مسؤولية المحامي في فرض قواعد المحاكمة العادلة (1- وضعية المحامي في التشريعين الدولي و الوطني)

تمهيــــــــد :

عرضت على القضاء المغربي في الآونة الأخيرة عشرات الملفات إثر سلسلة من الاعتقالات التي طالت المئات بعد الاحتجاجات المتنامية داخل ربوع الوطن بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية والحقوقية، هذه الملفات التي غالبا ما تكون في حقيقتها موضوع محاكمات مرتبطة بجرائم من قبيل المسّ بأمن وسلامة الدولة أو المس بالحقوق و الحريات، خاصة الحق في التجمع و التظاهر السلمي و حرية التعبير و النشر و الصحافة أو جرائم الإرهاب و التي تُعتبر جرائم سياسية لكون المتابعة فيها تكون سياسية أي نابعة من السياسة الجنائية التي تضعها المؤسسة التشريعية، ويسهر على تنفيذها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، باعتباره رئيسَا للنيابة العامة، وبالتالي فتحريك المتابعة في مثل هذه الملفات وما يواكبها من إجراءات يكون من ورائها سياسة جنائية معينة، و عليه فشئنا أم أبينا نكون أمام إجراءات و جرائم سياسية عرّفها مؤتمر كوبنهاكن” المنعقد سنة 1935 في اطار عملية توحيد القانون الجنائي: “بأنها هي تلك المحاكمة المرتبطة بعمل أجهزة الدولة ومؤسساتها أو بحكامتها أو طريقة عمل هذه الأجهزة”.

و بما ان الأمر بالنسبة للمحامي يتعلق بتمثيل الأطراف أمام القضاء الجنائي الذي له خصوصية متميزة مقارنة بتمثيله و نيابته بوجه عام، فقد انبرى و تصدى لهذه المحاكمات بكل شموخ و مهنية رجال البذلة السوداء من مختلف الهيئات في إطار أداء مهامهم و رسالتهم النبيلة تكريسا لمبدأ سيادة و سمو القانون والدفع نحو تحقيق فعلي لاستقلال السلطة القضائية ببلادنا، لكن للأسف يتبين في كل مرة بأننا مازلنا بعيدين كل البعد عن ملامسة شروط و معايير المحاكمة العادلة امام غياب إرادة حقيقة و صادقة ضامنة لاستقلال السلطة القضائية.

لقد شكل هذا التصدي المتميز والاستثنائي للمحامين عبر تاريخ المغرب و نضالات شعبه ـ بعدما ظن البعض بأن المحام حاد عن أداء رسالته النبيلة ـ أولوية ضاغطة لا متنفس دون التفرغ لها و لا مناص لنا جميعا من قراءة المرحلة بحكمة و خطة وأهداف محكمة نصانع بها الواقع و الزمان و المكان، للخروج بفهم و تصور و إرادة تجعلنا قادرين على خوض غمار هذا النقاش المهني القانوني الحقوقي بكل احترافية واقتدار و مسؤولية و جرأة في أداء رسالة المهنة و الرقي بها عبر إحداث التحول المنشود للمحام كشخص و للمحاماة كمهنة و لمنظومة المحاكمة العادلة كلبنة من لبنات دولة الحق و القانون، لذلك لا ينبغي أن يخيفنا الأمر أو يثبط عزائمنا للاعتبارات  و الهواجس التالية :

1حتى لا نخلف موعدنا مع القدر و نضيع مسؤوليتنا أمام التاريخ في فرض و ضمان قواعد المحاكمة العادلة باستحضار طبعا ما يتحمله المحام من أعباء و التزامات و واجبات.

2- حتى نكون شركاء حقيقيين في تحقيق قضاء مستقل باعتبار أن أي اصلاح لدور المحام أو لمهنة المحاماة من شأنه أن يؤثر سلبا أو إيجابا على منظومة العدالة عموما والعدالة الجنائية بشكل خاص.

3- حتى نكون الرائد الذي لا يكذب أهله كجزء مهم و محوري من أسرة القضاء بمفهومها الواسع.

4- حتى يكون لنا في الميدان حيثية وفي الآفاق معنى، عبر صياغة مقترحات جدية لإصلاح المنظومة الجنائية في شقها المرتبط  بتفعيل دور المحام  صيانة لحقوق الدفاع على ضوء ما وصل اليه التشريع والقضاء المقارن.

5- حتى نبقى منسجمين مع رسالة مهنة المحاماة و أعرافها و تقاليدها النبيلة و مبادئ الاستقلال والتجرد والنزاهة والكرامة والشرف  والتقيد بالسر المهني و ما تفرضه القواعد التشريعية للمهنة.

و هذا لا يعني بالمطلق أنه لا تعترضنا معوِّقات وعقبات و حواجز نبحث جاهدين كيف نخرقها و نتجاوزها بسلاسة، و كذا مَهاوٍ كيف نتجنبها بحكمة و روية ، وشِراكٌ منصوبة وعدو و مُنافس، خاصة و أنه قد سبق لنا أن حددنا مهمات وأهداف واضحة في إطار مهنتنا العتيدة عبر مراكمة مؤتمرات وطنية ناجحة ومحطات نضالية مجيدة وندوات و مناظرات علمية رصينة و مرافعات تاريخية مشهودة كشفت الموقع المتقدم للمحام و سمو رسالته داخل المجتمع.

ومن أجل المساهمة في هذا النقاش القديم الجديد نطرح مجموعة من التساؤلات و الاشكاليات التي تهم وضعية و دور المحام في التشريعين الدولي و الوطني ، انطلاقا من مسؤوليته في فرض شروط المحاكمة العادلة، وكذا مختلف الضمانات التي أعطيت له، و إلى أي حد يمكن اعتبار حضوره مساهمة فعالة في تحقيق المحاكمة العادلة ، و كيف يمكنه فرض بعض ضماناتها على الأقل،  و ما هي الحلول و المقترحات الكفيلة لتحقيقها، لذلك أتمنى ان أكون موفقا في مقاربة هذا الموضوع (سيقسم إلى مقالتين وهذه المقالة الأولى)  من خلال التصميم التالي :

المحور الاول : وضعية المحام في التشريعين الدولي و الوطني

الفقرة1ـ المحام في المواثيق الدولية

الفقرة2ـ المحام في التشريع الوطني:

أ) من خلال الدستور

ب) من خلال قانون المهنة

ج) من خلال التشريع الجنائي الاجرائي

المحور الثاني : مسؤولية المحامي في فرض قواعد المحاكمة العادلة

الفقرة1ـ قواعد المحاكمة العادلة

الفقرة2ـ مسؤولية المحام في فرض قواعد المحاكمة العادلة

 

المحور الاول : وضعية المحام في التشريعين الدولي و الوطني

الفقرة1ـ المحام في المواثيق الدولية

بالإطلاع على المقتضيات المنصوص عليها في العهود و المواثيق الدولية حول مكانة المحامي و المحاماة في معالجتها لحقوق الدفاع و مؤازرة الأطراف في الدعوى الجنائية في اطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، نجدها قد نصت على مجموعة من المبادئ و القواعد التي تبرز الرسالة النبيلة للمحاماة كمهنة وكشخص من أهمها :

*المادة 14 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد على ضرورة الاستعانة بمحام وضمان حقوق الدفاع كمدخل لتأمين الحق في التقاضي “لكل شخص الحق في توكيل محام ينوب عنه ويصون مصالحه لما يتمكن من حيث اطلاع الى خبايا القانون و امكانياته في الاصلح لموكله فيه” ، ” من حق كل متهم بارتكاب جريمة ما أن يتاح له من الوقت و التسهيلات ما يكفي لإعداد دفاعه بنفسه والاتصال بمحام يختاره بنفسه”.

*المؤتمر الدولي للمحامين المعقد سنة 1954 “بموناكو” الذي أقر ميثاقا دوليا لآداب مهنة المحاماة.

* مؤتمر جمهورية “لاووس” الذي خرج بتوصية تاريخية تدعو الى تحرير مهنة المحاماة من أي تدخل خارجي او داخلي تكريسا لسيادة القانون و استقلال القضاء.

*مؤتمر الامم المتحدة الثامن المنعقد بهافانا سنة 1990 الذي اقر مجموعة مبادئ لادوار مهنة المحاماة مدرجة على شكل ابواب نقتصر على ما يهمنا منها خاصة بابي:

ـ الاستعانة بالمحامي و توفير المساعدة القانونية.

ـ ضمانات خاصة لمنظومة القضاء الجنائي.

و المبادئ التالية لادوار مهنة المحاماة :

ـ  حق كل شخص في طلب المساعدة من محام يختاره بنفسه.

ـ واجب الحكومات في ضمان إعلام فوري لجميع الاشخاص بحقهم في مساعدة محام عند القبض عليهم.

ـ الحق لجميع الاشخاص في ان يعين لهم محامون ذوو خبرة و كفاءة تتفق مع طبيعة الجريمة التي يتهمون بها لتقديم مساعدة قضائية لهم دون ان يدفعوا مقابلا.

ـ كفالة الحكومات لجميع الاشخاص المقبوض عليهم الاستعانة بمحام فورا لمهلة لا تفوق 48 ساعة.

ـ توفير تسهيلات كافية لجميع الاشخاص المقبوض عليهم لان يزورهم محام و يحدثوه و يستشيروه، دون مراقبة و بسرية كاملة، تحت نظر الموظفين المكلفين و لكن دون ان تكون تحت سمعهم.

* المادة 7 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب التي أكدت على أن “المتهم يبقى بريئا ويجب تمتيعه بكافة الضمانات القانونية و على رأسها حقه في الاتصال بمحام، إلى أن تثبت إدانته قانونا في إطار محاكمة عادلة”.

*اعلان اثينا سنة 1995 الذي اكد ان مهنة المحاماة و المحام يجب ان يتمتعا بكامل الاستقلالية داخل جميع الانظمة القانونية الوطنية كضمانة اساسية لأي محاكمة عادلة.

* المادة 6 من الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان المستندة للاجتهاد القضائي للمحكمة الاوربية لحقوق الانسان التي كان لها الفضل في ما عرفته التشريعات الاوربية من مراجعة و تعديل ما يتعلق بإجراءات الوضع تحت الحراسة النظرية و الزامية حضور المحام منذ لحظة الاعتقال الى اخر مرحلة من مراحل التقاضي و اجراءات اخرى لتعزيز حقوق الدفاع وإقرار مبدأ “ضرورة الاستعانة بمحام من بداية الوضع تحت الحراسة النظرية الى نهايتها و خلال الاستجواب مع امكانية الاطلاع على الوثائق”.

و بالتالي يتبين بأن المواثيق الدولية التشريعية و القضائية منحت للمحاماة موقعا متميزا و محوريا بل اعتبرت حضور المحام أو غيابه حاسما في وصف أي محاكمة  بالعادلة او غير العادلة، حتى أنها جعلت من استقلال المحاماة معيارا لوفاء الحكومات بالتزاماتها المتعلقة باستقلال السلطة القضائية و نشر ثقافة حقوق الإنسان، فما موقعه كل ذلك في تشريعنا الوطني؟

الفقرة2ـ المحام في التشريع الوطني:

عمل المشرع المغربي على وضع مجموعة من النصوص التي تضمن حقوق الدفاع لتحقيق محاكمة عادلة عنوانها الأبرز مهام المحام و حضوره الحقيقي و مدى تأثيره؟ من خلال دستور 2011 و القانون 28.08 المنظم لمهنة المحاماة ثم التشريع الجنائي الاجرائي المتمثل أساسا في قانون المسطرة الجنائية، كقوانين و مساطر محددة لمدى تشبع المشرع الوطني بفكرة استقلال مهنة المحاماة و رجالها و ضمان القيام بدورهم الكامل و الحقيقي في تأمين محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل و نزيه.

أ) من خلال الدستور:

تجدر الإشارة الى أن الدستور المغربي تضمن في تصديره الذي يشكل جزءا لا يتجزأ منه إقرارا صريحا ولأول مرة سمو المواثيق الدولية على القوانين الوطنية، حيث جاء فيه : “جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة”، وبالتالي فإن أي حق منصوص عليه في المواثيق الدولية المذكورة خاصة في شقها المتعلق بمهنة المحاماة و دورها في تحقيق شروط المحاكمة العادلة يشكل تعارضا مع مقتضيات التشريع الوطني فلن يتم اعتماد هذه الاخيرة طبقا لمبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني، واعتبارا لذلك فقد أقر المشرع الدستوري في بابه الثاني بالفصل 19 الحريات والحقوق الأساسية التي تتضمن التمتع بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، و منها الحق لكل فرد في سلامة شخصه وأقربائه وحماية ممتلكاته وعدم المس بسلامته الجسدية أو المعنوية، و تجريم التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، و الاعتقال التعسفي أو السري أو الاختفاء القسري، وعدم إلقاء القبض أو اعتقال أي شخص إلا وفق ما ينص عليه القانون، وإخباره بدواعي اعتقاله وجميع حقوقه، و منها الحق في التزام الصمت و الاستفادة من المساعدة القانونية …الخ.

إن ضمانات حقوق الدفاع هي جوهر المحاكمة العادلة ومن الحقوق الأساسية للإنسان لذلك نص الفصل 23 من الدستور على ما يلي : “لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون. الاعتقال التعسفي او السري و الاختفاء القسري، من أخطر الجرائم، و تعرض مقترفيها لأقسى العقوبات. يجب اخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور و بكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله و بحقوقه، و من بينها حقه في التزام الصمت، و يحق له الاستفادة، في اقرب وقت ممكن من مساعدة قانونية، و من امكانية الاتصال باقربائه، طبقا للقانون. قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان. يتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية، و بظروف اعتقال انسانية. ويمكنه الاستفادة من برامج للتكوين وإعادة الإدماج”.

لقد عبر المشرع الدستوري عن ضمان حق التقاضي أمام أي تجاوز من المحكمة أو النيابة العامة ولتحقيق التوازن بين جميع الأطراف، فالفصل 118  نص على أن“حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و عن مصالحه التي يحميها القانون. كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الادارية المختصة”، و اعتبارا لهذه الفقرة الأخيرة و في إطار خلق هذا التوازن الحقيقي بين الدفاع والنيابة العامة و باقي المؤسسات ذات الصلة فإن المحام مطالب بتفعيل هذا النص لفحص مدى شرعية القرارات الادارية الصادرة عن النيابة العامة و التي تكون محور متابعة جنائية معينة او بعض القرارات الادارية التي تستند عليها هذه الاخيرة في تسطير متابعاتها من قبيل مثلا قرارات وزارة الداخلية او السلطات المحلية بمنع التظاهر او التجمعات العمومية او منع الصحف و المجلات من الاصدار و إغلاق مقراتها أو حجب المواقع أو إغلاق المقرات و تشميع البيوت و غيرها، التي غالبا ما ترافق صدورها اعتقالات و محاكمات جنائية و الامثلة كثيرة في هذا الشأن، وذلك باثارة دفع أساسي يتعلق بسلطة القضاء الزجري في تقدير شرعية القرارات الادارية بناء على مقتضيات الفصل 44 من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية والذي جاء فيه:  “إذا كان الحكم في قضية معروضة على محكمة عادية غير زجرية يتوقف على تقدير شرعية قرار إداري وكان النزاع في شرعية القرار جديا يجب على المحكمة المثار ذلك أمامها أن تؤجل الحكم في القضية وتحيل تقدير شرعية القرار الإداري محل النزاع إلى المحكمة الإدارية أو إلى محكمة النقض بحسب اختصاص كل من هاتين الجهتين القضائيتين كما هو محدد في المادتين 8 و9 أعلاه، ويترتب على الإحالة رفع المسألة العارضة بقوة القانون إلى الجهة القضائية المحال إليها البث فيه. للجهات القضائية الزجرية كامل الولاية لتقدير شرعية أي قرار إداري وقع التمسك به أمامها سواء باعتباره أساسا للمتابعة أو باعتباره وسيلة من وسائل الدفاع“، وبالتالي يتبين بأنه من ولاية المحكمة الزجرية أن تبث في شرعية أي قرار إداري عرض عليها كأساس للمتابعة أو باعتباره وسيلة للدفاع.

كما كرس الدستور كذلك مبدأ قرينة البراءة كأهم ضمانة للمحاكمة العادلة حفاظا على أمن الأشخاص وحماية حرياتهم الجماعية و الفردية ،حيث نص الفصل 119 على انه “يعتبر كل مشتبه فيه او متهم بارتكاب جريمة بريئا، الى ان تثبت ادانته بمقرر قضائي، مكتسب لقوة الشيء المقضي به”.

كما نص الفصل120 على أنه” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم، بالتالي فان هذا بمثابة اعتراف ضمني بمحورية المحام و دوره الكبير في ضمان محاكمة عادلة و حقوق الدفاع فلا يمكن ان نتصور ذلك في غياب رجل الدفاع و نحن نتحدث عن مثل هذه الملفات الاستثنائية التي يصبح فيها شعار استقلال القضاء على المحك.

و تحقيقا لمبدأ تراتبية مراحل ضبط الجرائم و عدم سقوط او تبني سلطات الاتهام للرواية التي تحيكها الشرطة القضائية في محاضرها و تضع استنتاجات غالبا ما تكون غير محايدة، فنصبح امام سلطة معنوية مضمرة للشرطة القضائية تكون فوق سلطة الاتهام، و لذلك نص الفصل 128 الذي جاء فيه “تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة و قضاة التحقيق، في كل ما يتعلق بالابحاث و التحريات الضرورية في شان الجرائم و ضبط مرتكبيها لاثبات الحقيقة”.

وتأكيدا على الدور  الهام للمحام في ممارسة رقابة تشريعية خاصة على النصوص القانونية التي تمس الحقوق و الحريات المكفولة دستوريا فقد نص الفصل 133 على انه “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، اثير اثناء النظر في قضية، و ذلك اذا دفع احد الاطراف بان القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق و بالحريات التي يضمنها الدستور”، و هذا اختبار اخر لمدى جدية مبدأ استقلال السلطة لقضائية وجب على المحام سلوك هذه المسطرة و اثارة هذا الدفع ايضا.

ب) من خلال القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة :

لقد احاط هذا القانون مهنة المحاماة بقدسية و مكانة متميزة و متقدمة ـ مقارنة بباقي المهن الاخرى ـ فاستهل تعريفها في المادة 1 بما يلي: “المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء”، و هذا تأكيد على ان المحاماة تنشأ بعيدا عن سلطات الدولة و دونما خضوع لها، كما تعزز المادة 4 هذه الاستقلالية على مستوى المؤسساتي باعتبارها ان المحامون يمارسون مهنتهم في إطار هيئة المحامين التي تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي لدرجة ان القانون حظر في المادة 7 كل نشاط من شأنه أن يمس باستقلال المحام والطبيعة الحرة للمهنة، فالمادة 8 لا تعتبر بأي حال من الأحوال المحامي المتمرن والمحامي المساعد أجيرا، حتى كاد المشرع ان يقول لنا بان المحام سلطة مستقلة الى جانب باقي سلطات الدولة، ثم منعه من مزاولة المهنة في حال اسندت له أي مهمة سواء في الديوان الملكي، أو الحكومة، أو ديبلوماسية، أو متفرغ لأي مهمة مكلف بها من لدن الدولة طبقا للمادة 10، و تأكيدا على نبل و شرف رسالة الدفاع فقد شددت المادتين 35 و 36 على التشبث بالوقار والسر المهني فمنعت على المحامي أن يمارس أي عمل يستهدف جلب الأشخاص واستمالتهم، مع احقيته في أن يتوفر على موقع في وسائل الاتصال الإلكترونية يشير فيه باقتضاب إلى نبذة عن حياته ومساره الدراسي والمهني و اهتماماته القانونية وأبحاثه.

وهكذا نصت المادة 30 على ان المحام لا حدود جغرافية له فهو يمارس مهامه بمجموع تراب المملكة بقوة القانون ـ من غير الإدلاء بوكالةـ، و اسندت له مهام عديدة و متنوعة و شاملة يمكن تلخيصها في ثلاث وظائف مهمة وأساسية :

*وظيفة دفاعية حقوقية: متمثلة اساسا في الترافع نيابة عن الأطراف ومؤازرتهم والدفاع عنهم وتمثيلهم أمام محاكم المملكة، والمؤسسات القضائية، والتأديبية لإدارات الدولة والجماعات والمؤسسات العمومية ، والهيئات المهنية و تمثيل الغير ومؤازرته أمام جميع الإدارات العمومية.

*وظيفة إدارية اجرائية: تتجلى في القيام بجميع المساطر غير القضائية و تقديم العروض أو قبولها، والإعلانات الرضائية، أو رفع الحجوزات و تحرير العقود و القيام بمهام التحكيم.

*وظيفة علمية تأطيرية: من خلال إعداد الدراسات والأبحاث وتقديم الاستشارات، وإعطاء الفتاوى والإرشادات في الميدان القانوني.

و حرصا من المشرع على حماية المحام اثناء اداء مهامه الجسيمة و المتعددة فقد احاطه في الباب الخامس من المادة 58 بحصانة قوية تؤكد استقلاله عبر سن ثلاث ضمانات اساسية هي :

* ضمانة حرية الدفاع: لقد أعطى المشرع للمحام الحرية في سلوك الطريقة التي يراها ناجعة طبقا لأصول المهنة في الدفاع عن موكله.

* ضمانة عدم المساءلة: فلا يمكن باي حال من الاحوال مسائلته عما يرد في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته مما يستلزم حق الدفاع.

* ضمانة حرمة الاعتقال: بسبب ما قد ينسب للمحام من قذف أو سب أو إهانة، من خلال أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته المهنة أو بسببها.

ج) من خلال قانون المسطرة الجنائية :

بالنظر لما هو منصوص عليه في قانون المهنة من مكانة متميزة للمحام و رسالته و ما جاء من ضمانات قانونية وقضائية دستورية فقد بقي التشريع الجنائي و خاصة قانون المسطرة الجنائية دون التطلعات و لم يساير ما نص عليه بهما من حرية و استقلال مهني و ضمانات تسمح بأداء المهام الموكولة اليه قانونا، فبإطلالة سريعة على هذا القانون الاجرائي يتبين بان اهم ضمانة و هي حضور المحام الى جانب المتهم شكلا و موضوعا بقيت باهتة و محدودة امام الضابطة القضائية و النيابة العامة و قاضي التحقيق بالنظر للقوانين المقارنة التي اقرت حق الشتبه فيه في الاستعانة بمحام خلال الوضع تحت الحراسة النظرية كالقانون الفرنسي والامريكي و الانجليزي و الايطالي و الياباني، فرغم التعديلات التي طرأت على المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية مازالت هناك قيودا تعطل دور المحام في اداء رسالته النبيلة، ليجد نفسه امام محضر ضابطة قضائية انجز في غيابه و حضور شكلي في التقديم امام النيابة العامة و دور باهت امام قاضي التحقيق، بل يتحول في كثير من الاحيان الى حضور سلبي يؤثث المشهد لا اقل و لا اكثر حتى يوحى للرأي العام بان هناك فعلا محاكمة و اجراءات قانونية.

فما من شك أن المفروض في قانون المسطرة الجنائية الذي يطلق عليه الفقه “قانون الضمانات” هو ارتباطه الوثيق بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها، فقد جاءت المادة66 من ق.م.ج التي استمدت روحها من الفصل23 من دستور2011 بحيث أصبح ضباط الشرطة ملزمين بالتقيد بها ومنها إطلاع المتهم وإشعاره بكيفية يفهمها، على دواعي وأسباب اعتقاله والأفعال المنسوبة إليه و حقه في تعيين محام أو طلب تعيينه في إطار المساعدة القضائية.

وطبقا لذات القانون فقد أوكل المشرع مهمة التطبيق السليم للقانون والدفاع عن مصالح المجتمع للنيابة العامة باعتبارها ملزمة بتوفير جميع الضمانات و الحقوق القانونية عند القاء القبض على المتهم، و على رأسها إلزامية مؤازرة المحام عند المثول امام الضابطة القضائية والنيابة العامة و قاضي التحقيق، وعدم اللجوء إلى الإيداع بالسجن او المراقبة القضائية طبقا للمادة159 من ق.م.ج و تفعيل باقي البدائل المنصوص عليها في القانون، كما يجب عليها عرض المتهم على الطبيب، كلما تبين لها حصول شبهة تعذيب نفسي او بدني.

لكن يبدو ان المشرع ترك دور المحام خلال فترة الحراسة النظرية مبهما و مفتوحا على كل التأويلات فتحدث عن شبه امكانية الاتصال بالمتهم في حدود ضيقة جدا و ان حصل الامر لا يتعدى نصف ساعة بالإضافة الى شرط تمديد هذه الحراسة لعدة مرات، بالرغم من ان هذه المرحلة هي الحساسة و خلالها تتم اهم الاجراءات و تهدر الضمانات و تنجز المحاضر ما دام ان المشرع خلال هذه الفترة تبنى نظاما تفتيشيا يغلب حق الدولة في انزال العقاب على حقوق الدفاع و يعتمد على السرية و الغموض، ناهيك عن سكوت القانون عن دور المحام عند مثول المتهم امام النيابة العامة و قاضي التحقيق كسلطة اتهام تملك سلطة التكييف و  الملائمة و جمع الدليل و المتابعة، في الوقت الذي يطالب به المحام بالتقيد بالسر المهني.

واذا كان عمل الشرطة القضائية ينطلق بعد وقوع الجريمة و ليس قبلها عكس الشرطة الادارية كما قال الدكتور احمد الخمليشي في شرحه لقانون المسطرة الجنائية، فان الواقع يثبت عكس ذلك بالنظر لمبدأ تراتبية مراحل ضبط الجرائم و عدم سقوط او تبني سلطات الاتهام للرواية التي تحيكها الشرطة القضائية في محاضرها و تضع استنتاجات غالبا ما تكون غير محايدة، طبقا لما نصت عليه المادة18 من ق.م.ج على انه “يعهد الى الشرطة القضائية بالتثبت من وقوع الجرائم و جمع الادلة عنها و البحث عن مرتكبيها”، ومن ثم ينبغي التحري عن الحقيقة بكل وسائلها القانونية بالتدقيق والتحري من وقوع الجريمة اصلا وجمع الأدلة و التحقق مما إذا كانت هناك أدلة كافية يمكن أن تدحض أصل البراءة من عدمها ثم البحث عن مرتكبي الجريمة لتأتي مرحلة وضع اليد على المشتبه فيه كآخر حلقة، لذلك فان مبدأ قرينة البراءة يجب أن يكون حاضرا في كافة مراحل الدعوى، بدءا بالبحث التمهيدي ومرورا بالإستنطاق أمام النيابة العامة، ثم مرحلة التحقيق الإعدادي وانتهاء بمرحلة المحاكمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: