مبطلات الصيام:

الصوم هو الكف عن قضاء شهوتي البطن الفرج من طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى. ولذلك فكل ما يفسد هذا المقصد فهو مبطل للصوم كالأكل والشرب والجماع. ومبطلات الصيام ليست على درجة واحدة، فمنها ما يوجب قضاء ذلك اليوم بعد خروج رمضان، ومنها ما يوجب القضاء والكفارة، ومنها ما يظنه البعض أنه من مبطلات الصيام وهو ليس كذلك؛ إذ لا يوجب لا قضاء ولا كفارة.

أولا: ما يبطله ويوجب القضاء.

1-قضاء من أكل أو شرب ناسياً لصومه.

لا خلاف بين الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة[1]والشافعي[2]، وأحمد[3]، أن من أكل أو شرب ناسياً لصومه أن صومه صحيح ولا قضاء عليه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه[4].

ورواه الدارقطني بلفظ: “إذا أكل الصائم ناسياً، أو شرب ناسياً، فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه“، وقال: إسناده صحيح، وكلهم ثقات[5].

وخالف المالكية هذا الأمر وأولوا حديث أبي هريرة السابق على زوال الإثم، وقالوا حديث أبي هريرة في صوم التطوع لخفّته وأنه يلزمه القضاء، واستدل مالك على إيجاب القضاء بأن المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع فيه خَرْم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾”[6].

قال القرطبي: “هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صح عن الشارع، وقد جاء بالنص الصريح الصحيح ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة[7].

فزال الاحتمال وارتفع الإشكال والحمد لله ذي الجلال والكمال”[8].

ورغم قول القرطبي هذا فإن المشهور عند المالكية أن من أفطر ناسيا في نهار رمضان فإنه يتم صومه ويقضي ذلك اليوم بعد انتهاء رمضاء؛ مبالغة في الاحتياط، وحرصا من المسلم أن يكون صيامه كاملا تاما لا خرم فيه كما قال مالك.

اقرأ أيضا: زكاة الفطر: أحكامها و مقاصدها

2- مبطلات الصيام: القيء:

أما القيء فالجمهور من الفقهاء -أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد: أن من استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه[9]. والأصل في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض[10].

فإن وصل القيء إلى لسانه بحيث يقدر على طرحه فابتلعه فعليه القضاء، وإن لم يبلغ موضعا يقدر على طرحه فلا شيء عليه.

3-لمس النساء

لمس النساء من مبطلات الصيام، لا خلاف بين الفقهاء الأربعة – أبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد أن المباشرة فيما دون الفرج، والتقبيل، واللمس، توجب القضاء إذا صاحب ذلك إنزال للمني، وكان عامداً لا ناسياً.

أما من قبّل فأمذى، أو كررّ النظر فأنزل فعليه القضاء، لأنه قد أفسد صومه، وبه قال مالك[11] واستدل المالكية أن المذي خارج تتخلله الشهوة، خرج بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني، أما خروج المني بالاحتلام فلا يوجب القضاء لأنه خرج بغير إرادة صاحبه ومثله أيضا القيء.

4-قضاء من جامع ناسياً

عليه القضاء دون الكفارة. وبه قال مالك في المشهور[12].

5- الحيض والنفاس:

و هو أبرز مبطلات الصيام عند النساء لو حاضت المرأة في آخر اليوم قبل غروب الشمس بدقائق فعليها الإفطار وقضاء ذلك اليوم.

6-فقدان النية في الصوم:

-من نوى الفطر وهو صائم بطل صومه وان لم يتناول مفطرا فإن النية من أركان الصيام.

7- التأويل القريب يوجب القضاء.

-إذا أكل أو شرب أو جامع ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر فظهر خلاف ذلك فعليه القضاء.

8- وصول الدواء إلى الحلق.

– المشهور في المذهب المالكي القضاء إن وصل دواء العين والأنف إلى الحلق، لأن اجتهادات المالكية مبنية على الأحوط، وخالفهم غيرهم فقالوا قطرة العين لا تفطر، سواء كانت في العين أو في الأذن. لأن العين والأذن ليستا منفذاً معتادا.

والذي أراه أن يستعمل المريض الدواء ليلا إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه ذلك وكان في تأخير الدواء إلى ما بعد الإفطار سيسبب الضرر فلا حرج عليه ساعتها.

ثانيا: ما يبطله ويوجب القضاء والكفارة.

ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة هو الجماع لا غير عند الجمهور، ومستندهم حديث أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ: لاَ، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ – وَالعَرَقُ المِكْتَلُ – قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ» فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا – يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ – أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ[13].

ومذهب الجمهور أن المرأة والرجل سواء في وجوب الكفارة عليهما ما داما قد تعمدا الجماع مختارين في نهار رمضان ناويين الصيام.

والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث:

عتق رقبة، فإن عجز عنها صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينا من أوسط ما يطعم منه أهله.

ثالثا: ما لا يبطل الصيام ولا يوجب قضاءا ولا كفارة.

1-ما لا يمكن الاحتراز منه: إذا وصل شيء إلى الحلق أو المعدة ولا يمكن الاحتراز منه فلا قضاء ولا كفارة على صاحبه كغبار الطريق والحشرات ونحو ذلك.

2-الكحل: من اكتحل ليلا لا يضره هبوط الكحل في معدته نهارا، ومن علم من عادته أن الكحل ونحوه لا يصل إلى حلقه فلا شيء عليه وإن اكتحل نهارا. ويلحق بهذا الحناء والدهن للجلد وغيرهما.

التطيب بالطيب: فنقل صاحب المعيار عن الامام ابي القاسم العقباني أنه قال: لا أعلم من يقول فيه بالإفطار وإنما يكره في مذهب بعض أهل العلم[14].

-ابتلاع بقايا الطعام غلبة: المشهور في المذهب المالكي أنه لا شيء على من ابتلع بقايا من الطعام كان بين الأسنان غلبة.

المضمضة لوضوء أو عطش جائزة، فإن غلبه إلى حلقه فالقضاء وإن تعمد فالقضاء والكفارة.

السواك:يباح السواك في كل نهار الصيام خلافا للشافعي الذي أجازه قبل الزوال فقط لعموم قوله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ»[15]. وإنما يجوز السواك بما لا يتحلل منه شيء.

ذوق الطعام: كره المالكية للصائم ذوق القدر من الملح ونحوه، وكذا مضغ العلك ومضغ الطعام للصبي

الإصباح بالجنابة مغتفر وذلك بأن يؤذن المؤذن لصلاة الصبح ولم يغتسل المرء من الجنابة بعد، ففي الصحيح عن عائشة وأم سلمة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ «يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ[16].

-انقطاع الحيض قبل الفجر:من انقطع حيضها قبل الفجر فلم تغتسل حتى طلع الفجر فظنت بطلان صومها فأفطرت لا كفارة عليها. والأصل أنها تصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

الحقن: حقن الإبر المغذية التي يستغني بها عن الطعام تفطر. فأما الإبر التي لا تغذي فلا تفطر سواء استعملها في العضلات أم في الوريد، وسواء وجد طعمها في حلقه أم لم يجده.

خروج الدم بنفسه كالرعاف أو خروجه بجرح أو بقلع سن أو نحوه فلا يفطر.

الاحتلام لا يبطل الصوم؛ لأنه ليس باختيار الصائم، وعليه أن يغتسل غسل الجنابة.

الحقنة الشرجية: يجوز أخذ الحقنة الشرجية للحاجة إذا احتاج إليها المريض لعدم مشابهتها للأكل والشرب.

تنظيف الأسنان بالمعجون: يجوز للصائم أن يستعمل معجون الأسنان وهو صائم في نهار رمضان وأن يحتاط من ابتلاع شيء منه.

الربو واستعمال البخاخ: المريض بمرض الربو يجوز له استخدام العلاج بواسطة البخاخ عن طريق الفم لقول الله عز وجل: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}[الأنعام: 119]، ولأنه لا يشبه الأكل والشرب، ولأن حصة كبيرة من قطرة الماء التي توجد في البخاخ تضيع إما في الهواء وإما في الفم ولا يتسرب إلى المسالك التنفسية إلا جزء يسير جدا.

والحمد لله رب العالمين.


[1]شرح مختصر الطحاوي للجصاص،2/411-412.

[2]المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي، 1/335،

[3] المغني لابن قدامة، 3/131،

[4]– صحيح البخاري،كِتَابُ الصَّوْمِ،بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، رقم: 1933.

[5]– سنن الدارقطني،كتاب الصيام، باب تبييت النية من الليل،رقم:2242 .

[6]–  البقرة، 187.

[7]– رواه الدارقطني، كِتَابُ الصِّيَامِ، باب، رقم: 2243. وقال: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري.

[8]الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 2/323.

[9]– ينظر رأي المالكية في الموطأ، 3/436.

[10]– مسند أحمد، مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، رقم: 10463.

[11]– المدونة، 1/268،

[12]-المدونة، 1/ 277. الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر، 1/341.

[13]– البخاري،كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ، رقم: 1936.

[14]– الدر الثمين والمورد المعين لميارة، 464.

[15]– البخاري، كِتَابُ الجُمُعَةِ،بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، رقم: 887.

[16]– البخاري، كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا، رقم: 1926.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: