…بعد أن رهن نفسه لرمز استعباده وقهره وجعله نموذجا له يحذو حذوه في الصغيرة والكبيرة، إلا أن يحدث في نفسه انقلابا جذريا أو ثورة شاملة تنقله من حال إلى حال”([42]).

هذه النظرة التغريبية هي التي تحكمت في جملة من الإنتاجات الفكرية المعاصرة المتحيزة، مثل ما كتبه برنار لويس وما لحقه وما سبقه من دعاوى تُسوغ الاحتلال وترسخ التفوُّق وتتهم الآخر بجميع التهم التي تُذِلُّه وتُخضِعه، وتسعى إلى “تشكيل الإسلام طبقا لرغبات الغرب”([43]). فلا يَخفى أن مؤلف “صدام الحضارات” ينطلق من خلفية فلسفية تغريبية موروثة جوهرها الصراع والتنابذ والعداء، وهذه الخلفية “حرمته من رؤية أي جانب من جوانب الحضارات والأديان والثقافات غير الجانب الصراعي التنابذي، الذي هو محور ارتكاز الحضارة الغربية، وكان تأثره فيما يتعلق بالإسلام بالواقع التاريخي، لا بحقيقة الإسلام وجوهره”([44])، فلا استعداد لديه -في تقديري- ليسمع نداء الآخرين بموضوعية لا تتأثر بالتحيز التاريخي للفكر الغربي الذي يزُكي نفسه ويحجب الحقيقة بالتقليد، ظنا منه بأنه راكم معرفة الحقيقة التي لا تُراجع ولا تقبل التقويم والرد، بالإضافة إلى أنه من أخطاء هنتنغتون الأساسية أنه حصر الغرب في حدود جغرافية قومية ضيقة، في حين أن الغرب لا يتحدد بحدود وطنية، ولا بخريطة جغرافية، ذلك أن بعض الدول توجد في آسيا جغرافيا وهي غربية مثل اليابان وتايوان، وبعض الدول الغربية مثل روسيا لا تتبنى أسلوباً غربياً كاملاً، كما أن ملايين المسلمين يعيشون في أوروبا وهي غربية، ويختلفون عن الغربيين.

أما إذا تعلق الأمر بدين الإسلام أو كتاب القرآن فقد تراكمت حوله جملة من الأحكام المتحاملة زادتها رسوخا الحرب الإعلامية المستعرة التي تجعل القلوب في أكنّة من أن تعير سمعها للآخر المخالف، وتزيل الحجب الموروثة عبر التقليد. فهنتغتون يستأنف رؤية صراعية تقليدية عند الغرب –عن وعي أو عن غير وعي- تدعي التفرد ولا تسمح نفسيا بالتخلص من أدوائها الاستكبارية. هذه الفكرة المتوهمة التي روجت لها الكتابات الاستشراقية المتحيزة، والتي تتبعها وتصدى لكشف مغالطاتها عبد الرحمن بدوي في كتابه “دفاع عن القرآن ضد منتقديه”، ليستنتج أن “القرآن يخرج دائما منتصرا على منتقديه”([45]).

عقلية الصراع هاته أنتجت حضارة الصراع؛ صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، وصراع الطبقات والجماعات، وصراع الأمم والأجناس، وصراع المؤسسات والدول والأمم والأديان. وما نراه اليوم من تدخل مسلح وغير مسلح من الدول الغربية في ثقافات الشعوب ومصائرها، وتأجيج الصراعات بين الدول، بل وداخل الدولة الواحدة، ما هو إلا تجل من تجليات النزعة التفردية الغربية القائمة على منطق الصراع، ومنطق الصراع يقتضي وجود العدو الذي ينشب معه هذا الصراع ويستمر، وبالتالي يقع الخلل في تشكل العقل الغربي على فلسفة الصراع التي جسدت فلسفة فريدريك هيغل (1770-1831) القائمة على صراع السيادة والعبودية، وديالكتيك الفكرة والنقيض ومركب النقيضين.

فشلت الفلسفة المادية عبر تاريخها الطويل في أن تقدم تصورا يليق بإنسانية الإنسان[46] -كمخلوق مستخلف مؤتمن على وجوده ووجود الأحياء والحياة المسخرين له- بدءا من الفلسفة اليونانية، التي “لم تكن رغم ادعاءات أرسطو، عملية فعالة في نهاية الأمر… وأن تلك الفلسفة الأخلاقية لم تكن إنسانية لأنها لم تكن دعوة موجهة لجميع الناس على حد سواء. وقد رأينا أرسطو لا يخجل من القول أن العبيد لا نصيب لهم في السعادة، مادام لا نصيب لهم في الإنسانية بالمعنى الكامل”([47]). مرورا بالفلسفة الوضعية التي أنكرت مخلوقية الكائن البشري، إلى فلسفات الحداثة التي تنبني على القطيعة مع الدين، ثم فلسفة ما بعد الحداثة، التي يعتبرها المسيري “إعلان الإفلاس الكلي. إعلان أن العالم لا مركز له ولا قيمة ولا معنى، ولا يوجد هامش ولا وسط، ولا يوجد إنسان، ولا إله”([48])، ومع ذلك “يطمع الغرب بأن ينصب نفسه قاضيا على جميع الحضارات الأخرى معتبرا أن المسار الذي اتبعه هو مثالي وهو الوحيد الممكن، وبأن يقرر، انطلاقا من هذه النظرة بأن شعبا ما أو حضارة أو علما أو تقنية هي “بدائية”، “نامية”، “متخلفة” وفقاً للنقطة التي توضع فيها على هذا المسار، أعني وفق شبهها القليل أو الكثير بنا نحن الغرب”.([49])

النسق الحضاري الغربي يبدو غير قادر على تحرير الإنسان من نفسه وما كسبت يداه، وغير راغب في التخلي عن “إنِّيته” حسب تعبير ابن سينا، إلا أنه لا بد أن ينتبه قريبا إلى وجوب البناء المشترك لحضارةٍ بهُوَيات مختلفة ومتعارفة، أو بتعبير هانس كوكلر: “قبول الوجود في نفس الوقت لتصورات مختلفة للعالم…يعني في وجود نظم قيمية مختلفة جانب بعضها البعض على أساس الاحترام المتبادل. بوضوح فإن هذا يتطلب الاستغناء (بمعنى ترك) عن محاولة فرض نوع من بديل علماني للدين، والذي يكون في كثير من الأحيان دوغمائيا أكثر من الدين نفسه والاستغناء عن الادعاء بأن المسيحية هي الهوية الوحيدة لأوربا”([50]).

على خلاف ما سبق هناك رؤية تأخذ حظا وافرا من التشاؤم -بخصوص إمكان التركيز على المشترك الإنساني بين المسلمين والغرب من أجل التقارب والتعارف والتعاون- وإن كانت تستند إلى بعض المعطيات الموضوعية مِن قَبيل عدم معرفة الغرب للغات المسلمين في تحميل الغرب لمسؤولية عدم إمكان الحوار مع المسلمين([51])، أو لأن “العقيدة الإسلامية تعطي معتنقيها مناعة ضخمة تحفظهم من ترك إسلامهم واتباع ديانات أخرى”([52]). وأن علاقة الصدام بين المسلمين والغرب لا تنتهي، بل هي “مرشحة بكل قوة لا لتستمر لقرون عديدة فقط بل لأجل غير مسمى. إذ الرموز الثقافية ذات مدى حياة طويل قد يصل إلى الأبدية”[53]، وبالتالي لا أمل في الحوار والتعارف!

هذه الرؤية فضلا عن عدم كفاية أدلتها، فهي لا تنسجم مع الرؤية العلمية والحضارية التي تؤسس للمشترك الإنساني دينيا وعلميا وعمرانيا وبيئيا، رغم الاختلاف اللغوي والتعدد الثقافي والتباين الحضاري والتباعد الجغرافي بين الشعوب. كما أن الحوار الديني والثقافي مع الغرب لا يقود المسلمين ولا غيرهم إلى التنازل عن عقائدهم، ولا يفرض على طرف ما محو ثقافته واللحاق بثقافة الآخر، وإنما هو حوار يروم التركيز على الأسس المشتركة للتعارف والتواصل، وإسهام جميع الأطراف الواعية بضرورة العمل الجماعي في بناءٍ مشترك لعالمية جديدة وبديلة تنبذ قيم الصراع والكراهية والعدوان والتفرد التي أنتجتها الأنساق الحلولية والجحودية المغلقة، عبر حوار ديني وفلسفي وثقافي يراجع القناعات التاريخية التي لا تصمد أمام التمسك بالأصول المشتركة بين الإنسانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[2] – جون إم هوبسون، الجذور الشرقية للحضارة الغربية، ترجمة منال قابيل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2006م

[3] – كلارك جي جي، التنوير الآتي من الشرق، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط1، 2007م.

[4] – إدغار موران، ثقافة أوربا وبربريتها، ترجمة محمد الهلالي، دار توبقال، ط1، 2007م

[5] – بيير روس، التاريخ الحقيقي للعرب، دار البشائر للطباعة والنشر، ط1، 1996م.

[6] – زكاري لوكمان، تاريخ الاستشراق وسياساته، ترجمة شريف يونس، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2007م.

[7] – سيرج لاتوش، تغريب العالم، مرجع سابق، 1999م

[8]– جولدشتاين توماس، المقدمات التاريخية للعلم الحديث، ترجمة أحمد حسان عبد الواحد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد:296، سبتمبر 2003م، ص: 109 وما بعدها.

[9] – غارودي روجيه، وعود الإسلام، مرجع سابق، ص:63

[10] – نقول “في الغالب” تجنبا للإطلاق والاستغراق، مادام لويس أقر بكثير من الحقائق ولم يكن متحيزا بصددها مطلقا وفي جميع ما كتَب.

[11]– أدرج هذا المقال في كتابه الإسلام والغرب، ترجمة فؤاد عبد المطلب، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2007م، ص:197.

[12] – برنار لويس، الإسلام والغرب، مرجع سابق، ص: 224

[13] – برنار لويس، تنبؤات برنارد لويس: مستقبل الشرق الأوسط، شركة رياض الريس، بيروت، لبنان، ط 1، 2000م، ص:131

[14] – المرجع نفسه، ص: 20-21

[15] – المرجع نفسه، ص:21

[16] – برنار لويس، الإسلام والغرب، مرجع سابق، ص:144

[17] – المرجع نفسه، ص: 142-143

[18] – المرجع نفسه، ص: 254

[19] – برنار لويس، الإسلام وأزمة العصر: حرب مقدسة وارهاب غير مقدس، ترجمة أحمد هيكل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2004م

[20] – برنار لويس، لغة السياسة في الإسلام، ترجمة إبراهيم شتا، دار قرطبة للنشر والتوثيق والأبحاث، طَ1، 1993م، ص:23

[21] – المرجع نفسه، ص: 101

[22] – المرجع نفسه، ص: 144

[23] – المرجع نفسه، ص: 113

[24] – المرجع نفسه، ص:117، وينظر أيضا: برنار لويس، الإسلام والغرب، مرجع سابق، ص: 30

[25] – برنار لويس، الإسلام والغرب، مرجع سابق، ص: 60

[26] – المرجع نفسه، ص:135

[27] – المرجع نفسه، ص: 206

[28] – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[29] – المرجع نفسه، ص: 207

[30] – برنار لويس، تنبؤات برنارد لويس: مستقبل الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص: 117

[31]– برنار لويس، أزمة الإسلام: من الحرب المقدسة إلى الإرهاب غير المقدس، ترجمة: أحمد هيكل، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2004م

[32] – برنار لويس، الحشاشون فرقة ثورية في تاريخ الإسلام، ترجمة محمد العزب موسى، مكتبة مدبولي القاهرة، ط2، 2006م، ص:13

[33] – المرجع نفسه، ص: 185-187

[34] – المرجع نفسه، ص: 20

[35] – المرجع نفسه، ص: 40

[36] – برنار لويس، تنبؤات برنارد لويس: مستقبل الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص: 119-120

[37] – المرجع نفسه، ص:18

[38] – إدوارد سعيد، تغطية الإسلام، ترجمة محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، ط 1، 2005م، ص:29، 30

[39] – المرجع نفسه، ص: 74

[40] – سيرج لاتوش، تغريب العالم، مرجع سابق، ص:137

[41] – إدوارد سعيد، تغطية الإسلام، مرجع سابق، ص: 321

[42] – شبار سعيد، الثقافة والعولمة؛ قراءة في جدل المحلي والكوني أو ظاهرة التثاقف، مجلة الإحياء، عدد:25، 1428هـ/2007م، ص: 161

[43] – هانس كوكلر، المسلمون والغرب من الصراع إلى الحوار، مرجع سابق، ص: 144

[44] – العلواني طه جابر، نحو منهجية معرفية قرآنية، مرجع سابق، ص: 487

[45] – بدوي عبد الرحمن، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ترجمة: كمال جاد الله، الدار العالمية للكتب والنشر، القاهرة، ص:8

[46] – ينظر: ياسين عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، ط1، 1994، ص: 98

[47] – بلدي نجيب، مراحل الفكر الأخلاقي، دار المعارف، مصر، ط1، 1962م، ص: 25

[48] – المسيري عبد الوهاب، ضمن تعقيبات في ملحق كتاب “منهجية القرآن المعرفية” للحاج حمد، مرجع سابق، ص:277

[49] – غارودي روجيه، وعود الإسلام، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2، 1413هـ/1993م، ص:79

[50]– هانس كوكلر، المسلمون والغرب من الصراع إلى الحوار، مرجع سابق، ص: 147-148

[51] – الذاودي محمد، مصاعب الغرب في التأهل للحوار مع العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص:182،183

[52] – المرجع نفسه، ص:184

[53] – المرجع نفسه، ص: 183

الوسوم
اظهر المزيد

د. أحمد الفراك

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي– المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: